ساعِدني يا أبي...

 (خطاب من بنت لأبيها بعد تجربة غير لطيفة مرت بها. مكالمة نسمع

فيها البنت تتكلم مع أبيها عبر الهاتف. الأب في العمل. الطفلة في البيت)

 

البنت: أبي.. أريد أن تساعدني.. ألا تسمعني؟

الأب: .. بلى.

البنت: أريد أن تساعدني.

الأب: طبعًا.

البنت: أريد التحدث معك..

الأب: ماذا حدث يا عزيزتي؟

البنت: وجهي أحمر.

الأب: لماذا؟ من شدة الخجل؟

البنت: لا.. لا يا أبي، ليس من شدة الخجل. ولا من شدة التأثر. لا يا أبي.

الأب: أذن، لماذا هو أحمر؟

البنت: لأن أمي ضربتني.

الأب: ماذا؟

البنت: بكفة يدها. كنت دائمًا ارغب في تقبيل هذه اليد يا أبي، وما زلت. لا اعرف إذا كنت سأفعل ذلك في المستقبل. بلى. بلى. سأقبلها. رغم أنها ضربتني. لم أكن اعرف أن يدها كبيرة. تخيلتها أكبر من يدك حتى. أيدي الرجال أكبر من أيدي النساء. أليس كذلك؟

الأب: ...

البنت: لماذا لا تجيب يا أبي؟

الأب: نعم يا عزيزتي.

البنت: تعرف.. في المرة السابقة سامحتها. قالت إنها لن تضربني مرة أخرى. صدقتها. ضربتني على يدي. شعرت بألم.

الأب: لكن أمك طيبة جدا. وهي تريد لك الخير يا حبيبتي.

البنت: صحيح.ما أطيبها. عادت وصالحتني.

الأب: هل تريدين شيئًا آخر؟

البنت: تعال إلى البيت بسرعة يا أبي.

الأب: لماذا

البنت: لتبعد عني عنف أمي. انتبهت في المرة السابقة ما حدث. اقترب مني جدي فابتعدت عنه. اقترب مني خالي. ابتعدت عنه.

الأب: لماذا؟

البنت: لأنني صرت أخاف من كلّ شخص يقترب مني. أظنه سيضربني. صرت أفكر أن كلّ الناس مثل أمي.

الأب: لكنك في عيد الأم احتفلت بها!!

البنت: في عيدها أحضرت لها هدية. شعرت أنها أفضل أم في الدنيا. إنها أحسن أم. لي ولأخوتي. تشقى من أجلنا. تتعب كثيرًا. وهي تحبنا. أنا متأكدة.

الأب: أنها لا تريد أن تضرك..

البنت: أعرف. أختي الكبيرة قالت إن أمي تفكر بمصلحتي. فلم أفهم ماذا تقصد. لا أدري لماذا يجب أن يصبح جلدي أحمر.

الأب: إلى هذا الحد؟

البنت: صرت اكره اللون الأحمر يا أبي. حتى الإشارة الضوئية لا أحبها. أنا مثلك. أنت أيضا لا تحبها. عندما تكون الإشارة باللون الأحمر. أعرف. لقد تورمت يداي. وصار وجهي أحمر. وهي تضربني في أماكن أخرى.

الأب: أين؟

البنت: أخجل أن أقول لك.

الأب: أريد أن أعرف

البنت: مصرّ؟

الأب: نعم...

البنت: طيب... لا أريدك أن تزعل. إنها تضربني في نفس المكان الذي غرز فيه الطبيب إبرته عندك يا أبي. نعم. عندما كنت مريضا. هناك. وأنا أذكر انك عدت متألما. لم تستطع الجلوس على كرسي. لا أحب أن تتألم يا أبي.

الأب: وأمك؟

البنت: هي أيضا لا أريدها أن تتألم... يكفي ما تألمته عندما حملت بي. وأنت أخبرتني أنها تألمت كثيرًا عندما أنجبتني. لم يكن سهلا. أعرف.

الأب: حسنا يا عزيزتي.. يجب أن أعود للعمل.

البنت: أبي، متى سترجع من العمل؟

الأب: في الساعة الرابعة...

البنت: حسنا.. الساعة الآن الثانية.. سأنتظرك ساعتين. حاول العودة أبكر.  تعرف أنني خفت عليك عندما مرضت قبل أسبوعين؟ خفت كثيرًا. عليك وعلي. خفت عليك من المرض. وخفت أن تتركني وحدي مع أمي.

الأب: ماذا فعلت لتضربك؟

البنت: المعجونة التي اشترتها لي أمي. وضعتها في المرحاض. نعم. ظننت أنها ستذوب. لكنها لم تذب. أغلقت الفتحة. فاضت المياه. كادت تغرق البيت. أتى كل الجيران إلينا. ليساعدوا أمي. تعرف أنني أحب الجيران. وأحب أن تترك الباب وراءك مفتوحا عند الخروج إلى العمل.

الأب: لماذا؟

البنت: لأن الجيران قد يأتون لمساعدتي إذا ضربتني أمي. سأصرخ فيسمعون ويظنون أن حادثًا كبيرًا قد وقع. وهكذا سينقذونني. أمي تتظاهر أمام الناس أنها لا تضربني...

الأب: إنها لا تتظاهر يا عزيزتي.

البنت: من ينادي عليك؟

الأب: مديري...

البنت: هل يضربك أيضا؟ لا يا أبي. إنني أمزح. أعرف أن لا أحد يضربك. لا يستطيعون. حتى جدتي لم تضربك حين كنت صغيرا مثلي... صحّ..

الأب.... (صمت)

البنت: لماذا سكتت؟ إخوتك ربما يكونون أفضل من إخوتي. فواز الكبير يقول لي: الحق مع ماما. لازم تتربي. لكن.. هل لازم أتربى بهذه الطريقة؟

الأب: إننا نحبك يا عزيزتي

البنت: لماذا لا تكلمونني. إنني افهم عندما تكلمونني. كلموني.... صحيح أنني صغيرة لكنني أفهم من أول مرة، أحيانًا.

الأب: ماذا فعلت أيضا؟

البنت: رسمت على الحيطان. بالألوان التي اشترتها لي أمي. تريدني أن أصبح فنانة. فلماذا تزعل إذا رسمت؟ و... وضعت قلم الحبر بين الغسيل. وصارت كلّ ملابس إخوتي بلون الحبر.

الأب: وكسرت شيئًا؟

البنت: الصحن... نعم. نعم. أنا كسرته. صدق أنني لم أقصد.

الأب: ولماذا سكبت الماء على الكنبة؟

البنت:.. حتى أنت سقطت منك الكأس مرة وانسكب الماء على الكنبة. ألا تذكر؟ أبي.. أبي... قبل أن ترجع إلى العمل.. أعدك أن لا أكرر أفعالي. لكن.. قبل أن تخرج أمي من الحمام. أريدك أن تعدني يا أبي أن تتكلم معها. أن تشرح لها. أنا يا أبي أحبها. وأكثر ما أحب في العالم أن تقبلني أمي قبل أن أنام. وأشعر أنها ما زالت صديقتي.

 

}قبل عامين، كنت أسوق سيارتي في أحد الشوارع الفرعية في البلدة فنظرت من نافذة السيارة لأرى طفلة تبكي بينما كانت أمها تضربها والبنت تقول لها أريد أن أتصل أبي... فتصورتها تتحدث إلى أبيها وتروي له ما حدث{