العامود القاتل بقلم: نادر أبو تامر


28/05/2009 - 11:33

سألني ابني عندما كنت اصطحبه لشراء زوادة الصباح للمدرسة: هل برج بيزة مائل إلى هذا الحد؟ ما هو الذي يميل إلى هذا الحد؟ لم أكن منتبهًا له. إلى جانب السيارة، على الطرف الأيمن كان عامود شديد الميلان. أنظروا الصورة. في الحي المجاور لمنزلي. يكاد يقع على الأرض. عشرات الأولاد ينتظرون هناك سيارة الباص التي تنقلهم إلى مدارسهم في المدينة. ينتظرون مباشرة تحت العامود. بقدرة قادر لم تقع كارثة.

العامود

أجبت ابني بسرعة: لا يا عزيزي، برج بيزة ليس مائلا إلى هذا الحد. أوقفت السيارة وسألت جار العامود عن حالته. قال جاري أبو عمر:  منذ حوالي أسبوعين. توجهنا إلى شركة الهواتف مرارًا وتكرارًا، لكن الأمر لا يهمهم.

العامود

أحد الجيران انضم إلى المحادثة فجأة وقال: أحد عمال الشركة كان في المنطقة قبل يومين وقال إن الشركة لن تتحرك إلا بعد مصرع أحد السكان في حادث. هذه هي الحال في بلادنا، قال العامل للجار.
وتساءلت فعلا: هل يجب أن يُقتل أحد أبنائنا حتى يتزحزح المسؤولون، أو حتى يحركون ساكنًا..
في الساعة التالية كنت قد اتصلت باستعلامات الهواتف.

أعطيني رقم الناطق بلسان الشركة، لو سمحت، قلت للموظفة في محاولة للتحدث غليه وتنبيهه إلى الخطر الذي يتهدد أبناءنا.

أعتذر، قالت، بنبرة محرجة قليلا، ليس لديّ سوى رقم الفاكس.

وإذا كان لدي أمر عاجل؟، سألتها.

أفهمك فعلا، لكن ما باليد حيلة، هذا كل ما لدي.

استعلامات بيزك، قلت بيني وبين نفسي، ليس لديها رقم ناطقها، وهي التي تملك معلومات حول هواتف كل المواطنين؟.

حسنا، هل ممكن رقم الفاكس.

سجلت الرقم بسرعة وطبعت رسالة فكسستها إليه على الفور.

كانت رسالة الفاكس بلهجة حادة مستهجنة أنه لا يمكن الحصول على رقم هاتف الناطق بلسان الشركة.

ولفت نظرهم إلى أن السكان مستاءون ويشعرون بأنه لو حدث مثل هذا الأمر في بلدة يهودية، لسارعت شركة بيزك إلى حل المشكلة. ولفت عنايتهم إلى أن السكان قاموا بتوثيق جميع التوجهات إلى الشركة، و ولا حدا هون.

العامود

وعندما رغبت في التعبير عن فداحة الأزمة وخطورة المشكلة لم أجد إلى ذلك سبيلا. لم أتمكن من إرسال صورة العامود المائل والقاتل إلى الشركة لتلاحظ حجم المشكلة.

كنت أظن أنه خلال دقائق سوف يرن هاتفي لكي تعتذر الشركة عن أفعالها أو عدم أفعالها. لكنني تذكرت أنني تصرفت معهم بنفس الأسلوب. لم أترك لهم رقم هاتفي. ما كتبته على الفاكس كان بريدي الإلكتروني

بعد عدة ساعات وصلت الرسالة المُؤَيْمَلَة (من كلمة إيميل) أو المُجَيْمَلَة (من كلمة جيميل) لتستفسر عن رقم هاتفي.

أرفقت رقم هاتفي وصورة العامود، ورحت أنقر بأصابعي على شاشة الهاتف في انتظار المكالمة المرجوة.

وتفاجات أنها أتت على الفور.

مرحبا، قالت الفتاة من الطرف الثاني، أنا أتحدث من شركة إعلانات تتعامل مع الشركة.
رحبت بها وشرحت لها المشكلة. وقلت لها: نحن لا نقاتل الناطور، بل نريد أن نأكل العنب.
وما العنب، هنا؟ سألت مستدركة.

العنب هو سلامة أولادنا. أن لا يقع العامود على رؤوس أولادنا. قد يقتل بعضًا منهم، لا سمح الله، قلت.

أعدك أن أحل المشكلة على الفورن نوهت.

ماشي، عقبت، لكن الشركة لم تتحرك منذ أيام طويلة، فما الذي جرى هذه المرة بحيث تتصرف بسرعة؟، تساءلتُ.

فأجابت: هل نسيت أنك ذكرت في رسالة الفاكس بأنك سوف تنشر خبرًا حول الموضوع.
أشكرك على تذكيري، قلت لها.

في صباح اليوم التالي جلست لأوثق ما جرى ولأكتب المقال حول العامود المائل والقاتل. هاتفي لا يسكت. لكن المكالمة هذه المرة فاجأتني: مرحبا أبو الجار

أهلا، أبو الجار.

الحق الحق شوف شو صار بالعامود.

شو يا زلمي، أعصابي لا تتحمل التوتر.

العامود لم يعد مائلا.

كيف؟

وصل عاملو شركة الهواتف وصلحوه.

الحمد لله. مبرووووك.

بعد دقائق أخذت الكاميرة وذهبت لأصوره. وكان معي ابني كعادتي كل صباح. قال لي: أبي، لم يعُد الهاتف مثل برج بيزة.

(في الصور، تشاهدون العامود قبل التصليح وبعده.)

 العامود

العامود

العامود

العامود

العامود

العامود 

العامود 

العامود

العامود

العامود

العامود

العامود

العامود

العامود

العامود

العامود

 

 
 04/06/2009