موقع بيتنا

 
مقالات في بيتنا

هـَدْيُ النجمة
 دراسات وأبحاث في الأدب العربي

 قراءة في كتاب صراع المقهور مع السلطة

 الرئيسية>>

تأليف: د. رجاء نعمة*

هذا الكتاب هو دراسة في التحليل النفسي لرواية الطيب صالح- موسم الهجرة إلى الشمال، وقد أعدته الكاتبة للحصول على شهادة الدكتوراة التحليل النفسي، ثم تتناول مسألة اللاشعور- الظاهر والخفي في العمل الإبداعي- ثم التحليل النفسي للأدب بين الكاتب والنص. كل هذا بصورة نظرية تعتمد على المنظّرين الغربيين ومناهجهم، فكان منهج (مورون) موجهًا أوليًا لها في دراستها.

منهج مورون: مورون هو مؤسس المنهج الذي يسميه النقد النفسي الأدبي، حيث يبحث من خلال معطيات النفس الأدبي النسيج الموصل إلى سيرة المبدع، ومؤلف الاستعارات الهاجسية في النص أدلة تربط بين المفردات من خلال الكشف عن البنى الخفيّة لهذا النص مصحوبة بضرورة الكشف عن المعاني الخفية للاستعارات والمفردات. وهذا الكشف غير كاف ما لم يقترن بالكشف عن الحالة النفسية العامة الملازمة لها وتكرارها.

إن الاستعارات المكررة في النص الواحد يجب تتبعها والكشف عن مختلف ظواهرها. وهذه الطريقة في استخراج الثوابت من العمل الواحد أو من مجموعة الأعمال (يمكن أن نسميها موتيفات- ف.م)، يسميها مورون مطابقة النصوص- “LA superpostitions des textes.

وبعد الانتهاء من عملية مطابقة النصوص تبدأ المرحلة الثنائية من العمل وهي كشف الأسطورة الذاتية للكاتب، والمقصود بها التخييل الذي يتكرر أكثر من غيره من أعمال الكاتب .

والمرحلة الثالثة هي مقارنة النتائج بسيرة الكاتب علمًا بأن ليس ثمة ضرورة للعودةإلى معرفة هذه السيرة كما هي في واقعها.

 

مبنى الدراسة:

خصصت الكاتبة الباب الأول من دراستها للتعرف على النسيج الداخلي لموسم الهجرة إلى الشمال مستهلّة الفصل الأول منه بدراسة سيميائية الشخصية معتمدة على آراء (هامون) في وجوب اختيار وغربلة تصنيف المحاور السيمنتية- (الدلالية) التي تسمح في ما بعد بإظهار السمات الأساسية لكل شخصية على حدة.

واعتمدت الكاتبة كذلك على (تودوروف) في وجوب تنظيم عناصر القصة وتصنيفها لتحري الثوابت.

وقد تم اختيار هذه العناصر بإيحاء من النص، فوقفت الكاتبة عند معضلة الثنائية السيكولوجية في الرواية، وتناولت من ثم تداخل مستوى الحلم لمستوى الواقع في الرواية ووظيفته في كل من هذين المستويين اللذين يرجعان في تكوينهما إلى الثنائية السيكولوجية المذكورة.

وخصصت الباب الثاني للبحث عن هوية الصراع الأساسي في موسم الهجرة.. وتبيان وحدته، وهذا الصراع- كما نراه- هو صراع من النظام القائم (السلطة)، وقد اتخذ مظاهر اختلفت باختلاف الشخصيات الرئيسية (الراوي، مصطفى سعيد وحسنة بنت محمود). وحللت الكاتبة معضلة مصطفى الثقافية وتوقفت أمام نرجسيته، وأبانت مظاهرها وعلاقتها بقتل (جين)، وانتحاره فيما بعد وذلك على ضوء الدراسات التحليلية النفسية.

وقد أفادت الكاتبة من الدراسات الحديثة في السردية فوازنت بين ظاهرة التثبت (من خلال السردية في استعمالها الزمن الماضي)، وعلاقتها بتكوينه النفسي..

وترى الباحثة أن الراوي مأزوم وذلك بعد تركيزها على أسلوب السرد المباشر وغير المباشر في كلامه، وكذلك بعد بحثها مسألة التوقيت السردي ودلالاته. وأخيرا وقفت الباحثة على أزمة حسنة وصراعها المستحيل مع النظام المستتب في القرية، وبيّنت أن مأساتها في النهاية كانت حتمية في تطورها.

والجديد في هذه الدراسة هو لاستخدام المنهج البنيوي ضمن منهج التحليل نفسي (علما أن الكاتبة لم تستعمل المصطلح - البنيوي- ضمن دراساتها).

ذلك لأن عناصر اللغة تنتظم وتتشابك، تتماثل وتتناظر، تكتمل بالضد أو تتصارع معه، كل ذلك في تشكيلات ثنائية متحركة تصل إلى الاتزان والسكون.

لقد أبرزت الكاتبة أن العلاقة الثنائية الأساسية في هذا الكتاب هي الراوي/مصطفى، وليست مصطفى/ جين. فعلاقة الراوي بمصطفى أدت إلى تفجير صراعات لها امتدادات وتشابكات معقدة ليس فقط في الأبعاد الزمنية الثلاثة، بل في ألانظمة النفسية الثلاثة أيضًا. وقد كانت للراوي رغبة جامحة في التمايز عن مصطفى والسعي للتوحد مع الذات والمصالحة النفسية. إذا فأزمة الراوي أعم واشمل من أزمة مصطفى ، فهو الذي يبني الحياة الجديدة على جسر القلق الدائم بين الماضي والمستقبل.

والجديد كذلك أن الكاتبة أفادت من مناهج نقدية عديدة من غير ان تلتزم بأحدها، والقارئ العربي سيجد من خلال هذه المناهج نوافذ جديدة يطل منها ليتعرف عليها: على غرار مفهوم (بلما نويل)، في مساهمة القارئ في إنتاج وبلورة العالم الروائي، وتركيز(برونو بتلهايم)، على الوظيفة النفسية للقصة وآراء(جان نويل)، في وجوب قراءة النص بمعزل عن كاتبه.

وثمة ملاحظات تتعلق بطريقة كتابة المصادر لا مندوحة من ذكرها- فكتاب الطيب صالح - عبقري الرواية العربية وهو كتاب يضم بين دفتيه مجموعة مقالات جمعها أحمد سعيد محمدية تذكره الباحثة بصور مختلفة ومن غير منهجية، ولنعاين هذه المصادر الأربعة:

صبحي محيي الدين: موسم الهجرة إلى الشمال بين عطيل ومرسو صادر في كتاب الطيب صالح عبقري الرواية العربية، دار العودة، بيروت- 1976.

الجمعية النفسية السودانية: هجرة بلا موسم  مقال صدر في كتاب.. النقاش رجاء: عبقري روائية جديدة مقالة صدرت في كتاب.. وفي رأيي أن المصادر الأربعة هي في البيبليوغرافيا مصدر واحد، والأحرى أن يكتب المؤلف (جامع المجموعة): محمدية أحمد سعيد: الطيب صالح عبقري الرواية العربية، دار العودة- بيروت، 1976.

أما إذا شاءت الكاتبة ذكر اسم المقال الذي ورد في الكتاب واسم كتابه فيجب أن يسبق ذلك اسم الكتاب وبدون وضع خط تحت اسم المقال هكذا: محمدية أحمد سعيد: ( جمع وإعداد ): هجرة بلا موسم، الطيب صالح عبقري الرواية العربية، دار العودة، بيروت، 1976 .

ثم لماذا لا تكون الباحثة منهجية في توارد الأسماء في أبجديتها، فتارة توردها حسب الاسم الشخصي (الطيب، عبد الرحيم) وطورًا حسب اسم العائلة- وهو ما يجب أن يكون حسب الأصول المتبعة عالميًا.

وما هذا التكرار في المراجعة العربية:

إنجيل لوقا

الكتاب المقدس: سفر التكوين

الكتاب المقدس : سفر يونان

وكيف تجيز الباحثة لنفسها هذا التقسيم الثنائي: المراجع العربية، المراجع الأجنبية، مقحمة مجلة بالفرنسية على المصادر العربية، وكتابًا لباسكوم مترجمًا للعربية على المصادر الأجنبية؟

(إذا صح ذلك فيجب نقل الكتاب المقدس إلى المصادر الأجنبية)، إنني أرى أن المجلات والصحف يجب أن ترد بعد المراجع الأجنبية بسبب كونها تضم مراجع عربية ومترجمة وأجنبية).

وحبذا ترقيم كل مصدر حتى يسهل الحديث عن هذه المصادر، ولننظر ص 293-294، من دراستها وسنرى أن الباحثة تشير إلى نفسها بقولها: مقابلتنا مع الكاتب: مجلة العربي المعاصر، والأصح في رأيي ذكر اسمها (نعمة رجاء.. وليست الكناية تواضعًا، لاحظ أيضًا كيف قدمت لمقابلة هدى الحسني، وعرفت المصدر بأنه الطيب صالح.. وليس من أجرى المقابلة)، وعندما نستعمل المصدر مرة فيجب عدم تكراره، بل نذكر المصدر نفسه أو (ن.م.) ففي الانتقال من ص 30 - 31, 164- 165, 179- 180, وبدءا من ص 190 نرى هذا التكرار غير المبرر علما بانها تقيدت بما ندعو اليه ص 190 - مثلا: كتاب مارون تشارلز، ص12- وآنًا نجد الباحثة تنسى ذكر رقم  الصفحة (مثلا كتاب عز الدين إسماعيل الذي أشارت إليه في دراستها، ص16) .

وهناك خمس إشارات متتالية وردت هكذا :

موسم الهجرة ص165، والأصح استعمال (ن.م)، بدون تكرار رقم الصفحة (انظر مثلا هذا التكرار ص(225، 258, 276 )

ولست أدري كيف تجيز الباحثة لنفسها أن تصدر كتابًا جادًا من غير كشاف بالأسماء، ومن غير إجمال مبني على الاستنتاجات بعينها، ومن غير تلخيص بالإنجليزية أو الفرنسية أسوة بالكتب الجادة التي نترقبها موثقة ومدروسة ومعلمًا هامًا على جادة البحث المسؤول .

وأظن أنني في هذه الجملة الأخيرة قد وفيت الكاتبة حقها في اعتباري كتابها جادًا ومنهجيًا يضيء جوانب جديدة في هذه الرواية، ولعل وقفتها عند عنوان الرواية (ص70) وبيانها للثنائية فيهما ما يدل على رسوخ قدم الكاتبة في التحليل النفسي وتوصيله بالأدب بطريقة لا تخلو من الانغلاق، لكن بكثير من الجذب.


 

* نعمة رجاء: صراع المقهور مع السلطة (دراسة في التحليل النفسي لـرواية الطيب صالح- موسم الهجرة إلى الشمال ، بيروت-1986).