موقع بيتنا

 
مقالات في بيتنا

هـَدْيُ النجمة
 دراسات وأبحاث في الأدب العربي

 عرض ونقد لرواية البحر والغضب لعدنان عباس

 الرئيسية>>

من المألوف في القراءة النقدية أن يتناول الدارس الجوانب الإيجابية في العمل الأدبي ليعرّج على الثغرات والسلبيات فيه، وتظل مسألة الموضوعيةرغم كل ذلكتتعلق بوجهة النظر التي انطلق منها الدارس أولاً وقبلاً.

لكني هنا سأشرع بصورة معاكسة لاتجاه الريح فأقول:

إنّ هذه الرواية حاشدة بالأخطاء اللغوية والإملائية والطباعية، ولا تكاد تخلو صفحة منها، وكان أحرى بمؤلفها أن يكلّف لغويًا مختصًا يحافظ على الحد الأدنى مما يجب الحفاظ عليه، بالإضافة إلى وضع علامات الترقيم أو التفقير حتى يخرج هذا النتاج على خير وجه ملائمًا وموائمًا لما فيه من أثر أدبي معبّر، رغم أنه ليس مَعبَّرًاعنه كما يجب. ومع هذا فلا إنكار لي على قدرة هذا العمل النافذة على التعبير الكلي للتجربة الإنسانية.. بل أرجو أن يترجم هذا إلى اللغة العبرية أولاً وإلى لغات أخرى،  لما فيه من مضامين إنسانية، ووصف حي لواقع معيش، لأن وكد القارئ يتركز على مجمل الأثر وحبكته، وعندها لن تعوّق الأخطاء التي أشرت إليها، بل سيجد الوصف والعرض والسرد المشوّق والمثير أحيانًا.

ورغم الهناتقلت أم كثرتأقول: لدينا ما نقرأه بتتابع وتلهف، إنها رواية، واعتبرها واحدة من ثلاث روايات فلسطينية قرأتها مؤخرًا وأحببتها: أطفال الندى لمحمد الأسعد وهو من فلسطينيي الشتات، والقرية العذراء لأحمد رفيق عوض وهو من الضفة الغربية، ويأتي هذا العمل ليكمل خط المثلث الثالث.. وليمثل معاناة العرب المقيمين في إسرائيل.

 

تلخيص الرواية:

 

الراوي ماجد شامل يركب الباص من حيفا حيثُ عاش مهجرًا إلى يافا، وهناك ولد وترعرع حتى رحيله عام 1984.

يتعرف الراوي على جارته في مقعد الباص (زينب) وتترك عنوانها بين يديه كما يترك جمالها وقعًا في نفسه.

يتوجه ماجد إلى منزل كمال صديقه، وكان هذا قد استدعاه للعمل في يافا. ويقع المنزل في شارع (60) المشهور، وهناك يعرف من زوجة كمال أن كمالا معتقل، بسبب مواقفه السياسية الرافضة لممارسات لجنة الحفاظ على الوقف الإسلامي.

وتدعو الزوجة جارها (العم أمين) ليستقبل الضيف، فيفرد له وحدة سكنية متاحة. وسرعان ما يكشف العم أمين عن طبيعة المكان -  حيثُ هنا لا نجد إلا القوادين واللصوص وغيرهم، ويستطرد في حديثه عن الريّس الذي كان يبحر وإياه على ظهر المركب، وكيف اقتحم هذا الريّس مواقع العدو، وسقط وهو قابض بندقيته، وللمفاجأة لم يكن هذا الريّس إلا (محمد شامل) والد ماجد.

ثم تبين لنا أن العم أمين يتاجر بالحشيش، وفي أحد الحوارات بينهما تحضر مجموعة خليعة إلى منزل العم أمين، وكانت زينب بينهم، ولما أن امتعض منها ومن سلوكها، لأنها هدمت الصورة المثالية التي بناها لها يوم أن تعرّف عليها في الباص فإنه فوجئ بلكمة قوية على وجهه، فما كان من ماجد (بطل نادي الملاكمة في حيفا) إلا أن يلقن المتعدي درسًا وبسرعة. لكنه يظل غاضبًا لمصير هذه الفتاة العربية العاهرة التي تعمل في تل أبيب.

تأتي زينب إلى غرفته، ويقدم لها كأسًا، وما تلبث أن تبكي بحرارة، وتسأله بصدق: هل يمكن للقذر أن يتطهر يومًا؟ يجيبها هذا يتعلق بنفسيته.. الجسد شيء ثانوي.

ويتفق وإياها على شرب نخب الصداقة، وتقوم زينب بعدها على رعاية البيت وترتيبه.

وعندما يكون هو وإيلياأحد الصيادينفي المقهى يحضر شاؤول عفرون وهو مجرم مشهور في المنطقة، وقد جاءَ هذا ليسأل عمن ضرب صديقه (حاييم) بالأمس. ويأكل شاؤول كذلك علقة أخرى يأتي على إثرها وبرغم دمائه النازفة ليصالح وليعتذر، بل يدفع ثمن الوجبة، ولينهي العداوة بصداقة مكينة.

وتحدث زينب قصتها لماجد:

إنها ولدت في قرية في الضفة الغربية، ونشأت دون أم ترعاها، وبسبب قتل أحد أخويها وجنون الآخر (وكل ذلك بسبب الاحتلال) فقد أرسلها أبوها إلى عمتها في قرية مجاورة. فتعلمت في المدرسة الثانوية وغدت مثقفة بفضل قراءات خارجية. وبعد موت أبيها تقدم لها من يطلب يدها، وكان هذا مريضًا متهالكًا ضعيف العقل والنفس، وتغدو ممرضة لعبد الهاديهذا المريضولم تستطع أن تعيش حياة توافق جمالها ونضجها، وتظل تصارع السأم حتى ظهر (زهدي)، ويخدعها هذا كما خدع (فرج) (حميدة) في رواية زقاق المدق.

وبسبب إهانتها والاعتداء عليها من ذوي عبد الهادي ألفت نفسها مع زهدي الذي غرر بها، وجعل منها في يافا عاهرة يقودها ليربح من ورائها كشأنه مع أخريات، وها هي بعد أن تعرفت على ماجد تحاول صادقة أن تتطهر.

ويعمل ماجد في البحر، بل يأخذ دور الريّس، ويدل على شدة فراسته ومعرفته في البحر ونوئه. ومن جهة أخرى كان يشارك كمالاً في مواقفه الوطنية في يافا وفي جنين، ويؤسس معه الجمعيات والنقابات و...

وتَعمل زينب في مصنع النسيج، ويتعرض لها زهدي ليرغمها ثانية على مواصلة المهنة لحسابه.

ويبحث ماجد عن زهدي هذا حتى وجده مع شاؤول عفرون، فعندما علم شاؤول بالقصة أوسع زهدي ضربًا ولكمًا.

وبعد غيبته ليلتين للمشاركة في الانتفاضة عاد ماجد إلى منزله، ولم تقع عينه على أثر لزينب، وتساوره الظنون، وتتكشف له الحقيقة تدريجيًا، حيث نجد زهديوكان قد أرغمها تحت تهديد المسدس أن ترافقه إلى (تل باروخ) – وقد طعنته، ونجحت في قتله، بينما ينجح وهو يلفظ أنفاسه أن يصرعها بمسدسه.

 

كيف تأتت روعة العمل الأدبي؟

هذا الاستعراض لأحداث الرواية وكأنها فيلم سينمائي يقدم لنا في الواقع صورة العمود الفقري للنص مجردًا، ولكن الروعة تتأتى في اللحم الكاسي فيما يلي:

المعرفة الدقيقة للموضوع الذي يعالجه الكاتب، فالبحر وعواصفه وأسماكه وعملية الصيد تحتاج إلى خبرة حتى يتناولها الروائي مقنعًا المتلقي، وشخصية الطروسي التي خلقها حنا مينا من خلال كتابه الشراع والعاصفة دليل بيّن على ذلك.

لقد وقف الراوي هنا أمام البحر، وخاض لجته، واستنشق أجواءه. إنه يحب البحر (انظر الصفحات 18، 36، 88، 94، 152،160) واقرأ معي أولاها على سبيل المثال، راجيًا من القارئ أن يعود إلى سائر الصفحات لما فيها من تمازج بين الراوي وبين البحر:

وأنا أراقب المحطة الأخيرة لتلك الأمواج المتلاحقة، تأتي من المدى البعيد حاملة معها حكايا لعلّ أكثرها حزينة، وقبل أن تحكيها بطريقتها الخاصة الأبدية التي لا تنتهي.

أما رحلات الصيد فقد أظهر الكاتب معرفة التفاصيل والجزئيات (انظر الصفحات 150، 154،162) وثمة ألفاظ لا أعرف معناها، واقرأ معي شيئًا من هذا الوصف:

البحر غلبني كما ترى والريح سماوي، وهذا فأل حسن والرب كريم، أما أنت يا ماجد تعال هنا. يجب أن تبقى هنا في مؤخرة المركب، وعندما يصرخ ذلك الشاب الجالس فوق الصاري بولا ارم هذا الحبل المرتبط بالغزل إلى الشاب الذي يجلس في الفلوكة.. (ص151).

ولا بدّ لي من الإشارة هنا أنّ وصف الصيد موظّف في الرواية ومرتبط بالصراع الطبقي والوجودي للراوي، بينما وصف الصيد في رواية سرايا بنت الغول -  في رأييجاءَ استعراضًا للتجربة / للمعرفة، وكأنه مونتاج ملصق في النص. (انظر خرافية سرايا بنت الغول لإميل حبيبي ص21 وما بعدها).

 

البعد الرمزي:

لعل جميلة هذه التي تتبدّى للراوي في مواطن متفرقة تركز إلى الوطن الضائع، إلى الحظ العاثر، (انظر الصفحات 2، 40، 41، 51، 80، 92، 158، 180).

ولأنقل لك المشهد الأول أولاً: * لكني فجأة لمحت جميلة تقف على حدود المدينة. كنتُ أعلم أنها أتت لوداعي بعيونها الخضراء، وشعرها المتناثر على جبينها وأكتافها بغير نظام، كانت ترنو إليّ بعينيها المتحجرتين الباردتين كأنّ الدموع أيضًا قد تحجرت في مقلتيها، وقدها الممشوق الجميل الذي لا يشيخ أبدًا. وأكثر ما كان يستفزني حزنها الذي يكفي لإغراق العالم بالأحزان.

إن جميلة تتمثل في الصفحات المذكورة أعلاه بأشكال مختلفة، وتنعكس نفسية الراوي وشخصيته عليها. إنها حزينة باستمرار، رائعة دائمًا، ومن الغريب أن حزنها انقلب في المشهد الأخير لها:

في تلك اللحظة الحرجة ظهرت جميلة على مقربة منا. لما تكن عيناها جامدتين كعهدي بهما، بل كانتا (مخفيتان ؟) بالدموع، ولست أدري أهي دموع الحزن أم دموع الفرح، وبعد لحظات قليلة جفت دموعها بسرعة، وأخذَ الشرر يتطاير من عينيها من شدة الغضب، أحسست أنها تريد أن تقول شيئًا، أن تصرخ.. أن تستغيث، لكن شيئًا من هذا لم يحدث.

ثم وبعد أن اشتدَ هدير البحر وأخذَت الذئاب تصرخ من شدة الألم ابتسمت جميلة، ورأيت شفتيها تنفرج تدريجيًا عن أسنان ناصعة البياض وعن ثغر يفوح منه أريج برتقال يافا (ص180).

جميلة هي رمز مثير وشاعري ويقول لنا الكثير، ويكفي أن ثغرها من برتقال يافا لتدل على البعد الوطني والتواصل الشجي.

 

 

 

البعد التاريجتماعي:

يعرفنا الراوي على أجواء يافا -  يافا التي تغيرت معالمها وأسماء شوارعها ودور السينما، يافا التي ظلّ فيها مسجد حسن بك راويًا ليحكي رواية فراق الأهل.

إننا  إزاء رواية تاريخية وثائقية أو قل اجتماعية عليها نكهة. نقرأ فيها حكاية الذين بقوا في الوطن أضيع من الأيتام، يصارعون في سبيل لقمة العيش، وحتى من خلال الرذيلة (العم أمين) هم يشربون بكثرة (إيليا مثلاً)، ويناضلون (كمال وزوجته فيما بعد) ومنهم من قضى نحبه في الدفاع عن هذا الوطن (محمد شامل).. نضال مرير وبقاء رغم كل اضطهاد وبحر غضب.

يقول الراوي: هؤلاء الناس لا تجد لديهم كبرياء، ولا عنجهية الأغنياء ولا تكلف المثقفين، يتكلمون بوضوح.. طيبون.

إنهم ينتزعون لقمة عيشهم من البحر ومن أصحاب العمل اليهود.

أما العلاقة مع اليهود في الرواية فيلخص الراوي تجربته الإنسانية تعبيرًا عن التعميم العنصري المقيت:

ليس كلهم ينظرون إلينا نظرات حقد وكراهية، بل منهم من يتعاطف معنا.. بل سترى هذه القلة القليلة هي الوجه الحقيقي للشعب اليهودي.(ص79) وقد يكون في (عفرون) هذا البلطجي الذي انقلب إلى صديق صدوق ، إلى  رمز لإمكانية التعايش بعد عداء بين شعبين.

ولعل هذا التسجيل التاريجتماعي هو الأول من نوعه في أدبنا من حيثُ إعطاء الصورة البانورامية لمدينة عربية دهتها العوادي، وتتضمن كذلك حكاية الثبات للمرابطين في الدفاع عن وجودهم، ومدى مشاركتهم لأخوتهم في الضفة والقطاع في انتفاضتهم الباسلة ماديًا ومعنويًا وحتى عمليًا.

وقد فوجئت بمدى التطابق بين الأسماء الواردة في الرواية وبين الأسماء في الواقع.

على ضوء ذلك ليعذرني القارئ إذا رجوته أن يطالع أو يتعرف على كتابي جورج لوكاتش معنى الواقعية ومعنى الواقعية المعاصرةإذا تيسر لهليعفيني من طرح نظريات تتعلق بالبعد الطبقي والبعد الواقعي، وليرى بعدها إلى أي حد وفق الكاتب في تطبيق الرؤية النظرية لدى لوكاتش.

 

الأداء الشاعري المكثف:

وهذا مما شفع للرواية أن تحصل على جواز مرور أدبي رغم الغضاضة في كل نص لا يلتزم قواعد اللغة، واقرأ معي هذه اللوحة في خطاب الراوي لمسجد حسن بك.. وسأبقي الأخطاء كما وردت:

وأنتَ يا مسجد حسن بك يا من بقيت وحدك تشهد على الجريمة، لم أنت صامت كأنك أصم أبكم؟! كان لا بدّ وأن تفعل شيئًا خيرًا من وقوفك منتصبًا كأبله مأفون؟! لطخو جدرانك برائحتهم النتنة وأنت صامت. استباحوا ساحتك لممارسة عهرهم وأنتَ صامت. تآمروا على هدمك وأنت صامت، لو أنك بنيت من مال الفقراء لأعلنتها الثورة.. أيها المسجد المنتصب، اشهد بأنني قد ضيعت طفولتي هنا. يا رمال المنشية وكل يافا اشهدوا بأنني قد ضيعت صباي هنا. أيها البحر الكبير اشهد بأنني قد ضيعت شبابي وأنا أبحث عن حياتي الحقيقية.(ص95)

 

امتلاك تعبيرية الموقف وخلاصة التجربة:

قليلة هي النصوص التي توقفك أمام جمل وخبرات تقول لك أو توحي الكثير، وبالطبع فالمؤلف الذي عارك الحياة وخبر ألوانًا من المعاناة فيها جدير بأن يجعل على ألسنة الشخصيات المختلفة ما يدعو إلى التأمل، وسأسوق نماذج:

ما أحقر الإنسان الذي يجعل من مأساة الآخرين موضع ملهاة له. (ص101)

أينما تحس بالخوف تحس بالغربة (ص79).

ليست المدينة هي البيوت والشوارع، إنما المدينة هي الناس والوطن، والذكرى التي نحبها، والأماكن التي نحب، (ص 25).

والبوليس يعرف جيدًا أنّ تجار المخدرات لا يعملون في السياسة. (ص177)

من يكن سعيدًا في حياته، لا يكتب عنها،    فقط يحياها. (ص47)

وسأكتفي بهذا القدر من بين عشرات النماذج التي تعبّر عن موقف وتتضمن تجربة، وبالتالي فهي تصب من روافد مختلفة مستقاة من وجدان المؤلف ورؤيته.

 

عودة على المآخذ

إن سرعة الأحداث أو التسارع كان أو كانت ميزة سلبية لاحظتها، وكأن المؤلف ملاحق أو مطالب بضرورة الانتهاء أو بضرورة تقليص المادة حتى تتيسر طباعتها. ففي (ص159) مثلاً نجد هذا البحث عن زينب ثم العثور على زهدي برفقة عفرون البلطجي، وعفرون هذا يوسع زهدي ضربًا ولكمًا و...و... واقرأ كذلك (ص178) وستجد أحداثًا متلاحقة يمكن أن يتناولها روائي آخر في صفحات عديدة.

ثم ما ضرورة الافتعال في قتل أمين في نهاية الرواية؟

وهل في ذلك فقط يعطي معنى التضحية الوطنية؟

وما ضرورة مصرع  زهدي وزينب معًا وكأنهما البطلان في عرس الدم للوركا؟

ومن جهة أخرى رأيت الحشو في صفحات عديدة منها هذه الصفحات الاستعراضية للتدليل على ثقافة كل من زينب (ص104,130) والراوي ماجد.