![]() |
|||||
|
الوجود الثاني لنا: المنام والأحلام |
05/03/9 | ||||
|
في السنة الثانية من حكم الملك (نبوخذ نصر) حلم ما أزعج روحه وطار عنه نومه، فأمر الملك بأن يستدعى المجوس والسحرة والعرافون الكلدانيون ليخبروا الملك ليس ما هو تفسير المنام ؟ بل ما رأى على وجه الدقة ثم تفسيره وإلا كان مصيرهم الذبح. والذي حل المشكلة كان (بلطشاصر) النبي دانيال الذي أخبر الملك عما رأى. وهكذا مضى في تعبير المنام: (أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم. هذا التمثال العظيم البهي وقف قبالتك ومنظره هائل. رأسه من ذهب وصدره وذراعاه من فضة. بطنه وفخذه من نحاس. ساقاه من حديد. قدماه بعضها من حديد وبعضها من خزف. أيها الملك كنت تنظر إلى هذا التمثال حتى انطلق حجر من غير يدين من جبل فضرب التمثال في نقطة ضعفه في قدميه التي هي خليطة غير متماسكة من الحديد والخزف فهوى التمثال صريعاً إلى الأرض. أنصت نبوخذ نصر إلى المنام مرتاعاً وانتظر بقية الحديث بلهفة. تابع النبي دانيال مفسراً المنام هذه المرة: ستتابع الدول والممالك واحدة تتلو الأخرى، فأنت رأس الذهب القوي المتمكن، ولكن المملكة التي بعدك ستكون أضعف وأصغر ويتتابع الضعف في الدولة، حتى تصل المملكة إلى وضع الهشاشة وعدم التماسك الداخلي، كما هو الحال في خليطة الخزف والحديد، عندها تسقط ويجرفها التاريخ. أيها الملك : الحلم حق وتعبيره يقين. والذي حدث بعد هذا أن النبوءة تحققت والدولة التي حكمها نبوخذ نصر مزقت شر تمزيق. روينا هذه القصة وفي القرآن سورة كاملة عن المنام وتحققه. قال هذا رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا. ومن رأى المنام كان فرعون عن سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، تكرر المنام حتى أقلقه وكان سببا في تبدل مصير يوسف وأهله من بعده، وفي الحديث أن الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءً من النبوة، لأن الرسول ص قبل أن يوحي إليه استمر لمدة ستة أشهر لا يرى شيئا في المنام إلا جاء كفلق الصبح، ويطرق العلم اليوم باباً جديداً يحاول ولوجه والامساك بأسراره. فهناك مجموعة من الظواهر التي يلاحظها الناس ولكن لا يعرفون مصدرها ولا قانونها الذي ينتظمها إلا أنها مع ذلك حقيقة مكررة معروفة. فإذا كان المنام الذي رآه نبوخذ نصر وطلب لمن حوله أن يخبروه عنه قبل تأويله (تفسيره)؛ فإن يوسف الذي عاصر ملوك الهكسوس طُلب منه تفسير المنام الذي تكرر وأدخل الملك في حالة مزاج سوداوي. من منظر بقر يأكل البقر وليس العشب. وهو أمر ملفت للنظر حقاً أن يصاب البقر بالجنون فيأكل بعضهن بعضا، بقر ضاوي متبارز الأضلاع يهجم على بقر سمين ممتليء الصحة فيفترسه كالسبع الضاري الجائع (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف). مثل هذه الظواهر العجيبة التي هي قوى كامنة فينا لم نعرف أسرارها، ولكن علم النفس انطلق بطريقة مغايرة فأسس ما يعرف بعلم النفس الموازي الذي يتناول مثل هذه الظواهر، وتدفق علم جديد يمكن ترجمته إلى علم (النفس الفائق) الباراسيكولوجيا. والمنامات أو الحلم الذي يراه كل واحد منا وتشاركنا فيه أيضاً الحيوانات على ما يبدو عالم قائم بذاته وهو وجودنا الثاني؛ فنحن نفرح أو نتألم قد نبكي حزناً أو نصيح رعباً ونحن نرى أنفسنا في وضعٍ يقوم على وهم كامل وغير حقيقي، إلى درجة أن بعض جذور الفلسفة نبتت من ظاهرة المنام حينما قالت: كيف يمكن لنا أن نصدق حواسنا وهي تروي لنا الكذب بأكمله في المنام؟ فنحن نرى فيلماً عارياً من الحقيقة تماماً فيجب علينا أن نكذب ما تراه حواسنا، ثم ما لذي يدرينا أننا في نوم من نوعٍ مختلف. وهناك قول يشير أن الناس نيام حتى إذا ماتوا استيقظوا وما بعد الموت يقظة كاملة. ولعل في الآية القرآنية من سورة (ق) ظلاً لهذا المعنى (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد). إن ما ذكرته حدث لي أحياناً شخصياً. وأظن أن الكثيرين يحدث لهم هذا، والمنام يحدث في كل دورة نوم، لأننا ننام في العادة أربع إلى خمس دورات وتستغرق كل دورة حوالي تسعين دقيقة وفي نهايتها يحدث المنام، و حينها تدور العين على شكل حركة دائرية، وهي ظاهرة علمية ضبطت أثناء فحص النائمين واستغراق المرء في الحلم، والناس نوعان منهم من تتابع الدورات عنده مثل السباحة المتواصلة، ومنهم وأنا من هذا النوع من يستيقظ بعد كل دورة فيتذكر المنام جيدا أعني الأحلام، ومن تواصلت دورات النوم عنده لم يتذكر الأحلام ولو أوقظ حين حركة العيون المفاجئة لتذكر الحلم جيدا، وهناك الكثير من الناس من يتمتعون بقدرة خارقة واليوم تدرس هذه الظاهرة على نحو علمي كما يحدث في جامعة ديوك في أمريكا.
|
|||||
|
|||||