موقع بيتنا

الرئيسية - نصوص وخواطر-عن سر الرواية: يافا الزيتونة والبئر وسط البيت!

عن سر الرواية: يافا الزيتونة والبئر وسط البيت!

 

 كتابة: رجاء بكريّة

عن سر الرواية: يافا الزيتونة والبئر وسط البيت!- كتابة: رجاء بكريّة

 

 27/06/2014

 

نصوص وخواطر الرئيسية
 نصوص وخواطر أخرى للكاتب


"..تضحك عمّتي، تشرق ريقها كالعادة، وتهمس في أذني، "هيك أحسن يا عمتي، أي هي دولة جدودِك تتغنّيلها؟" تَرمِشانِ عَيْنيَّ الشّهلاوين بخفقِ الدّهشة في زيتونهما، وأصرُخُ بفَرَحِ أطفالِ الصفّ الأوّل حينَ يحلّونَ مسألة ،"لكان دولة مين هاي يا عمتي؟"

عَرِقَ قاعُ الدّرج من حلمك، ومن حشيش قدميك فوق لوح الفرمايكا الرّطب. لو أخبروني لما صدّقت أنّ الحشيش الأخضر يكبر داخل الأدراج، وأنّ الحكاية بأعمارِها الكثيرة تولد مُوقَّعةً بأسماء من نحبّ! لكنّها الحقيقة أنّ حكايات الأماكن تكبر حيث لا نتوقّعها أبدا، على الحدٍّ الفاصلِ لمناطق محظورة عن بال الذّاكرة.
منذ ما يزيد عن ثلاثة عشر عاما، تستلقي أوراقكَ في قاع درج المكتبة. أنتقل من بيت إلى بيت وتنتقل معي بنفس الحماس والرّغبة. من شوق إلى شوق وتشتاق معي، من قلب إلى قلب تتقلّب فيّ كأنّها عشق مؤجّل، أو مذكرات حبّ محظور.
بعد أن غادرتُ عمّان بأيّام وصلتُ إلى يافا وبحثت عن سَلَمِة. لم أعثر عليها تماما، ولكن على ما يشبهها، شجرة الزّيتون المعمّرة والبئر الّتي نشَرْتَ صورها على حبل غسيل طويل، يمرّ عبرَ عينيك. والبئر لا تزال وسط البيت تحتلُّ عمق الذّاكرة. أعادتك التّفاصيل المنقولة بالشّبر لذات العشب، وذات العين. كبرتَ وأنت تحدّق بحشائش وهميّة تكبر تحت كلأ العين الحلوة. لكن، في آخر المسافة ازدادت سلمة انتشارا واستطالَ ورقها لِيُعانقَ جذِلاً قامتك، قرية بدأتْ أطْرافُهَا تفِجُّ تَحتَ بدَنِكَ، كَمَشَاحِرِ الشِّتاء يتثاءبُ جمرُهَا حقداً ووعيداً!
 أُجْليتَ عنِ العينِ الحلوة. غيّرتكَ المُدنُ وتغيّرتْ فيكَ، وبَقِيتْ سَلَمِة محتجزَةً في الجيبِ السريّةِ لسترتك الرّسميّة تعيشُ فيها ذات الأغنام ويزداد عشبها اخضرارا وسحرا في عينيك، قرية على مَقاسِ حُلُمٍ يتوهَّجُ حجرِ زهر بين كفيك، يتنقَّلُ من جيب إلى جيب مع تبديل ألوان السُتُراتِ وخشبِ السّيجارِ، واحتراقِ الحنينِ نُدُباً بين كفّيك. سألْتَنِي، هل تعيش يافا في الجيوب السريّة لكلّ الّذينِ رُحِّلُوا عنها؟ ألا تموتُ المدُن كما يموتُ النّساء والرّجال، وكما مات جمال يونس؟ ظلّ يشتاقُ ليافا حتّى سقط صريع حُلُمه ذات ليل منسي! لم يؤنسه في لحظاتِهِ الأخيرة سوى هذيان أحلام العودة على مفرش السّرير الشّاحب. قالَ لي ذات حديث، "عرّفتُهُ عليكِ لتستيقظ يافا في قدميه" لم أفهم حتّى ثار بركان سؤالاتك، فاعترفتُ لك على مضض "لقد سافَرَ في المدينةِ كلّ شيء، وأسماء الحواري لا تعودُ لذاكرة تكبر في أحذية قدميك" كأنّك لم تصدّق، همستَ، "تمزحين؟". قلتُ بشيء من القسوة، "في هذه البلاد لا نمزح، لأنّ الحزنَ أقوى من الضّحك". اكتأبتَ قليلاً، ثمّ قلت، "لكنّ البئر وشجرة الزّيتون باقيتان"، أطلقتُ ابتسامة لا تراها خلف أذن الهاتف، "باقية ما بقي الحقّ يُطالِب". وكأنّ جملتي القصيرة أعادتك ليلا لسلَمَتِك، أخبرتني أنّكَ مشيتَ ليلاً طويلاً  فوقَ كلأ. همستُ لَكَ كعرّافةٍ متمرّسة، "هي بلدُكَ جاءت إليك". أرسلتَ تلك الضّحكة المبتورة الّتي أعرفُ نحيبَ آخرها، وقلت، " يا بنتي، يعودُ لأين!"
 
عرّفَتْنِي عليكَ صُدفة لقائي بجمال. ما كنتُ لأصدّق، ولو أخبروني، أنّ خلفَ الخشب البلّوطي لسيجارٍ فاخر يعيش رجلٌ بمدينةٍ فالِتة، وَحِذاءٍ ضيّق يصرُخُ  كلّما تأخَّرَ عنهُ مَقاسَهُ. ثمَة شيء لم أفهمهُ أبدا، سرّ الأحذية الفاخرة الّتي تشكو سوء ماركتها، حتّى أفشت زوجتك سرّك، همستْ لي على حياء، "للآن لا أفهم سرّ المقاسات الخاطئة الّتي تتكرّر في قدميه". لم أجرؤ على تفسير  الظّاهرة لامرأة تعيشُكَ ثلاثين عاما، ولم يمض على تعارُفِنا شهرين. خفتُ من فِراستي، وسِعَة أفقي، خِفتُ أن أدمّركما معاً، هي لأنّها تعبُدُ حِذاءكَ، وأنتَ لأنّك وجدتَ منْ يفسّرُ غيرَهَا أَلمَ قدمَيْك. فهل يكبر الحنينُ في وَجَعِ الأقدام، أم في رجعِ الأوهام؟ ولأنَّنِي لم أعثر على إجابة تركتكما أنت وزوجتك تنبشان عتمة اللّيل، وخرجت. قُلتُ لك،  خلف حواجزكم ينتظرني رجل في مدينة تحبّني. أدهَشْتَنِي حين اعترَضْت، "ونَحنُ نُحبّكِ أيضا". نقّلتُ نظري بين عينيك الحانية، وعيني زوجتكَ الفزِعة، وأطلقتُ ضحكةً صاخبة لا أنساها ما حييت، واستدرتُ دون كلمة إضافيّة.بعدي سمعتُ الحِذاءَ يتعذّب.
"نعم أعرف أنّني أشْبِهُ سلَمِة، لكنّي لا أشبه حلُمُك. أُشَبِّهُ المدنَ ولا أُشْبِهُها" همستُ لك عبر ارتطامِ المساحةِ بالمسافة ،كي لا تزداد تحليقا في عقارب المكانِ والعلامة. 
 بُعَيدَ أيّام حلّت ذكرى استقلالهم، وحلّت في بدني هستيريا لا تُفسّر. ارتكبت حماقات كثيرة لم يكن سفري المفاجىء إلى سلمة ويافا آخرها، ولكن دوراني على  نفسي ليلة كاملة، وأنا ألعنُ أعيادَ الإستقلال، وألعنُ المحتفلينَ بِهَا. ولم ينته يومي بوصول حقول القرية، بل بدأتُ أرمحُ بين أشتال القمح الخضراء بعصبيَّةٍ بالغة، وألومُ الله لأنّه لم يكافىء صبرنا بيوم استقلال يتيم كأيّامهم. أمدّ أصابع يدي بمواجهة السُنبلات الحزينة، وأعدّ المذابح والمجازر الّتي حصدتنا ابتداء بأيلول الأسود وانتهاء بأكتوبر الأزرق. وأستمرّ ساعات في الحقد على استقلال الشّعوبِ حقدا لا يسيء لخلافِ دولةٍ كانت لَنَا. ولسبب ما أتوقّف عند الحادثة الّتي غيّرت وجه تاريخنا الدّبق صغارا، مجزرة صبرا وشاتيلا.

يوم استقلال الدّولة، ومدغشقر

 حتّى أواخر الإبتدائيّة بقينا كالخراف ننتظم داخل الصّفوفِ، وننتظر رفع علم الدّولة في ذكرى استقلالها على اعتبار أنّه عَلَمُنَا. ننتظم في ساحة المدرسة، وننتظر خطاب المدير السّنوي الّذي يعلن فيهِ ولاءه وتهانيهِ، ولأسبابي أنا كنتُ لا أستظرف خطابه، وكلّما قَصُرتِ المسافة بينَ رجفات يديهِ أهمسُ، "ما أتيسُه،لا يعرفُ القراءة، لو يتركُني أقرأها عنهُ لأنقذتُهُ من هذا الخِزي" لا يسمعني المدير بطبيعة الحال، فأقلِبُ شفتيّ احتجاجا، وأنا أتابعُ عسر القراءة الّذي لديه، "هُو أصلا لا يعرف كيف يكتب موضوع إنشاء للصّف الأوّل فكيف يقرأ رسالة مهمّة عن الدّولة". ينتهي المدير من تأتآتهِ.  نصفّق له تصفيقَ خراف مطيعة، يشملُنَا نحنُ الصّغار، تصفيقاً أشدّ حدّة واحتفاءً  بانتصار جدودنا على الأعداء من تصفيق الكبار، رغم أنّنا لا نفهم كما يفهمون. تصعدُ الجوقة إلى المنصّة، وتعزف نشيد استقلال البلاد، كأنّ استقلال الدّولة لم يكن وبالا على رؤوس جدودنا. ترقص الفتيات وتتغندر، ويطيرُ معلّم الموسيقى بكَمَانِهِ في فضاء السّاحة الصّغيرة، وأحقد أنا على مراييل الفتيات المسيحيّات اللّواتي اختارهنّ أستاذ الموسيقى للغناء.
أرسمُ بلحنِ الأستاذ الّذي قرّرتُ خِصَامَهُ النُّوتة. مرّة على بلاط السّاحة، مرّة على ريشِ السّنوناتِ المُحلّقة، ومرّة على إيقاعِ اهتزازات جديلتي الطّربة,
بْعِيد استقلال بلادي   سمعت الدّنيا بتنادي. هي كلّ ما أذكره من عيد الإستقلال. مضافاً إليها إنشاء المدير السيّىء، وخيزران معلّم الجُغرافيا السفّاح الّذي لم يُجِب طوال سنة كاملة على موقع فلسطين على الخارطة. كلّما سألناه، أخذنا إلى مدغشقر، كأنّنا نصيّف فيها كلّ عام حتّى تستغرق سنة كاملة من رصاصنا وحبرنا وعقولنا الصّغيرة.
 أعود إلى البيت معبّأة بالشّغب والدّموع، والسّخرية، وأعتب على أُمّي لأنّها لا تشتري لي مريولا كمراييل البنات المغرّدات في الجوقة، فأتأكّد أنّها لا تحبّني كباقي الفتيات. أغزو ورشة أبي، أحنّيهِ بدمعي وتعاستي الشّديدة لأنّني بنتٌ بشعة الصّوت ولا يختارها أستاذ الموسيقى للغناء. يضحك أبي، يصفق لي ويدعوني للغناء فيزداد زعلي لأنّه يستصغر عقلي. ثمّ أبحث عن عمّتي، وأشكو لها على مدارِ ساعة تصرفات البنات على المنصّة، ومريولي الأحمر، وصوتي الّذي لا يحبّه أستاذ الموسيقى. تضحك عمّتي، تشرق ريقها كالعادة، وتهمس في أذني، "هيك أحسن يا عمتي، أي هي دولة جدودِك تتغنّيلها؟" تَرمِشانِ عَيْنيَّ الشّهلاوين بخفق الدّهشةِ في زَيْتونِهِما، وأصرُخُ بِفَرَحِ أولادِ الصّف الأوّل حين يحلّونَ مسألة، "لكان دولة مين هاي يا عمتي؟" تصمت عمّتي، وأجتاحُ سنبلات الحاكورة دعساً لفَرطِ سَعَادَتي. أصبحت عمّتي تحتاط من طول لساني. أتوسّل إليها، وأعدها ألا أخبر أمّي، فتلتفتُ حولها وتهمسُ لي، "دولة اليهود يا عمتي مهنّي شحّرونا وشتَتونا، وأخذوها" أحتاج قاموسا لأفهم، فتكفّ عمّتي عن الكلام فور تلمحَ ظلّ أمّي المتقدّم. وأسرح طوال الفترة الممتدّة بين الغروب والمساء، وحين أعجز عن العثور على إجابة، أعرض عضلات معلوماتي أمام أمّي، "أصلا أنا مِش زعلانة من الجوقة، حتّى مريولي أحلى مريول، هذول بنات الجوقة غبيّات بغنّوا لدولة مِش لجدودهن". تقبض أمّي على معصمي، وتجبرني على الإعتراف، لكنّي أقاوِم كالمناضلين هذه المرّة، "قرأتُ في كتاب التّاريخ" لكنّها لا تصدّقني، "أكيد هاي عمتك، لمشحّرة بتخليش قشّة مكنسة ما بتحطها براسك" وأنا ألتزم بوعدي لعمّتي طوال شهر كامل. حتّى يختلّ لساني في جلسة هريسة لذيذة تصنعها أمّي، فأعترفُ لها بأنّ عمّتي أذكى راديو بالعالم، وبأنّها تعرف أنّ هذه البلاد مش إلنا، سرقَها اليهود، وصارت لهم!
 

أصحاب القُمصان الحَمْراء.

في اسقلال الدّولة تتزيّن ساحة مدرستنا، ونصفّق حتّى تنسلخ أكفّنا، وتعانق أصابعنا الصّغيرة طائرة الهيلوكبتر الّتي تقترب بمحاذات صلعة مديرنا لتنثر فوقها مناشير الإستقلال المباركة، تغمِزُنَا بأضواء متفرّقة، وتذهب.
وكنا سنقع في فخّ الذّاكرة السّوداء لولا اليقظة المفاجئة التّي سلّمتنا لجرحِ صبرا وشاتيلا، واكتساح رفاق أبناء البلد في تلك السّنة البعيدة لمدارسِنَا كهبوب ريح، فعضّت نواجد الصّغار قبل الكبار. ذلك الإكتساح العفوي لمدارس القرية وتخريب الكراسي، وحبس المدير شكّلت انعطافة حادّة في وعينا السياسي. خفنا وبكينا وشتمنا أصحاب القمصان الحمراء، لكنّنا فرحنا لأنّ الجوقة لن تعزف، ولأنّ المدير لن يقرأ بعد الآن خطابه المهلهل. هجستُ بلا آخر، ولم أفهم! كيف خرّبوا المدرسة ولم يخافوا من المدير؟ فحتّى ذلك الوقت آعتُبرَ خيزران المدير أقوى أسلحة العالم بعد أكفّ أبي طبعا، ولكنّ الحقيقة أنّ العَلَم الأحمر طيّر خيزرانهُ وأخرس صوته تماما. اعتبرتُهُم بواسل لأنّهم أوقفوا الطّائرات عن العزف في ذلك اليوم، فوق مراييل الجوقة الخالية من مريولي الأحمر، وَمنديلِ صلعةِ  مُديرِنا المَغلُوبِ عَلى أَمرِه!
 
حيفا، يونيو 014

نصوص وخواطر - الرئيسية