أبي يفاجئني..

سوار؟ أين أنت يا سوار؟ سمعت أبي ينادي. لم أُجب. لم أقل لأبي كلّ الحقيقة. لم أحكِ له ما حدث معي في الفترة الأخيرة. صحيح أنني تجولت في البستان. لكنني فعلت شيئًا لم أصارحه به. أريد. أريده أن يعرف. ربما في المرة القادمة.

خلال الأسابيع الأخيرة أخفي هذا السرّ عن أبي وأمي. إخوتي يعرفون ما أفعل. هل أبي وأمي أيضا يعرفان؟ هل يعرفان بالفعل، ولا يريدان إحراجي؟...

أمي سألتني أمس: لماذا صرت نحيفة في الأسبوعين الأخيرين... ربما وَجَدَتْ طرف الخيط. هل عَرَفَتْ أمي السرّ...

زوادتي في المدرسة لا آكلها...

المأكولات تختفي من الثلاجة بسرعة.

أخي رامي يعرف كلّ الأسرار... فادي يعرفها.. وحتى ليار الصغيرة...

***

قبل أسبوعين تعرفت عليها... دخلت إلى حياتي مثل البرق... لعبت في الساحة وكانت هي هناك.. اقتربت منها فاقتربت مني.. لم تخف.. حكت ظهرها بقدمي.. ضحكت ونظرت إليّ فوجدت الدموع في عينيها...

أبي قال لي مرة إنها لا تبكي... غير صحيح... إنها تبكي.. دموعها مثلي تمامًا..

كلّ يوم صرتُ انزل إلى الساحة وألعب معها..

صرت أخبئ الطعام لها .. وأعطيها.. أطلب من أمي أن القي أكياس القمامة وآخذ لها جزءا منها...

اسقيها من اللبن الذي في الثلاجة... مرة وضعت لها فيه الملح. لم تحبه مع أنها كانت جائعة...

أختي ليار مضحكة. ظنتها تحب الحلوى. أعطتها كعكة من عيد ميلادها قبل أيام. لم تأكلها. شمتها ولم تفتح فمها. ربما لا تحب الكاكاو... مثل أبي. يحب كعك الجبنة.

***

تعرف كلّ زميلاتي في الصف من أعزُّ صديقة لدي. بيني وبينكم: أشعر أن دلال تغار منها. كانت تظن أنها صديقتي الوحيدة. فجأة تغير الوضع...

***

لماذا لا آكل زوادتي؟

لكي أعطيها الطعام. أنا آكل مع أهلي على الغداء. أما هي، فمَن يطعمها؟

***

أمس عدت من المدرسة ولم أجدها..

بقيت في الساحة طويلا، فلم تأتِ إليَّ..

نادى عليّ أبي فتظاهرت أنني لا أسمعه..

أريد أن أرى الأليفة..

هكذا أسمتها ليار. أختي. وصار هذا اسم قطتي الحبيبة.

الأليفة لم تأتِ.

مرت دقائق. نادى أبي ثانية. رددت:

-نعم، يا أبي!

-تعالي يا سوار

-حاضر

صعدت الدرج. كنت حزينة. أرغب في العودة للبحث عنها. لماذا لم تنتظرني اليوم. دائمًا أحب العودة من المدرسة لألعب مع أخوتي. فجأة صرت أحب العودة مبكرًا للعب مع الأليفة.

إخوتي سبقوني. طبعا يجلسون الآن لتناول الغداء. أبي أعدّ لنا طبخة زاكية. أمي ليست في البيت. إنها في الجامعة اليوم. لكن.. أين الأليفة؟، ربما هي مريضة.

لماذا لم ينتبه إخوتي. لم يشعروا أنها غير موجودة..

هل أتى أحد وأخذها..

هل اعتدى عليها كلب شارد.. غير معقول.. الأليفة تحب الجميع. الناس والحيوانات. وأنا أحبها.

وصلت إلى باب البيت. رننت الجرس. ادخلي، قال فادي.

كانت في عيني دموع. بكيت لأنني لم أجدها. قطتي الحبيبة ضاعت. كلّ يوم تنتظرني حين أعود. لماذا لم تنتظرني اليوم.

فتحت الباب.

وقفت على العتبة. فشعرت بأن شيئًا يحكّ ظهره الناعم بقدمي. كانت هي الأليفة. ضحكت من أعماق قلبي. اقتربت منها بلهفة. قبلتها.

ماذا تفعل الأليفة هنا؟ سألت أبي.

عرفت اليوم أنك تطعمينها زوادتك..

من أخبرك؟

إحدى صديقاتك..

إذن؟

استنتجت أن مأكولات الثلاجة لم نأكلها نحن...

وبعدين؟

(خفت من إجراءات قاسية ضد القطة.)

قال: بدلا من أن تبقى الأليفة في الخارج قررت إحضارها للبيت. ستعيش معنا. وجدت لها مكانا في الشرفة. في الساحة قد تتعرض لاعتداء. وإذا أردت النزول معها للبستان، فلا بأس..

أسرعت إلى أبي وقبلته...

فقال : على الأقل ، هكذا نوفر قسما من الطعام في الثلاجة

وستبقيها عندنا في البيت؟

بشرط!

ما هو؟

أن تأكلي زوادتك في المدرسة..

ضحكت ... ضحك إخوتي... ضحك أبي... ونظرت إلى الأليفة فوجدتها لأول مرة تضحك...

 

 

موقع نادر أبو تامر nader.bettna.com