موقع بيتنا

الرئيسية - نصوص وخواطر-مبروك

مبروك

 

 حنا جبران

مبروك- حنا جبران

 

 24/04/2010

 

نصوص وخواطر الرئيسية


قبل شهر من موعد سهرة العريس دُعيت. خلال هذا الصيف، ضاعفتْ هذه الدعوةُ عددَ دعواتي، فأنا، ما عدت أُدعى للسهرات، ودعوتان صيفيّتان هما معدّلي. الأسبوع الأخير ما قبل الدعوة ذكّرني وذكّر سكان الجليل بأجمعه باقتراب موعد الزفاف حيث أُشعِرَ جميع المستمعين لمدة ليال خمس امتدت حتى ما بعد منتصف الليل بفرحة زواج مواطن جليلي. شاركت في التعليلة الرسمية، وقد علّني الشبه الغريب بينها وبين سهرة العرس، فما كانت إلا بروفا أو ميني-سهرة، فكان هناك مهنئون ومحتفلون وطعام ولحوم وكحول ومعجّنات ملأت مجمّدات البرادات منذ أسابيع، وكانت هناك مكبرات صوت ومغنّون ودبك ورقص وهرج ومرج يمكن أن يضاهي أكثر السهرات حماسا. وعلى قول صديق: مع تعاليل من هذا النوع، فماذا يبقى للسهرات؟ ولكن لكل تعليلة تعليلها وعلّتها فما هي إلا حدث صغير يجهّز الكون بأجمعه لحدث عظيم: زواج إنسان.        

كانت للداعي صلة رحم معي، وكان من الممكن أن أكتفي بحضور مراسيم الزفاف في الكنيسة كعادتي وأنقّط  بمبلغ يوّفر على العروسين واجب خصم ثمن الوجبة منه، وإجباري على دفع أجرة فرقة موسيقية تسبب الضرر لسمعي، فيصل المبلغ كاملا، وقد يُصرف مقابل وجبة عشاء في أحد المطاعم على ضوء شمعة يتراقص لهيبها احتفالا بزفاف قريبي، وترفع كأسُ نبيذ أبيض يتمنى من خلالها العروسان سنوات حب لبعضهما تبدأ في أسبوع سٌمّي شهر عسل، يتذوق البعضُ حلاوته، ويُلسع آخرون من نحلة علقت في لزوجته. ولكنني، هذه المرة، وبعد غياب طويل جدا قرّرتُ خوض معركة السّهرات، فنزلت الساحة، وحضرت المعركة متفرجا، وأحصيت الضحايا، وكالماضي تماما، كانت النصرة لمزوّدي الخدمات، وكان الفضل بذلك لقريبي، وكانت الضحايا من الجنود المُرْزِقة التي تقدّم الغالي والغالي لترزقَ مزوّدي الخدمات.

كنت من أوائل المشاركين بفرحة قريبي والتي أبى إلا وأن يشارك فيها حوالي ستمائة ضحية غيري. بعد أن وجّهني منظّم حركة إيقاف السيارات في الساحة، مزوّد خدمات آخر، توجهت إلى مدخل القاعة مرتديا نظاراتي الشمسية، محافظا على عينيّ من وهج ضوء ساطع مفاجئ يتربّص بالحاضرين فينقضّ على ملامحهم ويرتكز على أياديهم ليسجل في سجل التشريفات مساهمتي في تحمّل تكاليف فرحة القريب، فأنا من الأقارب الأقارب، ولا بد لمساهمتي أن تكون ذات وزن.

وضعت مغّلفي في صندوق المنح الإجبارية، وانتظرت قليلا حتى حصلت على وصل أوتوماتيكي بالمبلغ أخرجه الصندوق، فتابعت مسيرتي نحو صف المحتفين، وسلّمت الوصل إلى والد العريس، فنظر إليه، وهزّ رأسه قليلا، واستشار زوجته، فهّزت هي الأخرى رأسها مبدية موافقة مترددة، فمد والد العريس يده مصافحا يدي وسمح لي بمتابعة التهنئة. في تلك اللحظة فهمت ارتباك الشخص الذي صادفته أثناء صعودي، عندما كان يغادر القاعة وفي يده ساندويش حمّص وموزة.

دخلت القاعة، وابتسمت لي الكاميرا لاجتيازي عملية التصنيف الأوليّة، فأدرت نظري في سمائها الرحب، واخترت لي زاوية خلف عامود يحميني اسمنته من ضجيج مكبرات الصوت الصارخة، ويعطيني إمكانية الاختباء من وجه لا أرغب بمقابلته.

بعد أقل من ساعة ونصف فقط من الموعد المسجّل في الدعوة، بدأت القاعة تمتلئ بالمدعوين الملتزمين بدقة المواعيد العربية، فالالتزام بالوقت يتعارض مع المركز الاجتماعي لبعض المدعوين لأنه من غير اللائق أن تكون القاعة شبه فارغة عند وصولهم، فكلما ازداد عدد الرؤوس الملتفتة لوصول فلان، كلما كانت لحظة ولوجه القاعة مكشوفة أكثر، حيث يمكن للناظرات خاصة أن تبدين ملاحظاتهن حول الأزياء التي ترتديها زوجته، فتقمن بمهارة غريبة بمراجعة ذاكرتهن لتتأكدن فيما إذا كانت تلك الأزياء قد ارتديت فيما قبل أم أنها ما زالت عذراء، وقد أعجبت بمدى عمق تلك النظرات حتى أن البعض منها قد اخترق الطبقات العليا من القماش ووصل إلى الأساس لترى نوعية اللباس الداخلي، وفيما إذا كانت الملابس تخفي أعضاء معينة أو تبرز أخرى. طبعا، الشخص المراقب يعرف أنه يمر بمرحلة تصنيف أخرى، ولكن الثقة المرسومة على وجه الزوجة، ورفع الرأس تظهران أن القماش بكر وأنها ترتدي حاملة أثداء شفافة وأن أردافها طبيعية، وقد تقلص حجمها نتيجة عملية شفط في الشتاء، وأنها لا ترتدي حاشر الأرداف الذي كانت ترتديه في الحفلات السابقة. اختارت الزوجة أقرب طاولة قرب المسرح، بالرغم من معارضة زوجها، ربما بسبب الضجيج، فإن موقع الطاولة الاستراتيجي يجعلها تسير أطول مسافة حتى تصلها، عارضة محاسنها وتحسيناتها الأخيرة على المعجبات، وربما بعض المعجبين كذلك، بالإضافة إلى قرب الطاولة من حلقة الرقص حيث يمكنها تفقد الأخريات عن قرب، والنزول إلى الساحة إذا ما دعت الحاجة إلى منازلة مدعوّة أكثر جمالا. ولكن المكسب الأكبر من اختيارها للطاولة القريبة البعيدة هي أنها ستتمكن من التأكد أنه لا توجد مدعوة أخرى ترتدي نفس أزيائها، وإلا لقضى الفستانان بقية حياتهما في عتمة خزانة بيتية.

كانت الطاولات قد امتلأت بأطباق المزّه وقد ابتدأت الفرقة الموسيقية بدوزنة آلاتها، فأخذت أنغام ضربات أوتار العود على بطن عازف تتناغم مع مساج سريع لقوس كمان لأوتار ممتدة على كتف عازف آخر. انضمت طرقات دربكّة لتعطي الأوتار إيقاعا تسير حسبه، ومع تدخّل الأورغ، بدأ يتكون لحن منتظم تعاظم وملأ القاعة بموسيقى الكترونية ضُخّمت عشرات المرّات من خلال مكبرات الصوت، فابتلع صوت الحديث البشري، وحاول قريب بعيد لي، عريس طازج يجلس على طاولتي، الطغيان على صوت الموسيقى ليكمل حديثا كان يصبه في أذن زوجته، ولكنه سرعان ما استسلم وقرّر إرجاءه إلى لحظة يختلي فيها مع زوجته فتسنح له فرصة التعبير بالهمس الخالي من الإيقاعات الخارجية، وإذا ما احتاج إلى إيقاع داخلي فهناك آلات وأوتار وعصي تكفي لسيمفونية كاملة. سررت من جديد من اختياري لموقعي حيث أنه زوّدني بزاوية نظر ممتازة للسيطرة على ما يجري في ساحة المعركة. 

كانت الافتتاحية الموسيقية لسيدة الغناء العربي، ومع أن الجو الإيقاعي للموسيقى كان داعيا للرقص، إلا أن حرارة أجسام المدعوين لم تكن قد وصلت بعد إلى درجة الذوبان، فالبطون ما تزال خاوية، وساحة الرقص خالية إلا من طفلتين استغّلتا الفضاء الواسع فقامتا بالرقص تحت عيون أمهاتهما الفخورات، وقد أعطت مبادرتهما فرصة للمصور لكي يملأ عدة جيغابايتات على قرص تسجيله بمشاهد طفولية نغشة.

جالت عيناي  بين المدعوين الذين كانوا قد ملئوا القاعة تقريبا وقد رأيت إمارات الارتياح تنفرد على وجه والد العريس الذي نظر إلى مجموع ما دخل إلى الصندوق حتى تلك الساعة، وأخرج آلة حاسبة صغيرة من جيبه، واختبأ خلف عامود آخر ليكمل حساباته، وأخبرته النتيجة أن السهرة قد وفّت، وتعدّت المساهمات  المبلغ الحرج الذي كان لا بد من وصوله لكي يكون قد ضمن تحمّل المدعوين لمصاريف فرحته بزواج ولده، ولذلك قام مسرعا وتوجّه إلى المطبخ ليخبر المسئول هناك أنه يمكنه إنزال القريدس كذلك. كان والد العريس قد ابتاع، تحت شرط إمكانية ترجيع البضاعة، كمية من القريدس المثّلج من أحد أقاربه، صاحب مسمكة، وكان قراره بإنزال القريدس يعتمد على كرم المدعوين، وفعلا، لم يبخل المدعوون على أنفسهم واستحقوا إجمال فواكه البحر في وجبتهم.       

انشغل المدعوون بتذوّق عيّنات المزّه والسلطات، وكان من السهل تمييز أولئك ذوي الخبرة بنوعية طعام القاعة، والآخرين الذين كانت زياراتهم لها لأول مرة، فقد علت وجوه بعضهم دلائل عدم استساغة ما تذوّقوه، فذلك يشتم طبقا قبل تذوّقه، وأخرى تنتقد خلطة التبّولة وتحاول مشاركة زوجها بطعمها غير المستساغ، ولطالما تساءلت عن هذا الإصرار بمشاركة الآخرين بطعم أو رائحة رديئة! ولكن ما أعجبني فعلا أولئك المتمرسون، فكأنهم كانوا من زبائن القاعة الدائمين، فقد ظهروا بمظهر المرتاح العارف لما يحيط به، فقبالتي مدّ مدعو يده فغرس شوكته بقطعة خيار مخلّل ثم انتقل بأناقة إلى صحن الحمّص فجرف ناحية منه، وبدون أن ينظر حتى مدَّ يده فتناول الجرجير وأفرغه بكامله في صحنه وقد رافقته نظرة استحسان وتشجيع من زوجته. كانت تصرفاته وحركات الكثيرين غيره تدل على ألفة للمكان، فحتى النادلون كانوا على معرفة بأسمائهم، وقد شاهدت أكثر من واحد يهرّب لهم طلبات خاصة لم أجدْها على طاولات أخرى. كانت حتى حركتهم على الكراسي أكثر هدوءا من المدعوين الجدد، فكأن المقاعد قد عقدت عهدا مع مؤخراتهم لإراحتها فجلسوا بهدوء ولم يتململوا. أبعدت عن ناظري طبقا يحتوي على المايونيز، وطلبت من مشاركيّ في الطاولة وضعه بجانب رفيقه شبه الفارغ في الناحية الأخرى منها، قبل أن يأتي نادل آخر ويستبدله.

دار والدا العريس معه على الطاولات ليشكروا المدعوين حسن مشاركتهم، وكانوا يتوقفون عند أشخاص تركوا مساهمة سمينة حسب تقرير الصندوق المحوسب. استجاب المدعوون لرفعة الكأس بطرق مختلفة، فمنهم من رفع الكأس بحماس زائد، وآخرون بمحبة صادقة، ومجموعة بحركة يد متعبة كأنها تحمل ثقلا لا تقدر على رفعه. أما كأس والدة العريس، فقد كان عجائبيا، فقد أنهت جولتها على الحاضرين وكمية السائل داخله قد ازدادت عما كانت عليه في بدايتها. صاحبت الكاميرا المتحركة جولة الأهل والتقطت تعابير وجوههم وأيديهم وكؤوسهم.

عندما انتبه أفراد من عائلة العريس برودة الموقف في الساحة، توجه أحدهم إلى خشبة المسرح وصرخ في أذن العازف القريب طلبا سرعان ما تحوّل إلى إنهاء سريع للأغنية المعزوفة حيث احتلت مكانها أخرى ذات إيقاع سريع، بينما هاجمت مجموعة من الشباب طاولات المدعوين بخبط أكف فوق الرؤوس تحرّضهم على المشاركة وإحياء حلقة الرقص. اهتاج عدد كبير من المدعوين للدعوة، فقفزوا من كراسيهم، وبدأ جزء منهم بالرقص بين الطاولات، بينما انتظر آخرون وصولهم إلى الساحة، حيث بدأت أجسامهم بالحركة التصاعدية إلى أن اندمجوا أخيرا مع المجموعة الراقصة وظهر الاستحسان على وجه والد العريس من جديد، بينما     

قام المصوّر بتركيز عدسة الكاميرا على الحلقة، واستغل العجقة لكي يستريح قليلا فتوجه إلى مقعده، ومزج كأسا من العرق وتناول قضمة من هنا وهناك.

بقي عدد لا بأس به من المدعوين على الطاولات، جزء من المتقدمين في السن، وآخر مما أراد الرقص ولكن حلقة الرقص لم تعد تتسع للمزيد، وجزء ثالث ممن لا يحسنون الرقص، أو ببساطة يتجنبونه لأنهم يشعرون أنهم يقومون بحركات اصطناعية لا تعبر عن مشاركتهم في الحدث. مهما كان السبب، فقد كشفت الكراسي الفارغة رؤوس الجالسين، واستغربت إصرار بعضهم على النظر بمستوى جلوسهم فلم يتعبوا أعناقهم برفعها لرؤية الرؤوس والأعناق الأخرى، بل اكتفوا بمتابعة حركة القماش فوق بعض الأرداف، بينما تركّزت عيون أخرى على حركة الأرداف داخل القماش، محرّكة الفستان بأكمله لعدم وجود أية فسحة داخليه تتمايل داخله، فكانت الحركة خارجية، مقيّدة، ترسم دوائر صغيرة منتظمة، بينما انتظرت عيون بعض المتفرجين لحظة توسيع الدائرة، فقد يحدث انفجار، ويحدث تحرر، فتتنفس الأرداف مخترقة الجدار العازل. أما الراقصون، فكانت أياديهم فوق رؤوس مرافقاتهم، وأعينهم تتجول ما بين المرافقات، والراقصات الأخريات، والمدعوات الجالسات، وقد أصابني دوار عندما حاولت تتبع مجرى بعض تلك النظرات من كثرة محطات زيارتها. استمرت المعزوفة بتكرارية أبدية، ومع أن عددا من الراقصين بدئوا في الانسحاب إجهادا، أو لروتينية العزف، إلا أن المجموعة الكبرى أصرّت على إنهاء الحركة فقط عندما يتوقف العزف، فازدادت الحركة، وتبرقعت الظهور بخرائط جغرافية لبلدان عدة، ووجدت شعيرات ما تحت الإبط متنفّسا لها فقامت برسم لوحاتها الرائعة أمام عيون وأنوف المرافقات للرقص.

هدأت الموسيقى وعاد الراقصون إلى مقاعدهم، فانزلقت عدة أرداف عن مقاعدها، فأمسكت الأيدي بطرف المقعد، ووازنت الجلسة، فاتّزنت المقاعد. امتدت الأيادي دفعة واحدة إلى زجاجات المشروب لملء الكؤوس التي أفرغها الراقصون قبل توجهم إلى الحلبة. بتمرّس ودقة في المزج، عاود شاربو العرق مزجه مع النسبة المعهودة من الماء، ثم قاموا بتغطيس قطعتين من الثلج في فوّهة الكأس، بينما امتدت أغلب الأيادي إلى زجاجات الويسكي، حيث سمعت أصوات قطع الثلج تتفتت داخل الكؤوس مع ملامسة الويسكي لها. تعرّفت على الأقل على أربع قناني ويسكي كنت قد أحضرتها بنفسي في جولاتي خارج البلاد، فقد كان والد العريس يتّصل بي مودّعا متمنيا عودتي سالما مع قنينة ويسكي حمراء لعرس ولده. واذكر أني عندما سافرت مرة لحضور مؤتمر، طلب مني بالذات قنينة سوداء، رأيتها تنتصب على طاولة العريس. حاولت أن احتفظ بإيصالات الديوتي فري لأخصم قيمتها من شيك نقوطي، إلا أنني وجدت أنه إن فعلت ذلك فسأضطر إلى الاحتفاظ بوصل منها لعرس ولده الثاني. على كل حال، لقد شعرت بأني قمت بواجبي كقريب مموّل لأفراح العائلة، حيث أن والد العريس لم يحتج إلا إلى شراء ست زجاجات مجمركة وزّعها على طاولات المساهمين الكبار لأنهم بذلك يكونون قد شربوا ويسكي أكثر تكلفة من تلك التي لم تساهم بدعم خزنة الدولة.

رفض سبعة مدعوين ذوو خبرة على طاولتي تناول أكواز الكبّة المقلية، واستغنى خمسة آخرون عن أسياخ الكباب، بينما اكتفى ثلاثة بتناول وجبة القريدس المكونة من ذكر وأنثى مقليين بزيت يحمل آثار قلي فلافل. عدد كبير من الحاضرين لم يعترض على محتويات الوجبة من أسياخ موجهة قرب أكتافهم، بل اكتفوا بإفساح المجال لموزعي الطعام لكي يقوموا بوضع الأسياخ على الطاولة من دون أن تخترق كمّا، أو تشحّم سروالا. أما المدعوات، والتي كان عدد كبير منهن يرتدين فساتين من غير أكمام، فقد ارتمين بأحضان أزواجهن تحاشيا لهجمة الأسياخ.  كانت هذه وجبة الافتتاح، وقد مضغت بعض الأفكاك عددا من قطع اللحم، بينما بقيت معظم اللحوم مخوزقة حتى بردت، فتقلّص الكباب ولم يعد بالإمكان إزالته عن السيخ إلا بقشطه بسكين.

استمر الغناء، وصدأ الميكروفون من رطوبة فم المغني، وقام المدعوون وقعدوا، واستمرت المبارزة في حلبة الرقص، واصطدمت أجسام، ورفعت كؤوس، ونظرت عيون إلى عيون على طاولات بعيدة من خلال زجاج الكؤوس المرفوعة، فابتسمت شفاه، وانخفضت عيون، وحدّقت أخرى متحديّة القاعة ومدعويها.

اكتست الطاولات بلوحة سريالية من الطعام المتناثر على لوحات قبوره الرخامية البيضاء منتظرا دفنه في حاوية قمامة عملاقة قد تصلح لتدخل كتاب جينيس للأرقام القياسية تحت زاوية البطر والاستهتار، لا بل الغباء. ومع قلة خبرتي في علم الاقتصاد، إلا أني حاولت أن أفهم سرّ ذلك الاتفاق المتبادل بين أبناء الشعب الواحد الكادح، الذي يصرف ما ليس معه، بل يقترض ويختنق، لكي يقوم بمساعدة شخص ليحتفل بعرس ابنه على حسابه، فيدفع ثمن وجبة يلقيها حاوية فضلات الطعام، وينتظر ذلك اليوم عندما يحين دوره ليدعو ويسترد دينه، فيقوم هو الآخر بتبذير نقود عائلته وأقربائه وأصدقائه ومعارفه ليساهم في دعم اقتصاد مزوّدي الخدمات في بلده. يا ليتني كنت ذكيّا فعملت كمزوّد خدمات فرح بدلا من خدمات تربية وروح.

قزّزني المنظر فقفزت عن مقعدي وسّلمت على العريس وأهله معتذرا ملفّقا سببا واهيا لضرورة مغادرتي قبل زيانة العريس.

انتظر قليلا يا رجل، شدّد والد العريس فموزات الخروف لم تنزل الطاولات بعد.

قام والد العريس، وفتح لائحة، فوجد اسمي مسجلا مع أولئك الذين يستحقون الحصول على واحدة. سارع إلى المطبخ، وعاد يحمل موزة خروف ملفوفة بورق فضي في صحن بلاستيكي.

صحتين. لقد وقفت معنا في فرحنا، فخذ موزتك، فيمكن أكلها باردة كذلك.

أخذت موزتي، وغادرت القاعة وأنا أتساءل ماذا يمكن لشخص نباتي أن يفعل بموزة خروف.

في أسفل الدرج كدت أتزحلق بقشرة موز نباتي.

نصوص وخواطر - الرئيسية