موقع بيتنا

الرئيسية - قصص قصيرة-إن فاتك الضاني عليك بالحٌمّصاني

إن فاتك الضاني عليك بالحٌمّصاني

 

 شهربان معدي

إن فاتك الضاني عليك بالحٌمّصاني قصة شهربان معدي

 04/08/2014

 

القصص الرئيسية


هنالك أشخاص حضورهم كاخضرار السنديان,حديثهم كالعسل البري الصرف, الذي لم تكدّرهُ يد الجاني... لا تشبع العيّن منمشاهدتهم ولا الأذن من سماعهم, أثرهم يسكن في تفاصيل الروح مهما طالت خطى السنين...وهنالك زمرة أخرى كلامهم لا تمجًّهً الأسماع وحضورهم لا تكتحل به العيون ورغم ذلكنتحمّلهم لأننا ندرك أنّ الله لا يغيّر قوم حتّى يغيّروا مابأنفسهم....
وزائرتي المّوقرة والتي تعتبر نفسها منسيدات المجتمع اللواتي على رأسهن ريشة! لا أريد أن أًضيفها لأي مجموعة من هؤلاء,ولن أبوح لك يا عزيزي القارئ عن ثقافتها أو عمرها أو علاقتي بها لئلا تدور عليّدائرة السوء وتظن إحّداهن إنها المقصودة بزائرتي المحترمة التي زارتني دون موعدلأرتق لها فستانها الفاخر، ولكن سأخبرك بسرٍّ صغير كبير، بأنني أعرف أدق تفاصيلحياتها والمناخ القمعي الذي كانت تعاني منه قبل زواجها من ذلك الرجل الموسر صاحبالنفوذ...!
ثمة تساؤلات كثيرة ازدحمت في رأسي بعدخروجها من بيتي...أهي تعكس عمق الهاوية التي سقطنا في قاعها... أم القحط الروحي والخواء الوجودي الذي نعاني منهُ.. أم الحُرّية المُفاجئة التي ظفرنا بها والتي لمنفلح باستعمالها بالشكل الصحيح؟!
عندما دلفت لبيتي كنت منهمكة في رقعجينة البيتزا لأولادي وكان شوبق العجين لا يزال في يدي.. ورغم إننا في زمنِ فقدنافيه كل ما يدهش فقد انتابني الكثير من الدهش عندما رأيّتها! وقد كان عهدي بهاامرأةُ عادية صاحبة شعر كستنائي اعتادت أن تعقدهُ في جديلة، تحوّل فجأة إلى شعرأشقر ناعم لا يتجاوز الكتفين.. وبشرتها المحروقة كسنابل أيار أصبحت فجأة بشرة بيضاءالثلج، بعد أن داعبتها فرشاة الميك أب.. وللوهلة الأولى ظننتها إحدى المُذيعاتالفاتنات اللواتي نشاهدهن عبر شاشات التلفاز بهذا "اللوك" الجديد..وبقدر ما أصابنيمن الدهش هي أيضا انتابها الدهش عندما رأت شوبق العجين الذي في يدي! حيث سألتنيبتعجب شديد أتحضرين البيتزا في البيت؟ إنها طارحة عصاها في المحلات والمتاجر!؟بلمسة صغيرة على الجوّال وتكون ساخنة وطازجة في متناول يديك وأردت أن أخبرها إن ذلكلا يضاهي فرحة ابني الصغير الذي يكاد ينط من الفرح عندما يعود من المدرسة ويشمرائحتها الطيّبة المنتشرة في أرجاء البيت.... ولكنها كانت مسرعة جدا حيث ناولتنيفستانا فاخرا من الدانتيل المطرز وبسبب لونه الفاقع ومقاسه الصغير ظننّته لأحدىبناتها المراهقات ولكنّها أكّدت لي أنّهُ لها وأنها ستلبسهُ بمناسبة خطوبة ابنةأحدى قريباتها وأنها اختارت اللّون الزهري الفاقع بالذات لأنها على حد قوّلها (الزهر يقهر قهر) وهي تُريد إغاظة إحداهنّ....
ولأنني كسائر النساء لا نتخلى عنفضولنا أبداً! سألتها بعفوية: يبدو لي أنّه فستاناً باهظاً؟؟ فأجابتني بلامبالاة.... لا أنّهُ ليس باهظاً... لم يكلفني سوى ألفاً ومائتي شاقل!! أي ثمن نقلةالحطب التي تدفأنا عليها طيلة فصل الشتاء...!
ولكنني آثرت الصمت لكيّ لا تظن زائرتيالمفتحة في بلاد عميان أنني أحسدها على هذه النعمة المؤقتة أو ليس نتهندم ونتبرجونغير أقنعة في كل مناسبة لكي نرضي الآخرين؟!
وطلبت منها بكياسة أن تنتظرني في غرفةالصالون بجانب الوجاق الدافئ ودلفت لغرفة الخياطة لأرتِق لها فستانها الفاخر وعندماعدت وجدتها تقتحم كل زاوية وركن في بيتي بعيونِ حادةِ كعيون الصقر وسألتني بتهكمأهل صالونك جديداً؟ فأجبتها بحماسٍ جليّ: نعم إنه جديد. - أهل يروقكِ ؟! أظن أنهُمن (برطعة)!! قالت بتعالٍ وهي ما زالت تحدق في بيتي المسكين! فأجبتها بخيبةٍ واضحة:لا يا سيدتي إنه صناعة محلية، وأنا شخصياَ أشجع الصناعة المحلية، كيف لا وقدتعوّدنا أن نستورد من قيمة الإبرة حتى السيّارة من الخارج! وبالمقابل نتجاهل تلكالورشات المحلية الضئيلة التي تحاول عبثاَ أن تزدهر وتثبت وجودها في قٌرانا، وللأسفالشديد لا تحظى بأي دعم حكومي كان أو محلي...
ووجدت نفسي أتكلم لوحدي حيث أمسكتزائرتي الموقرة صندوق العجب خاصّتها أي (هاتفها الجوّال) لتطلعني على مغارة عليبابا الزاخرة في بيتها الفخم!! بدأت بالصالون الأمريكي الذي وصلها خصيصا من بلادالعم سام,, ثم بالموقد الحجري المبني من حجارة تركية والذي يعمل بطاقة الغاز وأردفتقائلة بتبجح: من لديه الوقت لينقل الحطب لكي يوقد الوجاق!؟ أجبْتها بثقة تامةبأننّي لا أشعر بالدفئ إلاّ عندما أسمع طقطة الحطب وأشم رائحة الصنوبر المحترق...ولكنها كالعادة لم تستوعب كلمة واحدة من كلماتي بسبب انشغالها بهاتفها الجوّال حيتانتقلت للستائر الحريرية المُطرزة الحواشي التي ابتاعتها من الصين..
أردت أن أقول لها أنا ابنة الربيع التيتعشق الأزهار البرّية التي لا أسماء لها والتي تنتظر بلهفة الأطفال أن تفيض عافيةالأرض لكي تزهر شجرتيّ اللوز والليمون في حاكورة بيتي .. إنني أكره تلك الستائرالتي نسدلها على رشح المطر والمروج الملوّنة!! ولكنها انتقلت بسرعة البرق لغرفةنومها لتطلعني على أعمال الجبص الدقيقة التي زينت سقفها, أردت أن أقول لها أنالبيوت أسرار وما هذه السقوف المزخرفة سوى حجاب يحجبنا عن عبادة الله وحمده!ولكنّها تذكّرت فجأة طقم الشاي الإنجليزي الذي أهداه إياه زوجها في عيد ميلادهاوأصرّت أن تقرأ لي بعض التعقيبات التي تلقتها.. وليتك تدرك يا عزيزي القارئ مدىالألم الذي انتابني عندما قرأت بعضا من التعقيبات بلغة عبرية عربية مكسرة، وحتماأشفقت على لغتنا العربية التي أنزل بها الكتاب، وتذكرت مكتبتي الزاخرة بالكتبالمعتقة كأوراق الخريف والتي لم أنل ولا حتى لايك واحد عندما عرضتها في جوّاليالخاص... وتساءلت ما بال تلك المرأة التي تعتبر نفسها امرأة (مودرن) تحاول أنتقنعني بضحالة تفكيرها أن مغارة علي بابا الزاخرة في بيتها هي سدرة المنتهى وأرومةالحياة... صحيح إنّنا في هذا الزمن المعدني (معك قرش تسوى قرش) ولكنني لا أرضى أنأكون الفراشات والألوان في بيتي بل اللوحة الزيتية نفسها مكتملة الألوان... واعتذرتمنها لأجلب القهوة دون أن أنتبه لطنجرة الحمص الصغيرة التي تركتها تغلي على الوجاقالمتأجج، وعندما عدت أدراجي شعرت لأول مرة في حياتي أن بيتي الكبير الذي تلعب بهخيوط الشمس أصبح صغيرا جدا كوجهي تماما الذي تقلص وألهبتهُ الدماء الحارّة عندمارفعت هذه المرأة الفضولية غطاء الطنجرة وقالت وقد استولى عليها الدهش: مرة أخرىحمص! أتسلقين الحمص؟! وما عيب حمص أحلا؟؟ أو المطاعم الصباحية؟
ومرة أخرى فتحت صندوق العجب خاصتهالتطلعني على المطعم الفاخر الذي يحرص أن يصطحبها زوجها إليه هي والأولاد في إجازتهالأسبوعية... ما شأنها تلك المرأة التي تشبه الكثير من الناس الذين لا يوجد عندهماستعداد لأن يرون الشمس ولا الطيور ولا السّماء, هؤلاء البشر الذين يسرقون الفرحالصغير والقناعة من قلوبنا, بينما هم يخسرون بركة عمرهم في اقتناء هذه المُتاعالمادية التي لا قيمة لها... هؤلاء هم فقراء العولمة الحديثة الذين يرون الجمالمُجسَّدا في الأزهار الاصطناعية والطعام المعلب والثمار المدجنة، ولا يرونه فيأزهار اللوز والليمون التي تعبق برائحة الأجداد. هؤلاء البشر لا يتذوّقون خبزالأمهات بل يطيلون الانتظار في الطابور ليتناولوا قطعة من البيتزا مع كأس كوكاكولا.....
ولذلك قررت أن أستجمع قواي وأستل سيفيوأضرب على الوتر الحساس عندما تذكرت طنجرة الحمص الكبيرة التي اعتدت أن أجدهاتتراقص على الغاز صبيحة كل يوم سبت في بيتها قبل الزواج.. وسألتها عمداً: أما زلتتحبين الحمص كعهدي بك؟ فأجابتني بحماس: ليس ثمة شيء يضاهي الحمص الذي نتناوله فيالمطعم... وشعرت إنني سكبْت عليْها دلواً من الماء البارد عندما ذكرتها بطنجرةالحمص التي ألفتها في بيتهم صبيحة كل سبت، وبالمثل الذي كانت تردده والدتها (إنفاتك الضاني عليك بالحمصاني).... وبعصبية شديدة أقفلت (جوّالها) وطلبت مني أن تقيسالفستان المسكين الذي تنفس الصعداء مثلي عندما خلعته وأعادته للكيسالفاخر.. 
 
واستأذنت بالرحيل لأنها تذكرت أن لديهادورا في أحدى صالونات التجميل بعد أن اكتشفت تجعيدة صغيرة على جبينها.... وصدقاأقول بأنني حمدت ربي كثيرا، نعم حمدته من كل قلبي, لأنّه أعتقني من ربقة هذهالأغلال التي تفاخرت بها زائرتي المفتحة في بلاد عٌميان كما أخبرتكم في البدايةوالتي ما هي إلاّ طاقةُ أرضية, كانت ستحشرني في زوايا الحاضر المؤقت وتشدني نحوالأسفل، وعوضني عنها بجناحين كجناحي النسر لأٌحلق بهما فوق القمم العالية وعيونكعيون النحل لا ترى غير الزهر ولا تجني غير العسل.....
* شهربان معدي - يركا

القصص - الرئيسية