موقع بيتنا

 
مقالات في بيتنا

هـَدْيُ النجمة
 دراسات وأبحاث في الأدب العربي

 ســحبان وائـل وخطبتـه

 الرئيسية>>

تصديــر

الخطابة فن أدبي يهدف أصلا ً إلى الإقناع والاستمالة لنقل السامع من موقف إلى آخر، وفيهابالإضافة إلى الفكرة المؤداةلغة انفعالية وجدانية تؤثِر على السامع، وخاصة في عصر كانت رواية الخبر هي العماد الأول في التلقي.

وإذا عدنا إلى العصر الجاهلي فإن طبيعة المجتمع السائدة كانت تكثر فيها المفاخرات والمنافرات والتحريض على القتال أو السفارة للصلح، كما تكثر فيها وفود التهنئة والتعزيةمما جعل الخطيب زعيمًا في قومه[1] ، وكم بالحري إذا كان ذا طاقة في النطق الشفهي، وله صوت إيقاعي، ووقفة مهيبة مما يجعله يستحوذ على جمهوره.

ثم ازدهرت الخطابة في العصر الإسلامي بسبب دواعي الحياة الجديدة من دعوة للدين ووعظ، أو مواكبة للفتوحات، أو دفاع عن سياسية حزبية أو مذهبية. وكان للقران تأثيره البالغ على النص الخطابي شكلاً ومضمونًا. فكانوا يستحسنون في الخطيب حضور البديهة، والقدرة على ارتجال الكلام، وأن يكون رابط الجأش، سليم النطق، جميل الهيئة، وغير ذلك من الصفات المعنوية الجسدية.

إن هذه الدراسة لا تبغي أن تتعمق في موضوع الخطابةدواعيها، وميزاتها، وأساليبها، فقد تناولت ذلك كتب قديمة وحديثة كثيرة، وسأشير إلى الكثير منها في تضاعيف الدراسة.

غير أني سأقف هنا بشيء من التفصيل على خطيب مخضرم مشهور هو سحبان وائل، وذلك بسبب ذيوع صيته من جهة، وندرة ما وصل إلينا عنه ومنه من جهة أخرى.

من هنا تطمح هذه الدراسة إلى أن تقدم سحبان وائل في ضوء جديد، فتدرس خطبته المنسوبة إليه وموضع الشك فيها، وأسباب شهرة سحبان وضرب الأمثال به.

 

ســـحبان وائــل

 

ضرب المثل بسحبان وائل، فقيل: أخطب من سحبان وائل، وأفصح من سحبان، وأنطق من سحبان، وأبلغ من سحبان[2]. فمن هو سحبان؛ وماذا ترك من أثر يشفع له بمثل هذه الشهرة حتى ذاع صيته، وتردد أسمه على الألسنة؟

 

ترجمة سحبان:

 

هو سحبان بن زُفر بن إياس، وهو منسوب إلى وائل باهلة[3]، وقد أورده ابن حجر في الإصابة ضمن قسم المخضرمين الذين أسلموا في زمن النبي ولم يجتمعوا به[4]. توفي سنة 54هـ [5] .

مكانة  قومه باهلة بين القبائل

 

أشرت إلى أن سحبان نسب إلى وائل باهلة[6] ، ويهمني التوقف على هذه المسألة لما لها علاقة في هذه الدراسة. إذ أن باهلة من بني عبد القيس[7]، وقد ضرب بها المثل في اللؤم، فقيل لؤم باهلة. وقد أفرد الجاحظ فصلاً في الشرف والخمول في قبائل العرب، حيث ورد فيه قوله:

فالشرف والخطر في عبس وذبيان، والمبتلى والملقّى والمحروم والمظلوم مثل باهلة وغنيّ[8].

وهناك روايات كثيرة تشير إلى ضعة باهلة، أذكر منها:

قال الأشعث بن قيس لرسول الله: أتتكافأ دماؤنا؟ فقال: نعم، ولو قتلت رجلاً من باهلة لقتلتك به[9].

وقيل لبعضهم: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ فقال: نعم، بشرط ألا يعلم أهل الجنة بأني باهلي، والأخبار في ذلك كثيرة[10].

وقد برز بين أبناء القبيلة القائد قتيبة بن مسلم وابنه عبد الله ابان عهد عبد الملك بن مروان، وفي حوار جرى بين قتيبة والحُضين بن المنذر حول باهلة ومكانتها، يقول الحضين:

قوم ٌ قُتيبة أمهم وأبوهم    لولا قتيبة أصبحوا في مجهل [11]

 

المأثور عن سحبان :

 

لم يصل إلينا من خطب سحبانعلى شهرتهإلا مقطوعة سأوردها  لاحقًا، وسأورد ظروف إلقائها، وحورات سحبان خلالها، حيث ستكون هذه الخطبة وشهرة سحبان موضوع حديثنا في هذه الدراسة.

أما في الأقوال والحكم فقد وقعنا على قولين أو حكمتين هما:

العقل بالتجارب لأن عقل الغريزة سلّم إلى عقل التجربة [12].

* شر خليطيك السؤوم المحزّم [13].

وأما في الشعر فقد نسب له بيت من الشعر يفاخر فيه بقدرته الخطابية، وذلك بعد إلقاء خطبته، وهو:

لقد علم الحي اليمانون أنني   قلت اما بعد أني خطيبها[14]

كما نسب له بيتان من الشعر وردا في مدح طلحة بن عبد الله الخزاعي، يقول فيهما:

يا طلح اكرم من بها     حسبًا  أعطاهم    لتالدْ

منك العطاء فأعطني اوعلي مدحك في المشاهد [15]

نص الخطبة

(أو المقطوعة عنها)

 

إن الدنيا دار بلاغ، لا دار قرار. أيها الناس فخذوا من دار ممركم إلى دار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفي عليه أسراركم. وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها حييتم، ولغيرها خلقتم. إن الرجل إذا هلك قال الناس ما ترك؟ وقالت الملائكة ما قدم عند الله؟ قدموا بعضًا يكون لكم، ولا تخلّفوا كلاّ يكون عليكم[16].

....

لقبت هذه الخطبة وعرفت  بـالشوهاء[17]، بسبب حسنها؛ وذلك أنه خُطب بها عند معاوية، فلم ينشد شاعر ولم يخطب خطيب. ومع ذلك ثمة شكوك حول هذه الخطبة ونسبتها، وسآتي على ذلك لاحقًا.

 

شهرة سحبان وذكر اسمه:

اشتهر اسم سحبان في كتب الأدبشعرًا ونثرًاباعتباره نموذجًا في البلاغة والخطابة وإليك لُمعـًا من ذلك:

يصف صفوان الأنصاريشاعر المعتزلةبلاغة واصل بن عطاء وصحبه:

وما كان سحبان يشق غبارهم

ولا الشُّدق من حيَّيْ هلال بن عامر[18]

ويقول حُميد الأرقط في هجاء ضيف :

أتانا ولم يعدله سحبان وائل    بيانًا وعلمًا بالذي هو قائلُ

فما زال عنه اللقمُ حتى كأنه   من العي لما ان تكلم باقل[19]

ويشرح الجاحظ معلقًا على هذين البيتين: سحبان مثل في البيان، وباقل مثل في العي، ولهما أخبار[20].

ويصف مكي بن سوادة البرمجي البصري ممدوحَه بقوله:

يبذ قريع القوم في كل محفل

ولو كان سحبان الخطيب ودغفلا[21]

ويقول ثابت بن قرة في وصف الجاحظ:

الجاحظ شيخ المتكلمين، إن تكلم حكى سحبان في البلاغة، وان ناظر صارع النظّام في الجدال[22].

ويصف الجاحظ الكتاب بقوله :.. والكتاب وعاء مليء علمًا.. وإن شئت كان أبين من سحبان، وإن شئت كان أعيا من باقل[23].

كما أورد ابن زيدون في الرسالة الهزلية قوله الساخر بابن عبدوسسحبان إنما تكلم بلسانك[24].

ولن استرسل في نماذج أخرىوهي كثيرة- للتدليل على الشهرة الواضحة الذائعة التي كانت الأمثال في فاتحة هذه الدراسة جزءًا منهاوهي جميعها تدل بصورة قاطعة على سيرورة اسم سحبان. وفيما يلي اعتراف الخليفة معاوية بن أبي سفيان بقدرة سحبان الخطابية، وذلك من خلال ظروف إلقاء هذه الخطبة التي ندرسهاعلمًا بأن معاوية عُرف خطيبًا بارزًا، وقد وردت خطبه في كتب الأدب المختلفة[25].

 

ظروف إلقاء الخطبة:

 

روت كتب الأدب كيف ألقى سحبان خطبته بين يدي معاوية على النحو التالي:

قدم على معاوية وفد من خراسان فيهم سعيد بن عثمان[26]، فطلب سحبان فلم يوجد في منزله، فاقتُضب من ناحية اقتضابًا[27] وأُدخل عليه فقال: تكلم! فقال:

انظروا إلى عصا تقوّم من أوَدي [28] ، قالوا: وما تصنع بها وأنت في حضرة أمير المؤمنين؟

قال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه، وعصاه في يده. فضحك معاوية وقال: هاتوا عصا![29].

فجاءوا بها إليه، فركلها[30] برجله، ولم يرضها، وقالوا هاتوا عصاي[31] ، فأتوا بها فأخذها، ثم قام فتكلم منذ صلاة الظهر إلى ان قامت صلاة العصر، ما تنحنح، ولا سعل، ولا توقف، ولا ابتدأ في معنى فخرج منه وقد بقي عليه منه شيء.

فما زالت تلك حالـه حتى  أشار معاوية بيده[32]، فأشار إليه سحبان: ألا تقطع علي كلامي، فقال معاوية: الصلاة!، قال هي أمامك، ونحن في صلاة وتحميد، ووعد ووعيد[33]، فقال معاوية: أنت اخطب العرب! فقال سحبان: والعجم والجن والإنس.

من هنا نرى أن سحبان كان يطيل الخطبة على نفس واحد[34] ، والخليفة راضٍ عنه، بل يضحك له، ويعترف  بقدرته أنه أخطب العرب[35]  فلا يكتفي سحبان بتجاهل طلب الخليفة أن يتوقف في موعد الصلاة، بل يرد عليه معتزًا بأنه أخطب العجم والإنس والجن؛ ثم ما لبث أن قال مفاخرًا بنفسه ببيت الشعر الذي ذكرته أعلاه- (ملاحظة رقم 13).

لقد علم الحي اليمانون أنني

قلت أما بعد أني خطيبها[36]

 

أعود إلى سؤال موضوع الدراسة: ما سر هذه المكانة وهذه الشهرة في نص لا يملك خصوصية أدبية متميزة، بل هو موضع شك حتى في نسبته إلى سحبان؟ ( انظر الملاحظة 56 وما بعدها ).

لا أملك إزاء المادة التي تقرّيتهاأعلاهإلا اجتهادات وافتراضات أحاول ان أتلمسها وفق معطيات يسيرة. وتنقسم هذه الاجتهادات إلى قسمين:

أ . قبول النص على أنه لسحبان، وقبول ما تناقله الخلف من السلف بشهرة سحبان خطيبًا فصيحًا بليغًا.

ب. الشك في نسبة النص لسحبان، والشك في الأخبار الواردة عنه.

أ. قبول النص:

- أحاول فيما يلي تقديم الأسباب التي أعلت من شأن سحبان حتى ذاع صيته وعلا شأنه؛ وقد تكون هذه الأسباب والاجتهادات تكمل بعضها بعضًا.

1. السبب السياسي:

إن الخلاف بين علي ومعاويةكما لا يخفىولّد الشعر السياسي، وأجّج عوامل الخطابة، فالخطابة التي لهج بها علي وأنصاره، وكذلك الخوارج على أختلاف فرقهم كانت مشحونة بالعاطفة والإثارة، وغالبًا ما تتسم بقوة السبك وحرارة اللهجة.

والخطيب له مكانته في المفاخرة والمنافرة وبعث الحمية وجمع الكلمة؛ فلا بدع إذن أن يعمد الأمويون إلى أنصارمن الخطباء الذين يتجهون إلى الدفاع عن حقوق الأمويين في الخلافة، وإلى وجوب التمسك بتقديم فروض الطاعة للولاة الذين اعتلوا سدّة الحكم، وورثوا الزعامة كابرًا عن كابر.

كانت أهمية الخطابة في هذا العصر كبيرة ويخيّل إلى من يقرأ أخبار القوم أنهم أصبحوا جميعًا خطباء، فهم يخطبون في نظرياتهم السياسية ومعتقداتهم الدينية.. ومن ورائهم القصاص والوعاظ[37]؛ ثم إنهم اتخذوا الخطابة أداتهم للظفر في آرائهم السياسية والانتصار في مجادلتهم المذهبية[38].

من هنا يمكن تصور سلوك معاوية في اصطناع القصاص وتحفيز الخطباء بأنه سلوك تدعو إليه الحاجة في مثل أجوائه المحتدمة. ويذكر عمر فروخ أن سحبان أدرك عند معاوية حظوة كبيرة يوم كان معاوية واليًا، ثم أصبح خليفة[39]؛ لذا فليس غريبًا أن يجد سحبان له مكانة في حضرة الخليفة؛ وها هو الخليفة هادئ، بل محب إزاء إدلال الخطيب بنفسه، مع أن سحبان لا يستجيب لإشارته أن يتوقف بسبب موعد الصلاة.

أما نص خطبه قد يكون سياسيًا أو دينيًا؛ فإن كانت هنالك بعض الخطب السياسية فربما تكون قد ضاعت في جملة ما ضاع في عهد بني عباس، أسوة برسائل عبد الحميد الكاتب الذي قال عنه ابن النديم ولرسائله مجموعة نحو ألف ورقة[40].

وقد تكون خطبة دينية، وغالباً ما تكون الخطبة الدينيةعامة ـ  ذات أفكار متكررة وابتكار يسير، ولا تحمل القوة وروعة التعبير شأن الخطب  السياسية التي تدافع عن قضية اوتدفع أخرى؛ والدينية بالتالي - لا تحمل حرارة اللهجة[41]، بل فيها فتور العاطفة، والمضمون الفاتر يجعل الأسلوب فاترًا، فالتوجه هو إلى الله، وإلى الجنة ونعيمها، وهي معادة مكررة في كل خطبة جمعة وفي خطب الأعيادبصورة أو أخرى.

من هنا فإننا لا نجد إلا القليل من المحفوظ أو المدوّن من هذه الخطب أو المواعظ الدينية[42].

فقد تكون شخصية قتيبة بن مسلم لها دور فعال في إظهار سحبان بهذا القدر من الشهرة (انظر الملاحظة 10)، فقتيبة باهلي ، وكان أبوه كبير القدر لدى يزيد بن معاوية  عظيم المكانة مرهوب الجانب، راوية للشعر عالمًا به[43].

أشرنا إلى مكانة باهلة بين القبائلفي بداية هذه الدراسة؛ وحتى أؤكد مدى تأثير ذلك على قتيبة أورد نصًا أخر يبين ذلك:

قال قتيبة لهبيرة بن مسروح: أي رجل أنت لو كان أخوالك من غير سلول؟ فبادل بهم! قال: أصلح الله الأمير، بادل بهم من شئت وجنّبي باهلة[44].

وقد أنشد أبو العباس لرجل بن عبد القيس:

أباهل ينبحني كلبـــكم         وأســدكم  ككــلاب   العــرب

ولو قيل  للكلب يا باهلي    عوى الكلب من لؤم هذا النسب[45]

فهل عجب إذا افترضنا إظهار قتيبة لبني قومه من خلال اعتزاز بهم - اعتزاز باهلي بباهلي؛ فقتيبة أولا صاحب سطوة ونفوذ، ثم إنه أدرك في طفولته سحبان، ويحتمل أن يكون قد ترك سحبان أثرًا ما في نفسه. ولعله استمع إلى والدهجليس يزيد بن معاوية - وهو يروي هذه الرواية عن حضور سحبان والوفد إلى مجلس معاوية، وخطبته فيه.

إن القصة التي نسجت حول الخطبة لا بد أن تكون متأخرة، فطبيعة الرواية التي تحدث عن ماض كان، والمغالاة في تعاطف معاوية من شأنها أن ترجح تقديري.

أضف إلى ذلك: ليست هنالك أبيات شعرية أو أخبار يرد فيها ذكر سحبان قبل خلافة عبد الملك وهي الفترة التي عايشها قتيبة؛ بل إن الجاحظ يشير إلى محاورة تعنينا هنا؛ إذ خاطب عبدُ الملك بن مروان خالدَ بن سلمة المخزومي سائلاً: من أخطب العرب؟ قال: أنا.. ثم من؟ قال: روح بن زنباع. ولم يذكر سحبان من بين جملة خطباء عددهم.[46]

ويبدو أن سحبان لم تتوسع شهرته أولاً، ربما لبعد خراسان وابن قتيبة (الذي كان عاملاً فيها )، أو ربما أن إشهار سحبان لم يستحكم بعد؛ فالجاحظ يقدم لنا معلومة من عصره فيقول: وقد يبلغ الفارس والجواد الغاية في الشهرة، ولا يرزق ذلك الذكر والتنويه بعضُ من هو أولى بذلك منه؛ ألا ترى أن العامة ابنُ القرّيّة عندها أشهر في الخطابة من سحبان وائل..[47]؛ ويفهم من ذلك أن اسم سحبان لم يشع، والجاحظ يهمه أن يظهر الناس سحبان.

كان الخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها ونقّص [48]؛ فإذا كان من الصعب تحديد خطب الرسول نفسه، وهو المثل الأعلى للفصاحة في نظر الرواة - أنا أفصح العرب... بل نجدها متضاربة أحيانًا متباينة أخرى، فلا بدع ألا تحفظ خطب سحبان الدينية والوعظية؛ فهل خطبته تعلق في الأذهان وتولى الأهمية أكثر من الحديث الشريف ومن خطب الصحابةوهي قليلة في  كتب التراث؟ ثم إن  حديث الرسول أجيز فيه ذكر المعنى إذا اختلف في اللفظ ، بسبب الخلاف على هذه اللفظة أو تلك، فكيف تحفظ خطب سحبان وهي طويلة جدًا، أو كما وصفت: فإذا خطب لم يعد حرفًا، ولم يتلعثم، ولم يتوقف، ولم يتفكر، بل كان يسيل سيلاً[49]. إن الوصف الظاهري الخارجي من شأنه أن يرسخ شهرة سحبان حتى ولم يبق من خطبه ما يرفد هذه الشهرة. إنه يخطب من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، أكثر من ساعتين على نفس واحد ما تنحنح، ولا سعل ،لا توقف، ولا ابتدأ في معنى فخرج منه وقد بقي عليه شيء وهو لا يقعد حتى يفرغ[50]؛ وكانت كل عين في   السماطين  شاخصة إلى أن أشار معاوية بيده  أن اسكت[51].

مثل هذه الأوصاف تقوي صورة الخطيب، وتجعل أثره فاعلاً؛ وليس أدل على ذلك من بعض خطباء اليوم، ممن يلقون خطبهم الدينية والوعظية، ولا يبقى في ذاكرتنا إلا الصورة الخارجية وطريقة التعبير والأداء.

2الجنوح إلى المبالغة:

إن عنصر المبالغة ماثل في الأدب العربي القديم؛ وصيغة أفعل للتفضيل كثيرًا ما وردت في الأمثال والأقوال. يقول شبيب بن شيبة عن صالح بن أبي جعفر المنصور: ما رأيت كاليوم أبين بيانًا، ولا أجود لسانًا، ولا اربطُ جنانًا، ولا أبلُ ريقًا، ولا أحسن طريقًا ولا أغمض عروقًا من صالح[52].

ولنقرأ نموذجًا آخر من الجاحظ يصف فيه داود بن علي: كان أنطق الناس وأجودهم ارتجالاً واقتضابًا للقول[53].

ولو عدنا إلى كتاب مجمع الأمثالمثلاًلوجدنا بعد كل حرف من حروف الهجاء ما جاء على أفعل من هذا الباب؛ فلو أخذنا على الحرف حكلمة أحمق لوجدنا ثمانية أشخاص ضرب بهم المثل في الحمق[54].

على ضوء ذلك لا يستبعد أن يكون المثل أخطب من سحبان وسائر الأمثال الأخرى التي تدل على انه أفصح..، أنطق..، أبلغ..، من باب الإعجاب الذي قد يكون تأتى بسبب طريقة أدائه، أو بسبب تسويقه سواء من قبل معاوية أو قتيبةكما أشرنا أعلاه؛ خاصة وصيغة أفعل واردة كثيرًا في النصوص، وتلقى من يُذيعها ويرددها[55].

ب - الشك ( في النص وفي الأخبار عن سحبان) :

لم يقتصر الشك الذي بدأ به المستشرقونوتابعهم طه حسينعلى الشعر الجاهلي، وإنما تعدى ذلك إلى النثربما فيه من الخطابة؛ يقول طه حسين: فلا تصدق إذن ان قد كانت للعرب في الجاهلية خطابة ممتازة. إنما استحدثت الخطابة في الإسلاماستحدثها النبي والخلفاء، وقويت حين نجحت الخصومة السياسية الحزبية بين المسلمين[56].

ويقول بلاشير أيضًا: إن الانتحال لا يبقى محصورًا في الشعر، بل يتناول النثر حتى لنستطيع الجزم أنه ليس لديناباستثناء القرانسطر واحد من النثر يرجع تاريخه إلى هذا العهد، ومن الضروري إذا أردنا تبين حقيقة المسألة بأن نشير إلى أن هناك كمية من الآثار القديمة التي أفسدتها الرواية الشفهية والتدوين امتزجت بآثار منحولة ذات مظاهرة مختلفة، ومنها قطع أدبية بديعة.. وهناك قطع منحولة صنعت بسذاجة[57].

يقوى هذا ويتعزز إذا علمنا أن هذه المقطوعة من الخطبة التي ندرسها - ذكرت على أنها لأعرابي ولاّه جعفر ابن سليمان بعض المياه؛ فخطبهم يوم الجمعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد،  فإن الدنيا دار بلاغ.. وقال الملائكة: ما قدم؟ فلله آباؤكم! قدموا بعضاً يكن لكم فرضًا؟ لا تخلفوا كلا يكن عليكم كلا ً، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم[58].

ويبدو ان المنطق في جانب هذه الرواية، وخطبة الأعرابي ملائمة للوعظ الديني، وهي تبدأ بالحمدله والثناء على الله، ثم بقوله أما بعد، وتنتهي بقوله أستغفر الله لي ولكم وبالدعاء لأمير المؤمنين وولاة الأمر. غير أن الأمر لم يقف عند هذا الشك في نسبتها لسحبان، بل إن الخطبة نسبت للإمام علي بن أبي طالب؛ فهذا ابن أبي الحديد يقول في شرحه لهذه الخطبة:

وأكثر الناس على أن هذا الكلام لأمير المؤمنين علي عليه السلام، ويجوز أن يكون الإعرابي حفظه، فأورده كما يورد الناس كلام غيرهم[59].

وقد  وردت هذه الخطبة في باب التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة[60]. بمعنى أن هذا الخلاف على أن نسبة الخطبة بنظر الاعتبار، بل هو خلاف  حول نسبتها للأعرابي أو للأمام علي. وقد ذكرناأعلاهالاختلاف في إيراد صيغة النص والاختلاف في رواية ظروف الخطبة وما صحبها من حوار(انظر الملاحظة 25 وما بعدها).

من الطريف أن نذكر أن هناك سحبان وائل آخر غير الخطيب الذي تناولته الدراسة، وكان هذا قد مدح قتيبة بن مسلم[61].

من هنا نرى المعلومات المتضاربة التي لا نستطيع إلا أن نقابلها بالشك والتساؤل.

مجمــل القـــول :

لاحظنافي الدراسة- حول سحبان وائل الخطيب كثيرًا من الشك والتساؤل.

إن الشك في النص ونسبته يجب ألا يجعلنا نربطهبالضرورة بدراسة أسباب شهرة سحبان؛ فالنص أصلا هو غير متميز، بالإضافة إلى كونه يرد بروايات مختلفة. وسواء كان النص لسحبان أو للأعرابي أو حتى للإمام علي فإنه لا يخرج عن كونه نصًا وعظيًا مكرورًا لا يدل على قدرة بلاغية خاصة على غرار ما عرفناه في خطب علي أو الحجاج أو زياد بن أبيه.. وغيرهم.

أما الشهرة فهي- بحد ذاتها- موضوع اهتمامنا، وهي التي نظرت الدراسة إليها أكثر. ونظرة إلى هذه الاجتهادات / الافتراضات التي ذكرتها فإنه يمكن التوصل إلى تصور يؤالف بينها، حتى ولو كان كل افتراض منها- على حدتهبحاجة إلى إثبات أكثر وأعمق.

إن شهرة سحبان تأتتبالتالي- زمن الأمويين. وقد تكون هذه العلاقة سببها الخليفة معاوية بن أبي سفيان الذي استقبل سحبان واحتفى به، واعترف له أمام الملأ بأنه اخطب العربخاصة ومعاوية في ظروفه الحزبية والسياسية المختلفة كان أحوج ما يكون إلى قصاصين وخطباء  يذودون عن حق الاموين بالخلافة.

وقد تكون هذه الشهرة بسبب قتيبة بن مسلم الباهليقائد جيش عبد الملك بن مروان، فعزا إلى سحبان الباهلي هذه الشهرة لاجئًا إلى (أو ناسجًا) حكاية سحبان مع معاوية؛ وذلك من باب رد الفعل حتى ينتصر لقبيلته ويرد لها الاعتبار، خاصة لأن باهلة عُرفت بين القبائل بالضعة واللؤم.

ويشتد هذا التصور إذا عرفنا ان سحبان توفي بينما كان قتيبة في صباه، وإذا علمنا أن والد قتيبة كان جليسًا ليزيد بن معاوية؛ ولن اذهب بعيدًا للتأكيد على تأثير الطفولة بما ترى وتسمع، حتى ليظل هذا التأثر عالقًا بالذهن، ويتجلى لدى الإنسان في أكثر من موقف.

ثم إن سبب المظهر الخطابي كفيل بشهرة الخطيب، وأعني أنه كما وصف لا يسعل ولا يتنحنح، ولا يتلجلج.. ويسيل سيلا ً، ولا يستبعد أن تكون هذه المظاهر الخارجية قوية الأثر أكثر من النصوص نفسها التي ضاعت لسبب أو لأخر. أقول ضاعت لأننا عرفنا عن محاولات العباسيين في طمس آثار الأمويينكرسائل عبد الحميد الكاتب مثلا ً، فإن لم تكن ضاعت للأسباب السياسية فعلى الأقل يمكننا أن نؤكد أن الخطب الدينية والوعظية لا يبقى منها في الذاكرة إلا ما ندر؛ وكم بالحري إذا كانت الخطبة طويلةكما أُخبِرنا عن خطب سحبان.

بالإضافة إلى ذلك فإن المبالغة لون من الأدب العربي القديم، ولها نماذج كثيرة في استخدام أفعل التفضيل: أبلغ من.. ،أحمق من..، أجهل من.. الخ.

كل هذه وأمثالها بحاجة إلى معاودة النظر، ولعل هذه الدراسة تطرح تساؤلات حول أراء مقررة وسائدة، وأرجو ان تكون قد ساهمت في إلقاء الضوء على شخصية ترددت في أمثالنا، وبرزت في أدبنا العربي.

المراجع

ابن أبي الحديد 1967

ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، ج11 (الطبعة الثانية ) ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة – 1967.

ابن الأثير 1965

ابن الأثير ، عز الدين : الكامل في التاريخ ، ج4 ، دار صادر ودار بيروت ، بيروت -1965.

ابن الجوزي 1992

ابن الجوزي : المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ، ج5 ، (راجعه نعيم زرزور ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت – 1992.

ابن خلكان (ب.ت)

ابن خلكان ، وفيات الأعيان،ج4، (حققه إحسان عباس)، دار الثقافة ، بيروتد.ت .

ابن عبد ربه 1965

ابن عبد ربه : العقد الفريد ،(سبعة أجزاء ) ، الطبعة الثانية ، دار الكتاب العربي ، بيروت – 1965.

ابن عساكر 1979

ابن عساكر : تهذيب تاريخ دمشق الكبير ، ج6 ، دار الميسرة ، بيروت – 1979.

ابن قتيبة  1981

ابن قتيبة: المعارف (الطبعة الرابعة ) ، دار المعارف ، القاهرة -1981.

ابن قتيبة 1968

ابن قتيبة : عيون الأخبار (أربعة أجزاء ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت -1986.

ابن كثير 1966

ابن كثير : البداية والنهاية ،ج9 ، مكتبة المعارف ، بيروت 1966 .

ابن منظور 1968

ابن منظور : لسان العرب (15 جزءًا )، دار صادر ، بيروت -1968.

ابن نباتة 1964

ابن نباتة : سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار الفكر العربي ، القاهرة -1964.

ابن النديم (ب.ت)

ابن النديم  : الفهرست ، دار المعرفة ، بيروت،ب.ت.

الأصفهاني 1963

الأصفهاني، أبو الفرج : الأغاني ، (25 جزءًا ) ، أشرف على مراجعته وطبعه العلايلي وآخرون ، بيروت -1963.

الآلوسي (د.ت)

الآلوسي محمود : بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب ، ج3 ، عني بنشره محمد الأثري ، دار الكتب العلمية ، بيروتد.ت.

البغدادي 1989

البغدادي ، عبد القادر : خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب،(عشرة أجزاء)، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة – 1989 .

بلاشير 1965

بلاشير ريجيس : تاريخ الأدب العربي ( العصر الجاهلي )، تعريب إبراهيم الكيلاني، دار الفكر، بيروت -1965 .

الثعالبي 1985

الثعالبي ، أبو منصور : ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ، دار المعارف ، القاهرة – 1985 .

الجاحظ 1969

الجاحظ : الحيوان (سبعة أجزاء ) ، الطبعة الثانية ، دار الكتاب العربي ، بيروت- 1969.

الجاحظ : البيان والتبيين ( أربعة أجزاء) ،ط5 ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون ، مكتبة الخانجي ، القاهرة -1985.

حسين (د.ت)

حسين ، طه : في الأدب الجاهلي، (نسخة مصورة عن الأصل الصادر سنة 1927)، حيفاد.ت.

الحموي1922

الحموي، ياقوت: معجم البلدان (20 جزءًا)، ط2 ، مطبوعات دار المأمون، القاهرة – 1922.

الزبيدي 1306هـ

الزبيدي : تاج العروس من جواهر القاموس، (مصور عن طبعة المطبعة الخيرية، القاهرة -1306هـ .

الزركلي 1995

الزركلي، خير الدين: الأعلام ، ط11، دار العلم للملايين، بيروت -1995.

الزمخشري 1977

الزمخشري : المستقصى في أمثال العرب ، ()ج1) ، ط2 ، دار الكتب الأهلية ، بيروت 1977.

السامرائي 1984

السامرائي ، إبراهيم : من الضائع من معجم الشعراء للمرزباني ، مؤسسة الرسالة ، بيروت -1984 .

الشريشي 1952

الشريشي: شرح مقامات الحريري، المجلد 1-12، المكتبة الشعبية القاهرة – 1952.

الشريف الرضي(ب.ت)

الشريف الرضي : نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب ، (ج2) ، تحقيق الشيخ محمد عبده ، منشورات المكتبة الأهلية ، بيروتد.ت.

صفوت 1962

صفوت ، احمد : جمهرة خطب العرب (ج2) ، شركة مكتبة ومطبعة الحلبي ، القاهرة -1964 .

ضيف (د.ت)

ضيف ، شوقي: الفن ومذاهبه في النثر العربي، ط5 ، دار المعارف، القاهرةد.ت .

الطبري 1964

الطبري ،محمد بن جرير : تاريخ الرسل والملوك ، ج6 ، دار المعارف بمصر -1964 .

العسقلاني 1970

العسقلاني ، ابن حجر : الإصابة في تمييز الصحابة (القسم الثالث ) ، دار النهضة مصر للطباعة والنشر ، القاهرة -1970.

علي 1976

علي، جواد : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، (عشرة أجزاء ) ، دار العلم للملاين ومكتبة النهضة ، بيروت وبغداد -1976.

فروخ 1981

فروخ ، عمر : تاريخ الأدب العربي (1) ، دار العلم للملاين ، بيروت-1981 .

القالي (د.ت)

القالي ، أبو علي : الأمالي ، ج(1) ، منشورات دار الحكمة ، بيروتد.ت.

القيرواني 1969

القيرواني ، أبو اسحق الحصري : زهر الآداب وثمر الألباب ، ج (2) ، ط2 ، تحقيق علي البجاوي ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة -1969.

المبرد 1997، المبرد : الكامل ، (أربعة أجزاء ) ، المكتبة العصرية ، بيروت -1997.

مؤنس 1987

مؤنس ، حسين : أطلس تاريخ الإسلام ، الزهراء للإعلان العربي ، القاهرة 1987.

الميداني 1955

الميداني ،أبو الفضل : مجمع الأمثال ، ج(1) ، مطبعة السنة المحمدية ، القاهرة -1955

E.IS.2: sahbān wāil ( written by : T .Fahad).

 


 

1- يرى أبو عمرو بن العلاء انه بعد أن كثر الشعر والشعراء في الجاهلية، وبعد أن اتخذوا الشعر مكسبة... صار الخطيب عندهم فوق الشاعر (الجاحظ 1985 ، ج1، ص241) ، وقد تناول كارلو  نالينو موضوع الخطابة الجاهلية فقال : - أما فن الخطابة فله عند العرب مقام عال جدًا ... ولذلك أسباب مرتبطة بنظامهم السياسي المبني على الحرية ونوع من مجلس الشورى... ومن الحري بالذكر أن الألفاظ التي كان العرب يعبرون بها عن متولي حكم قوم من أقوامهم أعني السيّد والأمير عند عرب نجد والحجاز والقيل في أنحاء اليمن إذا بحثنا عن اشتقاقها بمقارنة سائر اللغات السامية وجدنا أن معناها الأصلي إنما كان القائل أو المتكلم.( نالينو، تاريخ الآداب العربية من الجاهلية حتى عصر بني أمية، ط2، دار المعارف بمصر،1969، ص97).

 

[2]- الميداني 1955، ص249، وانظر : علي 1976- ج8 ،ص780.

[3] - ابن قتيبة 1981، ص611 .

[4]العسقلاني 1970، ص250 (الترجمة رقم 3666) ، وقد أشار ابن حجر إلى أن ابن عساكر ذكره في تاريخه ، وأورد كذلك : وقال أبو نعيم في كتاب طبقات الخطباءكان سحبان خطيب العرب غير مدافع ، وكان إذا خطب لم يعد حرفًا ، ولم يتلعثم ، ولم يتوقف ، ولم يفكر ، بل كان يسيل سيلاً . ولقد أشار عبد القادر بدران (ت . 1927م) – مهذب تاريخ دمشق لابن عسكار أن الحافظ على أن  ترجمته مشهورة جدًا (العسكري 1979، ص67). أما كتاب طبقات الخطباء لأبي نعيم فلم يرد في مصنفات المؤلفات المختلفة : (حاجي خليفة، طاش كبرى زادة ، سركيس...)

[5] - 674م وقد أورد (ابن الجوزي 1992،ص283)، إن وفاته كانت في حوادث سنة 55 هـ ، أما (الشريشي 1952، ص86)، فيضيف لنا معلومات أخرى :انه أول من آمن بالبعث بالجاهلية ، وأول من توكأ على عصا، وكان عمره مائة وثمانين سنة . جدير بالذكر انه لم تُذكر تفاصيل عن حياته في مادة سحبان وائل في الموسوعة الإسلامية E.I 2) ).

[6] - هنالك رجالات وردت أسماؤهم مضافة إلى أسماء وأشياء مختلفة ، نحو : سحبان وائل ، كليب وائل ، حاتم طييء ، زيد الخيل ، عروة الصعاليك ... الخ(الثعالبي 1985،ص96).

[7] - علي  1976، ج4 ، ص339. انظر شجرة النسب في (مؤنس 1987،ص13)، والترتيب من الأعلى :

نزار- > مضر - > قيس عيلان - > سعد - > أعصر (منبه) - > مالك- > (وهو باهلة )- > معن - > وائل . ويرى ابن عساكر أن باهلة هي امرأة مالك بن أعصر ( ابن عساكر  1979 ، ص67).

[8] - الجاحظ 1969 ، ص359.

[9] - ابن خلكان (د.ت)، ص90.

[10] - ن.م،ص91.

[11] - المبرد (د.ت) ، ج3 ، ص14 ، أما قتيبة بن مسلم الباهلي (49-96هـ)، فقد كانت له فتوحات كثيرة في المشرق ،  وقد قتل إبان عهد سليمان  بن عبد الملك سنة ستة وتسعين.( وقيل سبع وتسعين- انظر : ابن خلكان (د.ت) ، ج ج4، ص88).

[12] - ابن عبد ربه 1965،ج2،ص240.

[13] - الجاحظ 1985 ، ص14 ؛ ويوضح الجاحظ المعنى بقوله : لان السؤوم لا يصبر، وإنما التفاضل في الصبر ، والمحزم صعب لا يعرف ما يراد منه، وليس الحزم إلا في التجاربومن هذه الجملة الأخيرة يدخل الجاحظ صلب الحكمة الأولى التي لم يشر إليها باعتبارها قولاً منسوبًا إلى سحبان.

[14] - انظر (الزبيدي 1306هـ) – مادة سحب ج1 ، 294؛ (البغدادي 1989 ، ج10 ، ص370)، (الزمخشري 1977، ص28)؛ (الميداني 1955 ، ص249) – وهناك رواية أخرى لصدر البيت هي :وقد علمت قيس عيلان أنني (الآلوسي (د.ت)، ص156). ويذكر (الشريشي 1952 ، ص 86 )، أن سحبان أول من قال أما بعدحول هذه المسالة راجع البغدادي ، ن.م، ص370).

[15]- الميداني 1955 ، ص249، ويقال إن طلحة قال له : احتكم ، فانتقى سحبان فرسًا وقصرًا ومالاً (ذُكرت تفاصيل عنها ) ، فقال : طلحة : أف لك لو سألتني على قدرك لأعطيتك ......ولكن أبيت إلا  ، وفي رواية أخرى :   سألتني على قدرك وقدر قبيلتك باهلة ( الزمخشري 1977 ،ص29- ويشرح الزمخشري ذلك : لأن باهلة على خلاف العز وعلو النفس يُنسبون إلى البخل والرذالة وتنتهي الرواية بتعليق طلحة والله ما رأيت مسالة محكَّم ألام منها (الميداني م.س)؛ وينسب البيت الأخير  كذلك إلى عجلان بن سحبان، وهو ابن الخطيب المشهور( ابن قتيبة  1981 ، ص611)، وكان عجلان شاعرًا وخطيبًا ، حلو اللسان، جيد الكلام ، يجمع مع خطباته شعرًا جيداً ويضرب الأمثال ...، ( القيرواني 1969 ، ص 884) ، وذكره الجاحظ :

ومن الخطباء الشعراء عجلان بن سحبان الباهلي ( الجاحظ 1985 ، ج1 ، ص48).

[16] - ابن نباته 1964 ، ص147 ؛ صفوت 1962 ، ص 482 ، القيرواني 1969 ، ص 884 ، وقد أضاف ( الآلوسي(د.ت) ص156 )، بعد كلمة أسراركم جملة أخرى هي : وأخرجوا إلى الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ؛ وعلق الشارح محمد بهجة الأثري في الحاشية : واخرجوا إلى الدنيا قلوبكم- هكذا في الأصل ، ولعل صحة العبارة : وأخرجوا حب الدنيا من قلوبكم ، وذلك ليستقم المعنى . وقد أوردها (البغدادي 1989 ، ص370 )- بقوله : ومما ورد في خطبته البليغة .. وانتهت لديه بسؤال الملائكة ما قدم ؟

[17] - الجاحظ 1985 ، ج1 ، ص348 ؛ ومن معاني الشوهاء الخطبة التي لم يُصَل على النبي فيها ( راجع مادة شوه ابن منظور 1968،ج13، ص508 )؛ ( الجاحظ 1985 ، ج2 ، ص6)، حيث يقول : ولقد عرف العرب ألقاب خطب معينة فقالوا البتراء لخطبة زياد بن أبيه و العجوزوهي خطبة لآل رقبة ، ومتى تكلموا فلا بد لهم منها أو بعضها ، و العذراء وهي خطبة قيس بن خارجة لأنه كان أبا عذرها . انظر كذلك ؛ (الآلوسي {د.ت}، ص 156). أما البتراء خطبة زياد فقد خطبها لدى دخوله البصرة سنة خمس وأربعين ، وكانتكما يرى البعض مجردة من حمد الله والصلاة على نبيه ( ابن منظور، م.س مادة بترج4 ،ص37 )؛ وانظر كذلك :(ابن عبد ربه 1965 ، ج4 ، ص110) وقد أورد رواية أخرى ذكرت أنه حمد الله فيها.

[18]- الجاحظ 1985 ، ج1 ، ص25 ؛ والشدق جمع أشدقالمفوه ذو البيان .

2- ابن قتيبة 1986 ، ص266؛ وحميد الأرقط هو حميد بن ثور أحد رجال العرب المشهورين . انظر،(السامرائي 1984، ص47) . وقد نسب هذان البيتان كذلك إلى مسكين الدارمي (البغدادي 1989، ج4،ص255). جدير بالإشارة أن سحبان كثيرًا ما يذكر ،  ويذكر مقابلاً له باقل مثلاً للعي .

[20] - الجاحظ 1985 ، ج1 ،ص6.

[21] - ن.م، ج1 ، ص339-340؛ ودغفل هو ابن حنظلة السدوسي النسابة (أنسب العرب)، قال البخاري : لا يعرف أنه أدرك النبي ، وقال أحمد : أرى أن له صحبة ، قدم على معاوية ، ثم قتلته الأزارقة .(انظر : الزبيدي (1306هـ ) ، ج7 ، ص322، مادة دغل ، وكذلك : ابن قتيبة 1981 ، ص534 . أما مكي بن سوادة فقد ذكره المزرباني في معجم الشعراء ، انظر : (السامرائي 1984، ص404).

[22] - الحموي 1922 ،ج16 ، ص98 . أما ثابت بن قرة (836-901م) ، فهو صابىء ، ولد ونشأ بحرّان ، اشتغل بالفلسفة والطب ، له مؤلفات كثيرة (الزركلي 1995، ج2 ، ص98)

[23] - الجاحظ 1969 ، ج1 ،ص39.

[24] .ابن نباته 1964 ، ص655.

[25] - من خطب معاوية التي تدل على قوة بيانه وحجته ما نجد في (ابن عبد ربه 1965، ج4، ص81- 89)؛ وقد ذكر الجاحظ : ... وكان من الخطباء معاوية ( الجاحظ 1985 ، ج1 ، ص353 ).

[26]  هذا النص مأخوذ عن ابن نباتة 1964 ، ص146 – 147)؛ وفي رواية أخرى أن سعيد بن عثمان قد وجهه (القيرواني 1969، ص 884)، ويذكر (الزمخشري1977، ص28) انه خطب في صلح بين حيين دون الإشارة إلى  الوفد الخرساني .

[27] - ذكر الجاحظ بدلاً من هذه الجملة: وأراد معاوية سحبان وائل على الكلام، وكان اقتضبه اقتضابًا، فلم ينطق حتى أتوه بمخصرة، والمقصود في معنى الجاحظ أنه ارتجله، وتكلم به من غير تهيئة، بينما يفهم من نص ابن نباتة أنه انتزع؛ ووردت الجملة ايضًا في صيغة أخرى: فلم يوجد عامة النهار، ثم اقتضب من ناحية كان فيها اقتضابًا، فدخل عليه (القيرواني 1969، ص884)؛ أما في خزانة الأدب فكانت الجملة: فطلب سحبان فأتي به ولم يرد ذكرالاقتضاب (البغدادي 1989، ج11، 71 ).

[28] - حذف موضوع العصا من (صفوت 1962، ص482).

[29]   - من عوائد الخطباء أخذ المخصرة بأيديهم فلا يخطبون إلا بالمخاصر (الآلوسي (د.ت) ،ج3، ص153)_ المخصرة هي العصا أو القضيب الذي يتخذ في  أثناء الخطابة.

[30] - أوردها الجاحظ فرطلهاأي رازها ليعلم وزنها، وفي رأيي أنها الاصوب. حيث أن ركل العصا لا يلائم مجلس الخليفة ؛ والتتمة لدى الجاحظ: فلم تعجبه حتى أتوه بمخصرة من بيته (الجاحظ 1985، ج3، ص120).

[31] - في رواية أخرى :وقال هاتوا عصاه ، فأخذها (البغدادي 1989 ،ج10 ، ص 371)؛ ووردت كذلك:

 فجاءه بعصا فلم يرضها ، فقال جيئوني بعصاي (القيرواني 1969، ص884).

[32]- في رواية أخرى : ( ... بيده أن اسكت ، فأشار سحبان بيده أن دعني ، لا تقطع على كلامي ! (ن.م)

[33]- في رواية أخرى : ونحن في صلاة يتبعها تحميد وتمجيد ، وعظة وتنبيه ، وتذكير ووعا ووعيد (ن.م) .

[34] - حكى الأصعمي قال: كان إذا خطب يسيل عرقًا ، ولا يعيد كلمة ، ولا يتوقف ، ولا يقعد حتى يفرغ

 ( البغدادي 1989 ، ج10 ،ص 371 ) . وفي مادة (sahbān wāilركز الكاتب في   E.I2 على عدم إعادة سحبان الكلمةفي خطبتهمرتين دليلاً على قوة بيانه .

[35] - هنالك من يذكر موقف الخطباء الذين كانوا حاضرين في مجلس معاوية من سحبان فهم لما رأوه خرجوا لعملهم بقصورهم عنه (الشريشي 1952 ، ص86) ؛ (ابن الجوزي 1992 ، ج5 ، ص 283 )، ولا أدري لماذا يخرجون ولا ينظرون لاستماع لفصاحةٍ وبلاغة هي مضرب المثل . غير أن البيت الذي ذكرته لمكي بن سوادة عن سحبان ( ملا حظة رقم 20 )، اتبعه المزرباني بيت أخر لابن سوادةهو وصف لما ذكر :

ترى خطباء القوم يوم ارتحاله                كأنهم الكروان أبصرن جندلاً

(السامرائي1984 ، ص 404 ).

[36] - كان رد فعل معاويةحسب الشريشيكذلك أنت (م.س).

[37]- ضيف (د.ت) ، ص66.

[38] - ن.م ، ص67.

[39] - فروخ 1981 ، ص391 ؛ ولم يذكر فروخ المصدر الذي استقى منه هذه المعلومة الهامة .

[40]ابن النديم (د.ت) ، ص170؛ وفيه يقول إن عبد الحميد كاتب مروان بن محمد ، عنه أخذ المترسلون ، ولطريقته لزموا وهو الذي سهّل البلاغة . أما إذا لم يكن سحبان يمثل اتجاهًا سياسيًا واضحًا ، فهذا من شأنه أيضًا أن يصرف الرواة عنه ، وخاصة في عصر يحاول أن يطمس آثار الأمويين.

[41] - الخطبة السياسية تتسم عادة بحرارة اللهجة لان فيها دفاعًا عن أمور دنيوية وذاتية ، وهذا يستوجب التدقيق في الأداء والانطلاق بحماسة أكثر.

[42] - إن خطبة سحبان تكرر معاني دينية سابقة ، مثلاًخطبة الرسول(ص) : أيها الناس : إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم ، وان لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ... فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ومن الحياة قبل الممات (الجاحظ 1985 ، ج1 ، ص165) ؛ (صفوت 1962 ، ج1 ، ص152 )؛ (ابن قتيبة 1986 ، ج2 ، ص213).

[43] - ابن خلكان (د.ت) ، ج4 ، ص87.

[44] - ابن عبد ربه 1965 ، ج4، ص49.

[45] - المبرد (د.ت) ، ج2 ، ص11.

[46] - الجاحظ 1985 ، ج1 ، ص346.

[47] - ن.م . ص20 ، ابن القريّة هو أيوب بن زيد ، كان أعرابيًا أميًا ، ويعد من الخطباء المشهورين ، قتله الحجاج سنة 84هـــ (ابن قتيبة  1986 ،ص 598) ؛ بينما يرى صاحب الأغاني أن ثلاثة أشخاص شاعت أخبارهم واشتهرت ، ولا حقيقة لهم ولا وجود في الدنيا ، وهم : مجنون ليلى وابن القرية وابن أبي العقب (الاصفهاني 1963 ، ج2 ، ص11). وهم: مجنون ليلى وابن القرية وابن أبي العقب (الاصفهاني 1963 ، ج2 ، ص11).

[48] العسقلاني 1970 ، ص250 ، وفي رواية أخرى إذا خطب لم يعد حرفُا، ولم يتوقف، ولم يتحبس، ولم يفكر في استنباط، وكان يسيل عرقًا كأنه آذيّ بحر.. ولا سأل عن أي جنس من الكلام كان يخطب فيه (القيرواني 1969،ص884).

[49] - م.س. وكذلك (البغدادي 1989 ، ج 10 ،ص 371)؛ (الآلوسي {د.ت}، ص156).

[50] - م.س . وكذلك (البغدادي  1989 ، ج10 ، ص371) ؛(الآلوسي {د.ت} ، ص156).

[51] - القيرواني 1969 ، ص884 ، استمرت الخطبة بين صلاة الظهر وصلاة العصر ، لكن الموسوعة الإسلامية تجعلها مدة نصف يوم (sahban wail) article :E.I2.

[52]-الجاحظ 1985 ، ج1 ، ص352.

[53] - ن.م،ص331، أما داود بن علي فهو من بني هاشم كان واليًا على الكوفة من قبل السفاح .

[54] - الميداني ، ج1 ، ص218 ؛ انظر كذلك مواد أخرى نحو أفتك ، أخف ، أمنع...

[55]جدير بالذكر هنا أن قتيبة بن مسلم استعمل في إحدى  خطبه: ما رأيت عظيم الكِبر صاحب حرب إلا كان منكوبًا فلا والله حتى يكون عدوه عنده وخصمه فيما تغلب عليه أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق، وأشد إقدامًا من الأسد، وأوثب من الفهد، وأحقد من الجمل، وأروغ من الثعلب، وأغدر من ذئب، وأسخى من لافظة، وأشح من صبي، وأجمع من ذرة، وأحرس من كلب، وأصبر من ضب.. (صفوت 1962،ج2 ، ص313 نقلاً عن جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، ج1، ص117) -  إن مثل هذا الاستعمال لأفعال التفضيل جزء من روح العصر، ولا يخفى من الاقتباس ولع قتيبة بهذه الصيغة.

 

 

[56] - حسين ( د.ت) ، ص374.

[57] - بلاشير 1956 ، ص 183-184 .

[58] - القالي (د.ت)، ج1،ص 250، يذكر القالي أن هذه الرواية رواها أبو بكر الأنباري عن عبد الرحمن بن حسان. وقد وردت رواية أخرى على النحو التالي: خطبة لأعرابي: أما بعد، فإن الدنيا دار بلاء ،والآخرة دار بقاء، فخذوا أيها الناس لمقركم من ممركم، ولا تهتكوا أستاركم ، ففي الدنيا أحييتم ، ولغيرها خلقتم. أقول قولي هذا وأستغفر الله، والمدعو له الخليفة ، ثم الأمير جعفر بن سليمان ( ابن قتيبة 1986، ج1 ، ص 275 ). أما رواية ابن عبد ربه فهي عن الأصمعي ، وفيها إضافة: ...ولغيرها  خلقتم، اليوم عمل بلا حساب، وغدًا حساب بلا عمل ، ثم يسترسل النص كما أورد القاليأعلاه- ، لكن الختام لديه هو أقول قولي هذا والمحمود الله ، والمصلى عليه محمد ، والمدعو له الخليفة ثم أمامكم جعفر ، قوموا إلى صلاتكم (ابن عبد ربه 1965،ج4 ، ص108). وقد روي عن الأصمعي كذلك: خطبنا أعرابي بالبادية فحمد الله واستغفره ، ووحده وصلى على نبيه..  فأبلغ في إيجاز ثم قال: أيها الناس إن الدنيا دار بلاغ.. في الدنيا ولدتم ولغيرها خلقتم وختمها والمصلى عليه رسول الله، والمدعو( الخليفة أبو جعفر المنصور)، والأمير جعفر بن سليمان ( المبرد 1997 ، ج4 ، ص360 )، وكان المنصور قد ولى ابن عمه ، جعفر بن سليمان المدينة المنورة ، سنة146هـ .

[59] - ابن أبي الحديد1967 ، ج11 ، ص 4 ؛ فقد ورد في النص ففيها اختبرتم بدلاً من ففيها حييتم ، وانتهت الخطبة بالقول : فقدموا بعضًا يكن لكم قرضًا ، ولا تخلفوا كلا فيكون فرضًا عليكم .

[60]- الشريف الرضي (د.ت) ، ج2 ، ص183 ؛ ومن الجدير ذكره أن لعلي خطبة أخرى يرد فيها الدنيا ممر لا دار مقر (ن.م ، ص493)

[61]  انظر  الطبري 1964 ، ج6 ، ص484 ) ؛ (ابن كثير 1966 ، ج9 ، ص94 )؛ (ابن الأثير ، 1965 ، ج4 ، ص581 – وهذا ذكر الاسم سحبان فقط ) وقد أخطأ كاتب مادة سحبان في E.I2)) . إذ جعل الخطيب المخضرم (ت54هـ )، يعيش حتى عصر قتيبة ، وينسب له الأشعار في مدحه ، ولم يفطن إلى  أن هناك سحبان وائل أخر غير الذي نتحدث عنه .