موقع بيتنا

الرئيسية - قصص قصيرة-وشعرُهَا تُطلِقُهُ للرّيح

وشعرُهَا تُطلِقُهُ للرّيح

 

 رجاء بكريّة

وشعرُهَا تُطلِقُهُ للرّيح قصة رجاء بكريّة

 05/01/2014

 

القصص الرئيسية


لحظات فالتة

أبيضُ القلبِ أطلّ صباحُهُ في حاكورةِ قُبلتِهِ العميقة أسفل كتِفِهَا. فكّرت بغياباته الأخيرة، وهي تغذّ الخطى إلى فُرنِ الحطب. كانت بُقجَةُ القشِّ تميلُ معَ أقراصِها المورّدة فوق رأسها. كانت قد حفنت من رمادِ الجمر وعادت أدراجَ قَلبِها حين قطعَ مسار خطواتِها ديكٌ أسمر ونقرَ شحّاطة البيتِ الّتي كانت تجرّها تحت حملها الثقيل. على بعد خطوات من لفتتها الدّهِشة وقفت قبيلة من الحمام الملوّن. اقتربت منها رهبة أو رغبة، وألحَّت أن تنحني. حنت جسدها الأهيف حين باءت محاولةُ الفِكاكِ منها باءت بفشل ذريع.

لكنّها فاجأت توقّعاتها حينَ لامست ريش جناحاتها المبعثرة، وتمايلت قليلاً مع بُقجتها المزخرفةِ. هجوما منظّما نُفِّذَ حول قامتِهَا المحنيّة لأطيافه الكثيرةِ من كلِّ جانب، مستهدفاً خبزَها الساخن. جرّبت أن تصدّهُ، فَحفنَ القمحُ بمناقيره ونثره على عنقها، ولّى هاربا، ومازحاً. تذكرّت هذه التفاصيل عن أمّها الّتي علقت بين الطّحينِ والعجين في فرن الحطب، حين هاجمتها دجاجات المزرعة، وهي تَرُقُّ أقراصهُ غير المختمرة، قالت، لم تمهلها كي تنتهي من تحميرها. اختطفتها من بين يديها وهي تلوِّحُ بها مع شعراتها الهاربة تحت الفوطة البنيّة المخصّصة للخبز تحديدا.

مغمضة العينين تذكرت، مغمضة رسمت شكل حمامة تثرثر وهي تنثر الحبّ الأصفر على عنقها الأملس. ذكّرها، قال:

"لا تبتعدي عن محابر الضوء، فمعابره، يا سيّدتي، مشغولة بغار يغار منك عليك. عاد ذلك الرجل يسأل. دائما يسأل عن امرأة تغزل لون الفضاء شرفات على كتف القمر. هكذا أضاف، حين يأتي الليل تستعير أقدام ذلك الرّجل إحدى الشرفات الطيّارة كي يُسكِنَ إليها قلبه.

يحبّك يقول، ويغشّ كلّ مساء وسائد العتمة. يتركها فارغة من كواحل النساء. حين يشعر بالوحدة يغشّ. فقط حينها ويشعر أنّه يَلبسُكِ. يمتلك زغبك تحت فتنة حبره. للحبر فتنة حين يسجّل اسمك بأظفار قلمه. كان دائما هكذا، يذهب إلى نساء لا يعرفهنّ وإليك كي يعترف للغياب بقدرته على استفزازه. إنّه ينعفه دائما على ورق امرأة مثلك تعتنق الغياب. حين يريدها لا تأتي، وحين تكون يسرقه رمل حيفا. يعثر دائما على ذريعة كي يعود إليكِ محمّلا بالحبر والتبر معا. تحت الرّمل يعثر عليه دون توقف. وأنت تستغربين، ودون توقّف تسألين، من أين يأتي بهذا الوهج؟ يسحبه خلفه مثل رجل تلك البُقجة الّتي تبدو بحجم عالم خلف ظهره. لكنّ بقج الرّجل الّذي يتوهّج بك خفيفة ورشيقة تحمله أكثر ممّا يحملها، ويشغله دائما حبُّ القمح الّذي ستمتلىء به جيوبها.

عنكِ قال ذات مرّة، أنّك قادرة على استنزال القمح من الغيم، وتفعلين دون جهد. بمجرّد أن تهمسي، "يا غيم انتعش"، يتضاحك القمح في الفضاء، وينزل على كفيك نزول شتاء. عصي على الفهم ما يحدث بينك وبين الغيم والحمام. كلّ الحمامات تطير كي تعود قريبا من سبائك القمح المجدولة بين عينيك. تلوّح من بعيد كي تستثير البدن أوّلا ثمّ تثير عاصفة حول الشفاه. تحنّ الشفة حينها لريق الجوع وحموضة العناق.

 

شَعرُهَا تُطلقُهُ للرّيح

 

رسائله سريعة ومختصرة. تركض عبر المواقع كأنّها تبحث عن قصد أو غير قصد عن امرأة فالتة. امرأة تمتحن الإنفلات، أو تمتهنه، هما سيّان. انفلات قلبها، خصرها، ومزاجها، وشعرها تطلقه للرّيح دائما. تضمّه على شكل سبائك قمح وترسله إلى المغر والغيلان. كالقمح الّذي تعلف به حمامات النافذة وورد الشرفة. فالأزهار الّتي تركها الرّجل الغائب تأكل القمح. أقصد لا تشبعُ من أقراصهِ، لتُبهِرَ الرّغبة في عيون براعمها.

رسائله قصيرة، وفواصله سريعة. تلاحظه يُركَّب السطور كـأنّه يركَبُ قاربا تائها أو سفينة ضائعة، وكأنّه دائما رجل لأساطير مستحيلة. أنّه سيعيد القوارب إلى موانئها، والسفن إلى مدنها والنوارس إلى مياهها الإقليميّة. أقاليم النوارس رحيل لانهائي للبلاد الّتي يكتبها كلّ صباح ملايين المرّات على نوافذ أشواقه. يطوّبها في ذاكرة الناس الّذين يعرفهم والّذين يلتقيهم لأوّل مرّة. "يبدو أنّ الشوارع الّتي تمشونها ستكون موطنا لسكرات قلبي حين أعود"، يَعِدُ الوقتَ بالعودة، ويَعِدُ المكان بإقامة لا علاقة لشرطةِ الأحوالِ الشخصيّة مثلا بألوانها. يحاول أن يكون رسّاما كما تحاول هي، المرأة الّتي يلاحق دعسات عطرها، لكنّه يعرف أنه يستطيع أن يكون رساما وفاشلا بامتياز، بلا رائحة شَعْرِها. كلّ صباح ينتظر على الشّرفة أن تُطيّرهُ للرّيح، وتفلت منهُ خصله لتعتقِلُها عينيه.

هوَ لا يميّز الألوان بلِاَ شَعرِهّا المُحَنّى بتأمّلات شفتيه. تدقّ رأسه  جدران ياسمينِها، جدران يعشقها كلّها من الخصرِ حتّى نَهدَةَ الصّدر، مثل توتةٍ مرتبكة تُقاتِل نُضجَها. من شدّة لهفته يلوّنها بكلّ الألوان كي لا يميّز بين حيطان أشواقه لونها الواحد.

"دولتكم عنصرية" يقول ولا يجوز أن أكون مثلها عنصريا عن سبق إصرار. تكفي ألوان تلك المرأة. إنّها تعرف كيف تلوّن الورد كما تلوّن الرّمل والبشر. حيطان حلمها حصون مؤجّلة. "أَدقُّ علبة كلامها وتظلّ صامتة. أحاكي الحمامات فتنثر حبَّها وحُبِّها. ترقص الحمامات على دندنة الصّباح وحدها بلا امرأة تفيض برصاص الحبر. لحبرها رصاص لا يعرف أن يكون عاديا. لا يحبّ أن يكون مسالما. ودائما تطلق شعرها للرّيح.

حاولتُ.....

أن أوقع بها فخذلتني بداية. استدرجها قال:

"أبحث عن شامة لنهدك بين سنابل القمح كي أعيد إليه اللبن" أدهشتها المقولة. " وأبحث عن زمنك يا سيّدة الزّمن، كلّ الزمن. لكنَّك تسكنين بعده، فكيف أعثر على نساء يصعدن في صوتك وحبرك وحربك، ورسم وجهك يجرح قزحيّة العين كلّما أدام السحر اللحاق بتعرّج الخد. كأنّ سطورك، يا سيّدتي لكلّ النساء اللواتي يستقلن من عمر الحكاية كي يبقين  على سرّها. لعمرك أعمار ولصوتك ارتجاف نجمة على فم ليل. مصيدة للقلب عطرك، يلف بالذّاكرة حتّى الضياع، لأجل ذلك ربّما ضاع الّرجل الّذي كان لك، وهل تعرفين يبدو أنّ ذهابه كان ضروريا لاستمرار الحكاية، حكايتكِ ليست لرأسِهِ المحاصر بمراياه، حكايتك يا ملكة لأمراء الحياة"

"لا تنزعجي يا سيّدتي من المرأة أو النساء الّلواتي سحبنه. هنّ امرأة واحدة ولا يتّسعن لكعوب الكلام".

"كتبتُ إليكَ"، قالت، وأضافت، "أردتُ أن أكون ذاكرةً لك. هذه أيّام تصلح لترميم أزقة الذاكرة الذّاهبة مع حمامات الصّباح. هل يعرف الرجل الّذي كنتِ له هذا الملاك الّذي يسكن عِليّاتك؟ عند الصباح ألمحُهَا تنقُّ شوقَكِ النائِمَ بهديل قلبها. كلَّما لمحَنِي كَلامُكِ، يا سيّدة الحِكَاية، يسحبُنِي من كمّ ارتباكي ككل الّذين انسحبوا قبلي، ومعي ألف محبرة تخربش، تنقنق، وتُشْرِعُ جناحيها لهمسٍ باردٍ يرشُقُهُ هواءَ البحر على بدن الدهشة."

القصص - الرئيسية