صور   | عناوين   | صحافة   |  إعلانات

 حين تموت الورود بقلم الإعلامي والكاتب: نادر أبو تامر

لم أعرف المرحومة القاضية نسرين بشارة كريني شخصيا لم أعرف المرحوم د.نزار جـبران توما شخصيا لم أعرف المرحومة جوزفين سليمان توما- كريني شخصيا لكن، كأنني عرفتُهُم جميعًا. بين التاسعة والعاشرة من مساء نفس الليلة كنت مع صديقي سمير، نسير، بمحاذاة الشارع الرئيسي، كعادتنا في كلّ مساء، نحاول أن نحافظ على سلوك رياضي. قال لي سمير فجأة: تعال نمشي قبالة السيارات، فعلى الأقل، إذا تصرف سائق ما بصورة متهورة،قد ننتبه إلى طريقة سياقته للسيارة، فنكون أكثر تيقظا لتصرفات السائقين... ضحكنا، وكأننا أمام فيلم خيالي، أو أمام حلقة غير واقعيّة من المسلسلات التلفزيونية. ضحكنا بشماتة، بحرقة ووجع. أليس شرّ البلية ما يضحك. فواقع قرانا العربيّة مؤلم. لا يوجد مكان منظم نسير فيه، إذا قررنا أن نسير، لا يوجد ممشى، ولا كورنيش، ولا أرصفة، أحيانا. وحتى إذا توفرت الأرصفة قد لا تجد شوارع، أو قد تجدها فتكون مليئة بالحفر التي قد تشفطك إلى داخلها، وأنت تمارس رياضتك المفضلة. وإذا ابتسم لك الحظ فتكون هناك شوارع جيدة، لكن بلا إنارة. وإذا حدثت المعجزة الكبيرة وتوفرت كلّ هذه المواصفات، فلا تدري هل يدهسك شاب يسوق سيارة أبيه بسرعة البرق، أم تكتب لك النجاة. هكذا هي المآسي المفجعة، تعرفنا على بعض، حتى بدون أي سابق معرفة بيننا من قبل. تجعلنا نتبادل الزيارات مع أننا لم نفعل ذلك في الماضي. جزء كبير من الجماهير الغفيرة من أهالي قرية كفرياسيف والوسط العربيّ برمته توجهت إلى البلدة المنكوبة للمشاركة في تشييع جثامين ثلث وردات لقيت حتفها يوم الأربعاء من هذا الأسبوع في حادث طرق مروع، مفاجئ، مباغت، يشكل صدمة. شعر المشيعون أنهم فقدوا جزءًا منهم، مع أن كثيرين منهم، مثلي، لا يعرفون الثلاثة، لكن، في مأساة بهذا الحجم المدوّي فإننا نشعر بأننا نعرف بعضنا، نحمل همومنا، نتبادل آلامنا وأحزاننا ... لا أعرف المحامي داهود كريني، لكن، كأنني عرفته من زمن بعيد. فقد زوجته. فقد أخته. وهناك في منزلين اثنين أيتام يتساءلون لماذا يكون مصير أمهاتهم وآبائهم بهذه الطريقة، وكل ما كانوا يريدونه هو التواجد في مكان عام، ثم يعودون إلى فراخهم، في عش البيت، إلا أن سيارة قاسية حرمتهم من ذلك. رأيت الرجال يبكون. ينتحبون. يجهشون. مناظر تقطع القلب. مشهد، لا نتمناه لأي قرية، أو لأي شخص. رأيت قرية تلبس الأسود. ترتدي الحزن. رأيت طائفة تعلن، رغم عيدها، وعبر مساجدها، أنها لا تستطيع أن تفرح، وأن مسيرة الفرح لا يمكن ان تشق شوارعها بينما القرية تلعق جراحها وتكفكف دموعها ودماءها. كيف نستطيع أن نعيش الأفراح والليالي الملاح بينما جثامين الورد تنتظر مواراتها الثرى، بعد أن كانت قبل ساعات في أوج سعادتها. أقول لعوني توما رئيس المجلس المحلي في كفر ياسيف وشقيق المرحوم د. نزار توما: لستم من فقد هؤلاء الثلاثة، بل هم أبناء المجتمع العربيّ برمته، كلنا إخوة نزار، جوزفين ونسرين... سمعت أشخاصا يعايدون على آخرين، بمناسبة الفطر المبارك، لكن الآخرين يقولون إن هذا العيد له مذاق آخر، حزين، غير مألوف. ما حدث في كفر ياسيف هزّنا من الأعماق. في صباح اليوم التالي، يوم العيد اتصل بي صديقي سمير وقال: من اليوم فصاعدا لن نسير على أرصفة الشوارع الرئيسية، هيا نبحث عن حلّ آخر. قبلت اقتراحه ولم أضحك كما ضحكت على اقتراح سابق له من الليلة الفائتة.