موقع بيتنا

 
مقالات في بيتنا

هـَدْيُ النجمة
 دراسات وأبحاث في الأدب العربي

 قراءة لقصة جــدار الصبــر (قطوفها دانية) بقلم : مصطفي مرار

 الرئيسية>>

أولا : القصة:

وهي كانت كذلك، يوم تسلم صك تملّكها، أقطعها، له، لص متمرّس، كان منح نفسه لقب القيّم على أملاك العدوّ هو كل من اغتصبت أرضه، وأجليَ عن وطنه.

الخواجا بنيامين يقضي نهاره، يتحسس ثمارها، ويتلمظ. حتى إذا غلبته نفسه الأمّارة بِـ.. القطف، فإنه يصفع تلك النفس، فتأمر الجسد الناحل، فينثني مبتعدًا عن الثمار الذهبية. ثم ينحني، ويلتقط ثمرة، مما ألقت به الريح تحت أمه.

يبتسم للثمرة الذابلة، يدغدغها، وهو يقول.. لنفسه، مبررًا لها شُحُ.. نفسه:

هذا برتقال، والذي يتدلى على شجرة برتقال. وكما يقول عمالنا البدو: كله عند العرب قُطّين.. والثمر المليح ينباع، وهذا ما ينباع!.

ويمتد موسم النضج والقطف أربعة أشهر، وأكثر، وينظر الخواجا بنيامين بعينيه، ويقطع قلبه، حين بعض العمال البيض الأفندية من بني جلدته، يشلخ الأغصان، ليجعلها تركع عند قدميه، فيكون أسهل عليه مرط ثمارها. وإذا أراد هذا الأفندي الأبيض أن يأكل، فإنه يفغم فمه من الحبة، ثم يلقي بها أشلاء! فلا يجد بنيامين من يرشق في وجهه سم الغيظ غير ذلك العامل الغزي، الذي ربما كان حرصه على سلامة الثمر، وجماله والشجر، أشدُ من حرص بنيامين نفسه، فالغزي يتشبث بمكان عمله، إلى حين، ولا يريد الاحتكاك بذلك النمرود الأبيض لما يعلمه من استعداده، وزمرته، للتحرش، ولإيقاع الأذى، كلما سنحت لهم الفرصة، حتى إنهم ليفتعلون الفرص للتنفيس عن حقد، أرضِعوه أطفالاً. ومالهم لا يفعلون، والفرص في عصر الحجارة لا يحدّها زمان ولا مكان!

ويريد النمرود الأبيض، الذي أرسل للعمل في البيارات بحكم قانون البطالة أن يثبت بأن هذا العمل الأسود لا يلائمه، وأنه من اختصاص عمال الشطحيم[1] دون غيرهم.

إن من حق هذا الجندي المسرّح أن يكون آمرًا وسيّدًا، لا يمدّ يده لتناول قشة. بل يقضي نهاره على شاطئ البحر، ويسهر ليلـه في الملاهي، فهو، الضمان الوحيد الباقي للحفاظ على ما تحقق من الحلم القومي، ومن ثم المضي في إتمام ما بدأه الآباء، البناة الأولون.

وقبل هذا وذاك، فإن الغزي حين هو يتعامل مع أشجار البيارة وأثمارها، فإنه يتمثل صورة صاحبها أبو إبراهيم الذي انتزعت منه، وانتزع منها، ولما يَطعَم بواكير ثمارها.

وهي، البيارة، ما زالت على مدى عشرين عامًا، تؤتي أُكُلها ذهبًا وعسلاً. بينما اليد التي حرثت، وزرعت، وتعهدت، ترقد هامدة إلى جوار الجسد المسجّي فوق الحصير، في كوخ متهدم، عند أطراف المخيم. وليس ما يشير إلى وجود الحياة في الجسد الهامد، سوى عينين جاحظتين.

بعد صلاة الفجر، وحين العامل الغزي حميدي يغادر كوخه، نادته أم إبراهيم من فوق الجدار الذي يفصل بين الكوخين:

حميدي! حميدي، يا ولدي!

لبيك، أم إبراهيم! خير إن شاء الله؟!

توقف حميدي وكرّ عائدًا.. لم ينتظر حتى تفتح له أم إبراهيم فهو دفع الباب، وهتف في قلق:

خير إن شاء الله! كيف حال أبي إبراهيم؟!

هو بخير يا ولدي. تفضل ادخل. إنه يدعوك إليه، لن يؤخرك كثيرًا.

اقترب حميدي من فراش الرجل الذي كان يومًا بطل القفز على النبّوت، وسيد من ضرب المورة والذي كان يقعر، في اليوم الواحد، خمسين جورة[2].

ركع إلى جوار الفراش، واحتضن اليد الهامدة:

لبيك، يا أبا إبراهيم. تفضل، ومرني بما تريد.

معذرة، يا ولدي.. لا أريد أن أطيل عليك، حميدي، يا ولدي.. أوصيك، بالبيارة، خيرًا.. إلى أن أعود إليها، ولا بد يومًا أن أعود.. فإنني أتمنى عليك أن تأتيني بحبتين من ثمارها كل يوم، حبة من كل شجرة، إلى أن ينتهي الموسم، فأكون قد طعمت كل ثمارها، أنا وهذه المرأة الصابرة.. لا تبك، يا ولدي.. لا تبك يا حميدي.. الدموع تخيفني.. لأنها سلاح العاجز.. بل إنها ليست سلاحًا على الإطلاق، ولسنا بعاجزين.. انظر! انظر!! إنني، أنا.. أنا لا ابكي!

وأدار الرجل القوي وجهه إلى الحائط..

قبّل حميدي اليد الميتة، وسجّاها إلى جوار الجسد الهامد.. وقبل أن يبلغ الباب، بلغه صوت أبي إبراهيم واضحًا، واثقًا، قويًا.. ولعله كان مدويًا، فقد خيل إلى حميدي أن صدى ذلك الصوت يطبق عليه، بل يخرج عليه من الأزقة، فيحمله إلى هنالك، إلى البيارة:

حميدي، يا ولدي! ابدأ بالشجرات عند جدار الصّبر[3]، تلك البقعة التي كانت مصلاّي ومرقدي، يوم كانت الأرض مخضرة بالمقاثي.. لا تبطئ في العودة!.

الخواجا بنيامين ينفجر في وجه العمال الغزي، كلما لمس تمردًا من النمرود الأبيض، الجندي المسرّح:

خميدي! انت خمور[4]. لماذا لم تلقن ذلك الشاب الأشقر أصول الشغل؟

ويتساءل حميدي:

ولكن يا خواجا بنيامين هذا جندي. ومن أنا حتى أصدر الأوامر إلى الجنود؟

أنت معلم قطيف.

أخشى أن قلت له اقطع. أن يقطع رقبتي!

ولماذا؟

وهل يفعل غير ذلك؟! اليوم يا معلمي كانت يدي تطبق على حبة برتقال صغيرة، فأوقفني وصرخ: وجهك إلى الحائط! ماذا تخبئ في يدك؟!. وفتحت يدي، فسقطت الثمرة.. قد خالها الجندي الهمام حجرًا!

هزّ  بنيامين رأسه:

اسكت عزّاتي[5]! أنا لازم بقرا جريده!

وسكت العزاتي حميدي. وتوجه إلى الشجرات عند جدار الصبر - تلك البقعة التي كانت قبل زراعتها بأشجار البرتقال، مصلى أبي إبراهيم ومرقده، يوم كانت الأرض مخضرّة بالمقاثي.

وقف أمام البقعة المباركة مشدوهًا حائرًا.

الأشجار، كلها، مثقلة بالثمار الذهبية. وكل برتقاله تغار من أختها. وكلها تدعوه أن يقطفها، ويحملها إلى المخيم، إلى جاره أبي إبراهيم. وحميدي يحب البيارة كلها، ولا يطيق أن تزعل منه واحدة من أشجارها، فهو اخترق البقعة المباركة، حتى إذا توسطها، أغمض عينيه، وراح يدور بين الأشجار على غير هدى، ثم مد يده فقطف حبة عن يمينه، وأخرى عن شماله. وفتح عينيه، وعرف الشجرتين، فجعل لكل منهما علامة على جذعها، قال وكأنه يخاطب كافة الأشجار:

في المرة القادمة، لن تكون قُرعة.

وأسكن الحبتين جيبه الكبير، بلطف وحنان، كي يسلمها إلى صاحبهما، دون خدوش أو رضوض.

وفي عودته إلى التخشيبة، كان الخواجا ما زال ينظر في الجريدة. وإذ أحسّ اقتراب حميدي ناداه:

هالو عزّاتي!

نعم، يا معلم.

تعال بِشوف.. تعال اقرأ!

هرول العزاتي لـِ يشوف،  لكنه توقف قبل أن يبلغ مجلس الخواجا، فقد ذكر أنه لا يعرف لغة المعلم، فبادره هذا:

اقترب.. انظر!

انحنى حميدي :

نعم.

رفع الخواجا رأسه، ونظر في وجه حميدي بعينين حالت زرقتهما إلى لون الرماد:

عَمَى، يعمي قلبك! اقرأ.. أنت مش بشوف؟!

يا معلمي، أنا ما بعرف عبراني.

نفخ الخواجا في الهواء.. وقال ساخرًا:

يا سلام! عشرون عامًا، نعلمكم، ونشغّلكم، ونطعمكم وما بتعرفوا عبراني؟! صحيح، زي ما بقولوا: عربيم، أين سيخل[6].

وقف حميدي لحظة يتفجر.

كانت يده ما زالت تقبض على المقص الذي قطف الحبتين.. ضغطت عليه.. عصرَته..

كان الخواجا قد عاد إلى صحيفته.

رفع حميدي مقصه إلى ما فوق رأسه.. وقبل أن يهوي به على عنق الرجل، ذكر أبا إبراهيم، الذي ينتظر الثمرتين الذهبيتين..

أعاد المقص إلى حزامه، ومضى نحو التخشيبة..

الخواجا يطوي الصحيفة. وهو ذا يتابع تحرّك حميدي حين هو يتجه إلى التخشيبة.

كان طرف معطفه متهدلاً، يشده ثقل البرتقالتين، فصرخ الخواجا:

عزّاتي! ما هذا الذي يثقل جيبك؟

توقف حميدي ولم يستدر، وقال في تحدّ:

هذا برتقال.. أحسن حبتين، عن أحسن شجرتين في البيارة!

أنت خرامي!

صرخ الخواجا.. فانثنى حميدي وخطا نحوه خطوتين.. لكنه، مرة أخرى، تذكر أبا إبراهيم، فتوقف، وتساءل من بين أسنانه:

من فينا الحرامي، يا أولاد الحرامي؟! ملعون أبوكم، على أبو شغلكم، على اللي كان سببكم.. خُذ!

وألقى إليه بالمقص، وحقيبة القطف، ومفتاح التخشيبة. وهتف وهو يُخرج الحبّتين من جيبه، ويرفعهما في وجه بنيامين:

أما هذه، فلا! وطُقّ وافقع.. إن صاحبها أحقّ منك بها.

وإذ بلغ حميدي المدخل الوحيد للمخيم، فإن الدنيا لم تكن تَسَعه من الفرح، لم يصدق أنه اجتاز محسوم إيرز[7] لكنه لم يكد يخطو داخل زقاق المؤدي إلى كوخه، حتى توقف، وكأن عشرة من الجنود يتعلقون بحذائه، كان هناك عند باب أبي إبراهيم، جمع من أهالي المخيم.. مدّ يده إلى جيبه.. إلى حيث ترقد البرتقالتين. واندفع، حتى بلغ الباب، فاخترق الجمع، ودخل على أبي إبراهيم..

كانوا قد فرغوا من تجهيزه، وينتظرون بقية الأهل والجيران.. انحنى على الجثمان المسافر، دسّ يده داخل الكفن، ووضع في الكف الدافئة إحدى الحبتين، وأعاد الكفن إلى حاله. ثم رفع رأسه إلى أم إبراهيم، ومدّ إليها يده بالحبة الثانية، وهو يقول:وهذه لك يا أم إبراهيم.. فاختطفها منها أحد أحفادها.. ابتسم له حميدي وقال:

هي لك، يا ولدي. والبيارة إن شاء الله.. إنها من بيارتكم.. وهي أحسن الثمار.. والله، لكأني بجدك هذا، يفضل برتقالته، التي في يده، على كل ثمار الجنة.

 

قراءة القصة

تعتبر قصة جدار الصبر لمصطفى مرار (من مجموعة القطاريز، سلسلة الثقافة، 1994،ص75) قصة نضالية مقاومة، وهي تعّبر عن عمق انتماء كاتبها لقضيته- الأمر الذي يشي بالغبن الذي كان قد مسّ الكاتب في فترة سبقت، فلننصف!

-------------

يحدثنا الراوي عن البيارة التي كانت لأبي إبراهيم فأصبحت بظلم ظالم مُلكًا للخواجا بنيامين.

يعمل في البيارة حميدي- شاب غزّي، ويعمل معه بعض الجنود من اليهود  المسرحين الذين ألحقتهم قوانين العمل والبطالة بهذا العمل، إنهم يشلخون الأغصان ليسهل عليهم قطف الثمار، ويفغمون قليلا من الحبة، ثم يلقونها، وبذلك فهم يستهينون بالأرض وثمارها، لأنهم متنعمون لا يهمهم إلا حياة الشواطئ والملاهي. ومن تصرفهم هذا يغتاظ بنيامين بسبب بخله الشديد، بينما يصعب الأمر على حميدي لأنه حريص على سلامة الثمر وجماله وعلى الشجر وسلامته؛ فحميدي يتمثل صورة أبي إبراهيم- صاحب البيارة، وهو جاره في المخيم- حيث زرع البيارة قبيل طرده من  بلده، ولما يطعم منها. وأبو إبراهيم هذا قد غدا اليوم جسدًا هامدًا ليس فيه سوى عينين جاحظتين.

يُدعى حميدي لكوخ أبي إبراهيم، فيوصيه هذا أن يقطف له كل يوم حبتين من شجرتين مختلفتين- واحده له وأخرى لزوجته الصابرة. إنه يطمح أن يذوق ثمار كل أشجارها. يبكي حميدي، ويبكي الشيخ رغم جَلَده.

وتدخلنا القصة جوًا أسطوريًا فيتخيل حميدي أن أبا إبراهيم يطالبه بأن يبدأ قطف الحب من جهة جدار الصبر- حيث كان صاحب الأرض يصلي ويَـقيل. يختار حميدي عشوائيًا جبتين سليمتين، بعد أن ناجى الأشجار مناجاة رهيفة. ثم يدعوه الخواجا بنيامين ليقرأ خبرًا ما في الصحيفة العبرية، ولكنه يعتذر لعدم إتقانه اللغة، فيهينه الخواجا على ذلك عرب بدون عقل.

يحاول حميدي أن يثأر لكرامته، لكنه تذكر الحبتين ووجوب تقديمهما لصاحبهما الحقيقي.. وفي أثناء رجوعه اكتشف الخواجا الحبتين، فيتهمه بالسرقة. ومرة أخرى يحاول أن يثأر لكرامته، لكن البرتقالتين حالتا دون ذلك، وكان مكتفيًا بالتنفيس عن غضبه:

من فينا الحرامي يا أولاد الحرام..

ويغضب حميدي، فيتنازل عن العمل المهين، ويقدم له أدوات العمل، ولكنه يتحداه بالبرتقالتين، فيرفعهما في وجه الخواجة:

طق وافقع.. صاحبها أحق منك

يصل حميدي إلى المخيم، إلى الجسد المسجّى الذي كان ينتظر الأقرباء لدفنه. يضع في اليد الدافئة حبة، ويناول الحبة الأخرى للزوجة، كان أحد الأحفاد يتلقفها، فيبتسم له حميدي ويقول له: إنها من بيارتكم.. وهي أحسن الثمار، والله لكأني بجدك هذا يفضل برتقالته التي في يده على كل ثمار الجنة.

--------------

لغة القصة

النص الأدبي أولاً لغة، المهم فيه كيف نقول غير غافلين ماذا نقول،  فلنشرع في رحلتنا مع لغة النص.

تبدأ القصة بالآية الكريمة (قطوفها دانية) –الحاقة23-.

يتساءل القارئ الضمني: هنا آية فما علاقتها بالقصة؟

هل يتحدث النص عن الجنة؟

نظرة إلى القصة كلها سنجد أنّ هذه الفاتحة للقصة استقدام لخاتمتها: والله لكأني بجدك هذا يفضل برتقالته التي في يده على كل ثمار الجنة. إنه مبنى قصصي مقلوب (INVERTED STRUCTURE).

لندخل إلى القصة بمجمل الخزين المعرفي الذي يُكوِن القارئ النموذجي والعاديعلى السواء- قد حصله، والذي يتصوره إمبرتو إيكو[8] في حال الإمكان لدى القارئكلما حثته النصوص على تأويلها وشرحها.

لندخل مسار الأحداث المترابط أو المطرد، عندها سنباشر الألفاظ،  وندقق في معانيها، ونوفق بين ظاهر النص وباطنه، وبعدها سنصل إلى مرسلة النص.

راوي القصة هو العليم بكل شيء (Omniscient narrator)، والسرد بلغته الملحمية(epic)  لا لغة الراوية البطل (Protogonist narrator).

إنّ الراوي يعلم كيف حصل بنيامين على الأرض، ويعرف كيف يبخل هذا على نفسه، يعرف كيف يتصرف العمال الجنود، ويعرف أحوال عائلة أبي إبراهيم، يعرف كيف اختار حميدي البرتقالتين، ويعرف كيف عزم حميدي على الانتقام، وما الذي دعاه إلى أن يحجم. يعرف كيف عاد إلى المخيم ليحمل الحبتين. حبة للتشبث حتى الموت، وحبة لليد حتى يظل يرنو للبقاء والتواصل والحلم.

 

الكاتب هومن وراء الراوي:

يشحن الكاتب الراوي بالكثير من مواقف الرفض والسخرية، إنه هنا يتدخل أو يقحم نفسه بالمعنى الإيجابي والفنيحسب رأيييعلق السرد على التعبير القيم على أملاك الغائبين و العدو هو كل من اغتصبت أرضه وأُجلي عن وطنه، ولنقرأ عن بنيامين أنه يرى العمال البيض الأفندية من بني جلدته.

هنا نجد موقف الكاتب الذي يرى مظاهر العبودية تسلط على أبناء جلدته فيستخدم تعبير النمرود الأبيض أكثر من مرة للدلالة على الجندي المتغطرس. الكاتبولا أقول الراوييعرف: أنهم حاقدون يفتعلون الفرص للتنفيس عن حقد أرضعوه أطفالاً. ومالهم لا يفعلون والفرص في عصر الحجارة لا يحدها زمان  ولا مكان.

الكاتب يشحن الراوي ويزوده بطاقةملاحظاته:

إن من حق هذا الجندي المسرّح أن يكون آمرًا وسيدًا لا يمد يده لتناول قشّة.. فهو هو الضمان الوحيد الباقي للحفاظ على ما يحقق من الحلم القوي، ومن ثم المضي في إتمام ما بدأه الآباء البناة الأولون. الكاتب يتقمص الشخصية الأقوال والمواقف التي ينبذها ويرفضها ويتألم من تكرارها، وهذه الجمل التي تبدو تقريرية هي التي تُوظّف بصورة حية ودينامية في النص، فلو قرأنا أقطعها له لص متمرس.. فإننا نجد في الوصف لص متمرس تعبيرًا عن موقف فيه معاناة شخصية، فيه شتيمة تنطلق من أعماق الكاتب.

يقتحم الكاتب عالم الراوي نفسه فيعرفه أنّ البيارة كانت على مدى عشرين عامًا تؤتي أكلها ذهبًا وعسلاً، بينما اليد التي حرثت وزرعت وتعهدت ترقد هامدة. ولعل القول الغاضب: من فينا الحرامي؟ يا أولاد الحرام.. ملعون أبوكم على أبو اللي كان سببكم.. فيه شحن شحنه الكاتب للراوي فعبأه بالأشجان والغضب، والأمر ينسحب على تحدي حميدي: طق وموت ! كما ينسحب على موقف المفاضلة بين ثمر البيارة وثمر الجنة.

 

مرايا النص

أقصد في المرايا ما تنعكس فيه اللغات من تباينات مختلفة لأوجه متعددة نستشفها من وراء النص، وهذه المرايا تعكس الواحدة على الأخرى دلالات معرفية واستيحائية من غير إلغاء، ولا إغلاق على الصعيد الرؤيوي. وإليك بعض هذه المرايا التي استجليناها:

 

أ ـ مرآة النص التراثي

تشير فاتحة النص إلى آية، وهي تناص على حد تعبير جوليا كريستيفا، والتناص يوحي لنا  بكون هذه الأرض جنة، فيستخدم الكاتب تعبير النفس الأمارة بـ.. القطف فيكسر مألوفية، أولاً في مبنى الآية (يوسف،53) وثانيًا، باعتبار القطف سوءًا، وخاصة إذا عمد إليه غير صاحبه أو غير أهله.

وفي السرد نرى تصرف بنيامين وهو يحرم نفسه من الثمر طمعًا في بيعه: يقول لها مبررًا شح نفسه.. وهذا القول يستدعي ما ورد في القرآن {ومن يوقَ شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} الأحزاب، 16، ولكن أي فلاح هنا سوى كسب مادي سرعان ما يفنى. والحديث عن البقعة المباركة فيه ما يعيدنا إلى قوله تعالى: {..تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها..}الأنبياء،81 إنها مصلى أبي إبراهيمعلى غرار مقام إبراهيموهو تحويل إجرائي للمعنى الجديد. يضاف إلى ذلك تعبير الصابرة وصفًا لأم إبراهيم، وهو وصف مترسخ بالمفاهيم الدينية التي تجزي الصابرين صدقهم. بل إنّ حميدي كان يسير في البيارة على غير هدى والتعبير قرآني (القصص،57) و الهدى تعبير ديني أصلاً نقله النص إلى معنى العشوائية في الانتقاء.[9]

 

ب ـ الموقف المتهكم

لا نقع في القصة على موقف تهكمي في معرض الحديث عن عائلة أبي إبراهيم، أو في علاقة حميدي بنفسه أو بالأرض. وإنما نجد ذلك في العلاقة مع الآخر، فبنيامين يبتسم للثمرة ويدغدغها، يصف ذلك السارد بنوع من التشفي لأنه يحرم نفسه من الثمرات السليمة، وعندما يسأل أحد الجنود حميدي: ماذا في يدك؟ خالها الجندي الهمام حجرًا فكلمة (الهمام) لها دلالة عميقة تعبّر عن طريقة النظر إلى الآخر، وكأنه يقولها واضحة النذل أو الجبان.

يقول بنيامين اسكت عزّاتي أنا لازم بِقرا جريدة (انتبه إلى طريقة الصياغة المعهودة من قبَل الغرباء للغة العربية)، يتابع الراوي أو من وراءه وسكت العزاتي حميدي وليست لفظة عزّاتي العبرية هنا، إلا مثيرة مستفزة يتلقاها الراوي بتهكم.

وما كاد يصل إلى الكوخ حتى توقف وكأنّ عشرة من الجنود يتعلقون بحذائه.. فالتعلق هو بالحذاء ليس إلا، وهذه كلها صور كاريكاتيرية فيها رسم للحالة الساخرة التي عكستها لغة النص.

 

 

ج ـ بناء الأسطورة

من اللقطات الفنية التي نطالعها في القصة ما تصوره حميدي أو تخيله: وقبل أن يبلغ الباب بلغه صوت أبي إبراهيم واضحًا واثقًا قويًا، ولعله كان مدويًا، فقد خيل إلى حميدي أنّ صدى ذلك الصوت يطلق عليه، بل يخرج عليه من كل الأزقة، فيحمله إلى هناكإلى البيارة. قد تكون العودة إلى البيارة تخييلاً وإيهامًا (باعتبار أنّ أبا إبراهيم كان ساعتها يحتضر)، وقد تكون حقيقة. وأيًّا كانت فالزمن في تمديده أو تقليصه لا يحول دون أي معنى؛ والفكرة المحورية تصل إلىعشق الأرض، واستمرار الخلف لنهج السلف في تشبثهم بالأرض والوطن. وفي وصف طريقة اختيار حبّتي البرتقال ما يبعث على هذا الجو الغرائبي ولو في طريقة مناجاة رومانسية:

أغمض عينيه وراح يدور بين الأشجار على غير هدى، ثم مدّ يد، فقطف حبّة عن يمينه وأخرى عن شماله[10] ، وفتح عينيه، فعرف الشجرتين، فيجعل لكل منهما علامة على جذعها.

 

د. ملء  الفراغ أو الفجوة:

يتحدث النقاد الغربيون الجدد من ياوس وآيزر وبارت وغيرهم عن مقومات التلقي واستعداد القارئ لمواصلة بناء النص. ولعل مصطلحات الإزاحة وملء الفراغات من أكثر المصطلحات المترددة. فملء الفراغات هو تفعيل للقارئ بالمشاركة.. إنه استمرار تخيّلي للمبنى المصوغ؛ وقد لاحظت استخدام النص له في كثير من جمله، منها:

يوصي أبو إبراهيم حميدي ويقول له لا تبك يا ولدي، وهنا نستنتج أنه كان يبكي، ونستنتج كذلك أنّ العامل يتعاطف مع جاره. يواصل أبو إبراهيم انظر انظر إنني أنا أنا لا أبكي، وأدارَ الرجل القوي وجهه إلى الحائط.

يبدع الكاتب في هذه اللقطة التصويرية، ويزيد من دراميتها تكرار (أنا). وفي النتيجة لم يقل إنه هوى باكيًا، وإنه ضعف بل كنى عنهاوأدار الرجل القوي وجهه إلى الحائط، وبالطبع فلفظة قوي بما فيه من مفارقة زمنية ومعنوية تحمل أكثر من معنى التعاطف.

ولننظر كيف كانت اللغة في وصف النيّة في قتل بنيامين:

كانت يده ما زالت تقبض على المقص الذي قطف به الحبتين ضغطت عليه.. عصرته وبالطبع فإنّ القارئ يدرك مدى غيظ حميدي.. وهو يملأ العبارات الناقصة بما يجعلها واضحة المؤدّى.. لماذا ضغطت يده؟ لما عصرت يده المقص؟ ويتدرج الراوي(Stair case)  في الوصف رفع المقص إلى فوق الرأس وهذا تلميحٌ أوضحُ للشروع في مبتغاه.

انثنى حميدي وخطا نحوه (نحو بنيامين) خطوتين، لكنه مرة أخرى تذكر أبا إبراهيم. خطا خطوتين تعبير يستدعي القارئ أن يواصل خطواته للوصول إلى المعنى.. وإلى السبب والنتيجة.. ولماذا تذكر أبا إبراهيم؟

إنّ القارئ هنا  مدعو لملء الفجوات.

ومن الجمل الكنائية التي تستلزم ملء الفجوات في النص:

ونظر بنيامين في وجه حميدي بعينين حالت زرقتهما إلى لون الرمادي وهذا بالطبع يوصلنا إلى شدة غضب بنيامين، وإلى أنّ له عينين زرقاوينرمز غالب للأوروبي الطارئ على الأرض، وقس على ذلك الكثير!

 

هـ ـ ملامسة الواقع:

يحوي النص موافقات واقعية فالعصر عصر الحجارةأي الانتفاضة، وأهل المخيم يعبرون من محسوم إيرز بشق النفس بعد أن يطاردهم الجنود، والجنود لا يتورعون من اصطياد الفرص للتحرش ولإيقاع الأذى. يصف الراوي أجواء المخيم:

بعد صلاة الفجر وحين العامل الغزي حميدي يغادر كوخه، نادته أم  إبراهيم من فوق الجدار الذي يفصل بين الكوخين.

تضاف إلى ذلك التعابير العبرية في مبنى النص

شطحيم، محسوم، عزاتي، معلم، قطيف واللكنة العبرية:

اسكت عزاتي أنا لازم بقرا جريدة، خمور، خرامي، أنت مش بشوف وهذه كلها تؤكد صدقية الموقف ووصف الأجواء التي تطور فيها النص.

ويبقى استخدام التحدي طق وافقع..أبلغ، لأن له لغة الانبثاق العاطفي والمعايشة اليومية وفيه تنفيس مباشر.

 

و ـ التضاد في الموقف:

لاحظ البلاغيون أنّ التضاد يرسخ المعنى، وقد لاحظت كثيرًا منها على مستوى الصورة والموقف خاصة.

إن بنيامين من جهة- يحافظ على الثمر طمعًا بالكسب، وعماله الجنود يهملون الشجر والثمر، بينما نجد من جهة أخرى، حرص أبي إبراهيمصاحب الأرضعلى تذوق ثمره وجنى يده، أمّا جاره حميدي فيحس معه بالحميمية والمشاركة الوجدانية العميقة.

حميدي يعمل عند اليهودي طلبًا لرزقه، وهو يجد المتعة في البيارة، ويراها بعيني أبي إبراهيم، بينما يظل حميدي في نظر بنيامين خادمًا  ومتنفسًا لغضبه (الغضب على العمال اليهودي الذين يعبثون بالثمر) فهذا ينكر عليه أن يأخذ برتقالتين، يهينه، ويتهمه بالسرقة.

أبو إبراهيم يبدو لنا في القصة جسدًا مسجى ضعيفًا متهاويًا، بينما كان هو نفسه في الاسترجاع (flashback)  بطلاً سيد من ضرب المورة.. والذي كان يقعر في اليوم الواحد خمسين جورة، والقصد هو أنه  يحفر حول أشجار البرتقال. وبالطبع ففي ذلك مدعاة للألم والمشاركة الوجدانية فارحموا عزيز قوم ذل.

أبو إبراهيم يتشبث بالأمل ويتفاءل بأنه سيأكل من ثمرات الأشجار كلها رغم كونه في الرمق الأخير، بينما بنيامين يأكل من الثمر الذي تحت أمه طامعًا بالكسب فهو يأكل ما لا يباع فقط. وتبقى شخصية حميدي نصيرًا للحق ذائدًا عنه، نجده في الخاتمة معلمًا وهاديًا للجيل الجديد بأن يواصل المسيرة. وحتى في الحديث عنه نجد تضادًا، فعندما يصل إلى المخيم يحس وكأنّ عشرة من الجنود يتعلقون بحذائه، ولكنه عندما يصل إلى كوخ أبي إبراهيم يكون مرفوع الرأس.

ويظل عنوان جدار الصبر دلالة حيّة على استمرارية البقاء. إنه صبر الأرض ثمرًا ومعنى، يحمل الرسوخ والتجذر والانتظار الصابر حتى الفرج.


 

1- شطحيملفظة عبرية تعنى المناطق ( المحتلة ) .

[2] الحوض الذي يملأ بماء الري، حول شجرة البرتقال.

[3] الصبّيـر.

[4] حمار.

[5] أيها الغزّي.

[6] عرب بلا عقل.

[7] حاجز التفتيش، المقام على أبواب قطاع غزة.

[8] إيكو إمبرتو: القارئ في الحكاية، ترجمة أنطون أبو زيد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1996،ص311.

[9]  هناك تحويل معنى استقاه النص من التوراة، فالأرض التي تدر حليبًا وعسلاً استخدمت هنا بمعنى فلسطيني البيارة تؤتي أكلها ذهبًا وعسلاً وبالطبع فإنّ في قوله تؤتي أكلها ما يعيدنا إلى قوله تعالى : {تؤتي أكلها كل حين بإذن الله} إبراهيم،25 والتحوير الذي طرأ على المبنى من حليب - - > ذهب فيه دلالة على المعدن الغالي  والقيمة المستمرة وإيحاء بالثراء المتواصل.

[10] في هذا الوصف تذكير بوصف  من عالم الجنة { عن اليمين وعن الشمال عزين{ (سورة المعارج،37) ،  وهذا الوصف فيه معنى تساوي الموقف والحكم.

قال وكأنه يخاطب كافة الأشجار: في المرة القادمة لن تكون قرعة.

فالأسطورة التي بناها هنا كانت في لحمة النص، صنعها الكاتب حلمًا ليهرب من واقع ممضّ قاس.