ورقة من القرآن

رفع كرتونة كتب على كتفه الأول وكرتونة أخرى على كتفه الآخر وتوجه بها إلى الدرج الطويل الصاعد الملتوي كالأفعى المرسومة على رمز الصيدلية، بحث عن مكان راسخ يثبت فيه قدمه اليمنى في وسط الدرجة المنبطحة بشكل مثلث، تبدأ ضيقة بالكاد تتسع لقدم ابنتي الصغيرة، ثم تصبح أكثر عرضًا واتساعًا.. ثم ثبَّت قدمه الأخرى إلى جانبها وانطلق إلى الطابق الثالث يحمل صناديق الكتب ..

شاب مفتول العضلات، عيناه المتعبتان الخضراوان اللتان تدوران داخل مقلتيه بسرعة  تبتسمان دون انقطاع.. وبشرته محروقه وكأن والدته نسيته في الشمس أيام الحصاد، حتى عندما يضع على ظهره عشرات الكيلوغرامات يستمر في التبسم.. استعنت به كي أنقل عشرات كراتين الكتب التي أمتلكها من الطابق الأول إلى الطابق الثالث في بيتي..

 

أخذ النقلة الأولى وعاد بلمح البصر. فسألته لماذا ينقلها بهذه السرعة الجنونية فأنا أخاف أن يتعثر على الدرج ويصاب بجروح، فقال بهمة لم أعهدها : سأنتقل بعدك يا عمي الحاج إلى جارك أبي الوليد لتحميل ثلاجته. يبدو أن أبا الوليد يريد شراء ثلاجة جديدة يستعين بها لمقارعة الطقس الحار. بعض زجاجات الماء المثلج قد تساعدك في هذا الشوب. كان الطقس حارًّا خارج البيت ولا يطاق داخله، حتى إذا كانت نوافذه مفتوحة. واستغربت من محمد الذي كان يرتدي سترة شتوية بكمين طويلين والعرق يقطر منه مخلفا وراءه خطا من ماء مخلوط بغبار، لكنه كان حذرًا في عمله. أجابني لاحقا أن هذا اللباس يقيه من العرق الذي ينساب على يديه. عندما تعرق يداه لا يستطيع إمساك البضائع. وكان محمد يدرس المكان الذي يضع فيه قدمه. يضغط عليها وكأنه يمسمرها، فلا تهتز تحت ثقل الكتب المتكدسة على كتفيه..

انتهى من النقلة الأولى ثم عاد لحمل المزيد من الكتب لكنه كان ينقل عينيه بين الكتب دارسًا للعناوين متأملا أسماء المؤلفين وكأنه يمارس طقوسًا هندوسية..

سألته: ما الذي أتى بك إلى هذه المهنة الشاقة في العتالة فقال: إنه الفحم

ما علاقة الفحم بالموضوع؟ واصلت

فقال: عملت في الفحم منذ سنوات، وكانت الشمس الحارقة تكوي جلدي، وكنت أحتار بين جمر الفحم وشدة الحر اللافح الذي يسلط نيرانه على وجهي ورأسي.. ألا تدري يا أستاذي أن غالبية سكان بلدتنا يعملون في الفحم؟

أعرف يا عزيزي، قلت بسرعة في محاولة لإخفاء جهلي بالمهن التي يزاولها أهل بلدته.. وفهمت لماذا تبدو بشرته محروقة

وهل هذه المهنة أفضل، العتالة؟

بكثير.

ولماذا لم تكمل دراستك طالما أراك مهتما بالكتب إلى هذا الحد؟ (وقبلما يبدأ بالإجابة أخذت بعض الكتب ووضعتها جانبا لأهديه إياها عندما ينتهي من مهمته)

فقال بفخر كبير: رحل والدي عن الدنيا عندما كنت في الصف التاسع بعدما أصابه السرطان فجأة. كان أبي في عز شبوبيته. كلّ أهل البلد يعرفون مدى قوته. أنا الولد الأكبر في العائلة. جدي حرمنا من الميراث لأنه خالفه الرأي في الزواج. تزوج أبي من أمي رغما عن عائلته فعاقبوه.

حاولت إخفاء دهشتي من التفاصيل  المؤلمة فقلت: كلّ الاحترام

كلّ الاحترام لأهل أبي لأنهم عاقبوه؟

بل كلّ الاحترام لك أنت لأنك قررت الخروج إلى العمل لتصرف على أمك وإخوتك الصغار.

أعجبته سرعة بديهتي. نظر إلى الكتب مليًّا. التقف الصندوق التالي قذف به إلى كتفه وواصل في تعتيل الكتب إلى الطابق الثالث.

في هذا الوقت حاولت أن أجرّ بكلتا يديّ صندوقا كبيرا من الكتب، على الأرض، فلم أستطع أن أزحزحه.. وإذا به يطلب مني التنحي جانبا. وضع يده اليسرى على الصندوق. شدّه فانشق الصندوق قليلا. أزال الورق اللاصق بعناية ولفت نظره أمر غريب في الصندوق. لم ينتبه إليّ عندما كنت أتابعه. لم يأبه بي. حَدَّق بالكتب. رفع الكتاب الأول فالثاني ثم أدخل يده بين مجموعة كتب وأخذ ورقة. قبلها ثم أمسكها بعناية وكأنه يمسك بيديه طفلا ولد  قبل لحظات ووضعها على طاولة المكتب.. ظننت أنها من كتب أحد أولادي.. ثم غاص في الصندوق طوال دقائق طويلة ليخرج كلّ الكتب التي فيه. نثرها على الأرض. وكما يبدو فقد نسي أنه مستعجل ليذهب للعمل لدى جاري. انتقى من بين كومة الكتب المنثورة على الأرض كتابا. أمسكه بمحبة. قبَّله ووضع جبينه عليه. أخذ الورقة السابقة، نظر إلى رقمها. فتح الكتاب وأعاد الورقة إلى مكانها. ثم وضع الكتاب فوق كلّ الكتب وناداني: عمي الحاج!

قلت له: نعم يا محمد

قال وهو يمسك الكتاب بيده لكي أراه بوضوح: هذا الكتاب يوضع في أفضل مكان. وكان يمسك بيديه القرآن الكريم.