موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
لقاء مع د. فاروق مواسي (نائب رئيس الاتحاد الكتاب العرب) - آلام وآمال في مسيرتي الأدبية

 الرئيسية>>

التقيت الدكتور الشاعر فاروق مواسي، وبدا لي من ملامحه أن ثمة الكثير مما يحب أن يفضي به، قد يكون همًا يساوره أو تساؤلاً يعانيه، وأنا أعرفه ديناميًا وصاحب مبادرات يقيم الورش الأدبية والمنتديات الفكرية، فما باله اليوم وفي عينيه تساؤل وقلق ؟ قلت له مستفزًا:

. لقد أصدرت مؤخرًا ديوانًا جديدًا هو الخروج من النهر فهل هناك قراء حقًا للشعر في مثل ظروفنا الاقتصادية والاجتماعية هذه ؟

- أعترف بندرة القراء وقلة القراءة، فالكتاب الذي كان يطبع منه ألف نسخة صرنا نكتفي بإصدار خمسمائة، يوزع أكثرها إهداء للصحف والأصدقاء. إننا نعاني هذه الحالة وضعًا غريبًا، فلا مشتري، ولا مناقش، ولا ناقد جاد، ولا محتفي بالكتاب ولا ما يحزنون.....

. إذن أنت يائس ...هل أفهم من ذلك أنك لن تعيد الكرّة؟

- لست يائسًا، وإنما سأنشر ،  فهذا قدر أُساق إليه وأنا سعيد.

. ولكن مع ذلك هناك مجلات عربية كثيرة، وكتب محلية تصدر تباعًا بمعدل كتاب كل يومين، إذًا هناك نهضة أدبية وفكرية، وهذه النهضة لا تتحقق بدون قراء، كيف تعلل ذلك؟

- قد تحصل بعض المجلات على إعانات من هنا وهناك، وقد تخسر، وقد يستدر الموزعون جيوب القراء وعواطفهم، أنا لا أنكر أن عندنا قراء. قلت إنهم نادرون. ففي قرية مثل باقة الغربية لا تجد أكثر من عشرة قراء حقيقيين، بينما تجد أكثر من عشرين يشترون، وهذه النسبة تظل ضئيلة ،  فليس كل من اشترى قرأ، وليس كل من قرأ فهم، وليس كل من فهم ناقش، وليس كل من ناقش كتب ودوّن، هذا إذا استحق ما ناقشه التدوين.

. لكن ما هو السبب؟

- السبب الأول في نظري  لتردي مكانة الكتاب المحلي هو - كثرة الطباخين أو المتسلقين وضياع المقاييس، فالصحف كثيرة ولكل صحيفة قبيلة. ويختلط الغث بالسمين، هذا إذا كانت مادة ثمينة  أو سمينة حقًا.

      والسبب الثاني هو الكتابة المجانية، فأنا لا اعرف مكانًا آخر في العالم يكتب فيه الكتاب بالمجان- باسم التطور وخدمة المجتمع والتضحية، ونبل المقاصد وسموها وترفعها عن المال. ناسين أن هناك كتابًا حقيقيين هم بحاجة إلى دعم مادي ،  وهذا حق لهم.

. سأسألك على المستوى الشخصي أنت شاعر، ناقد، قاص، باحث، كيف تعرّف نفسك، ألا ترى في ذلك ضياعًا لتحديد هويتك الأدبية؟

- ولماذا لا أكونها جميعًا إذا نبعت من الصدق وعكست واقعًا؟ ليس المهم اسم اللون الأدبي ،  وإنما المهم هو المضمون، وأنا لم أجد أحدًا عاب جبرا إبراهيم لكونه يجمع ألوانًا عديدة، كما لم أجد أحدًا عاب المرحوم صلاح عبد الصبور أو فاضل العزاوي ..... من الطريف أن أذكر أن أحد الباحثين المحليين حدد قصيدة لي وسماهاقصة قصيرة، وحدد قصة وسماهاقصيدة. احترنا يا قرعة...

. ما الذي تجده مثبطًا في مسيرتك الشعرية؟

- يزعجني أن القصيدة الوطنية لا بد فيها من مباشرة إذا أردنا التوصيل والاستثارة والاستقطاب، ومع ذلك يأتي أحدهم ويكتب في مجلةفلسطين الثورة التي من واجبها أن تعتز بإبداعاتنا ويقول: إنه كلام عادي ولا جديد فيه هكذا بمنتهى البساطة وبأستاذية غير مقنعة وفجة لا تعرف مدى المعاناة في كتابة كل بيت وكل كلمة.

      في رأيي أن الشعر الوطني يجب أن يمازج بين المباشرة والإيحاء، ولا معنى للكلام القاتم والمبهم، إنه ضياع ومتاهة لا نخرج منها بقدر ما تتورط فيها.

ويزعجني أنني لا أستطيع نشر قصيدة الغزل بسبب ظروفنا السياسية وإراقة دمائنا يوميًا.

 ويزعجني أننا لا نعطي الأطفال شعرًا وأدبًا ،  ولدي اقتناع أن الشاعر الجيد لابد من أن يكون قادرًا على إبداع ما هو جيد للأطفال ،  وقد وجدت كتابي    إلى الآفاق - ديوان الطلاب مقصرًا  ، والقصور ليس مقصورًا علي.

.هل أنت راض عن نفسك ناقدًا في  الحركة الأدبية المحلية؟

- أنا لا أقتنع بالكثير ممن يكتب ،  وأسكت.... وهذا عيب. والصعوبة في نقدي أنني أنطلق من رؤيتي النقدية التي تواكب إبداعي وإنتاجي... وفي هذا ذاتية. حاولت أن أفهم القصيدة بمنهج خاص لي أبحث في كل مرة عن: أ- المضمون. ب- الوسائل الفنية وطريقة الأداء. ج- طريقة توظيف اللغة والألفاظ. د- الإشارات الثقافية أو التاصات  هـ- أسئلة مثارة من خلال القصيدة. فإذا ببعض الأدباء يخرجون كتابيَّ الجنى في الشعر الحديث والجنى في النثر الحديث من دوائر النقد الأدبي، لأنها تتعامل والنصوص المدرسية، ولما أن وصلت إلى بعض المعلمين رفضوا استعمال التحليل من قبل الطلاب، لأنه أعلى من مستواهم، ولأنه يجيب عن كل التساؤلات بمستوى نقدي جاد فقالوا إن الجنى جنى على العقول ...يا حرام !!!

      وبرغم ذلك أجيبك: أنني راض عن نفسي ، لأن المعلمين في قرارة النفس يعرفون كم ساهمت هذه الكتب في الرؤية النقدية للقصيدة الحديثة. وإنني أدعو صادقًا بعض المفكرين منهم  أن يحللوا القطع الأخرى التي لم أقم بتحليلها حتى أفيد أنا أيضًا  منهم كما يفيد الطلاب. فالذي يجرب يعرف معنى أن يجرب الآخر.

.نقرأ في مجلةالقنديل التي تصدر عن مؤسسةكل العرب مقالة في كل عدد تحت عنوانمن الأعماق فما الغرض منها؟

- إنها تركيز على سلبياتنا. اعتدنا دائمًا دائمًا أن نلقي بالثقل ونشير بإصبع الاتهام على السلطة. مرة واحدة علينا أن نحاسب أنفسنا. صحيح أن السلطة لابد أن يكون لها تأثير ما، ولكن أكبر اللوم هو على أنفسنا. فمن القضايا التي عالجتها: زواج البدل والجرائم العائلية التي تحدث، وحشر الأنف والتطفل وخطاباتنا على المنابر، وسباقنا للحصول على مناصب لا نستحقها .....وقس على ذلك.

إنني أتعمد  أن أكتب كل مقالة بصورة فنية تلائم المستوى الأدبي والاجتماعي معًا.

.وما رأيك في الأبحاث ومدى كتابتها؟ أين أنت منها؟

- من الصعب أن يجد الباحث موضوعًا يتحدث عنه ويغني القراء، فأنا لا أعرف من سيهتم بذي الرُّمة أو من سيشتري دراسة منهجية من شعر مدرسة الديوان.

      إنني أطمح إلى تحرير مجلة أبحاث فلسطينية تدفع لقاء كل بحث مبلغًا معقولاً ، لأنه ليس منطقيًا أن يتفرغ الباحث أيامًا وليالي ويقبض ريحًا. المبلغ سيكون ولا شك لشراء الكتب والمصادر ، ويجب ألا نقتصر علىشكرًا ،  أو يشيح أحدهم برأسه قائلا:هذا المقال لا يساوي شيئًابعد أن هلك كاتبه ....وأؤكد أنني لابد من أن أحقق ما أصبو إليه ما دامت عافيتي بخير.

. نشرت بعض القصص... وتوقفت ،  فهل لذلك سبب؟

- القصص التي سميتها قصص قصيرة جدًا فيها تركيز وتكثيف ومعاناة وفلسفة حياة، ومع هذا لم تجد هذه القصص لها صدى. تصور أن أحد الصحفيين يكتب فيالديار عن إحدى هذه القصص: هذه مقالة ويتهمني بأنني لا أعرف قواعد القصة؟! أليس هذا من المضحك المبكي ،  وخاصة من كاتب ناشئ. لقد اعتادني الجمهور شاعرًا وناقدًا واكتفى، ولا أدري إن كنت سأنشر قصصًا في وقت لاحق ،  فالأمر ليس بيدي. هناك دافع داخلي يرغمني ويقول:اكتب .....فأقوم منقادًا  ، وأحيانًٍا لا أعرف ما سيكون المولود ....قصيدة/  قصة/  مقالا؟

 

.لقد أبديت لي بعض التذمر مما نشر فيكل العرب حول الأدب فهل لك أن توضح للقراء ذلك؟

تذمرت من مقالة للأستاذ فرج سلمان وهو يسخر من الحوار لضم اتحادي الكتاب في اتحاد واحد، علما بأن مقالاته الكثيرة تدعو للوحدة، وقد أنكر علينا الحديث عن المناصب ،  وكأننا نعيش في المريخ، أو كأن هناك أي شعب لا يهمه المناصب، وأظهرَنا وكأننا صغار لا تهمنا قضية شعبنا، باختصار لقد أساء هذا المقال له أكثر من إساءته لنا، وثانيًا ساءني ما كتبه الصديق عمر الزعبي حول تكريم الشاعر الصديق سميح القاسم وكان الأمر جريمة ،  وأنا إذ أبشره أن سميحًا رفض التكريم إلا أنه يؤلمني جدًا هذا الرفض ،  فليس التكريم لشخص سميح، وإنما هو للمرحلة الأدبية التي قطعها سميح وإلى النضال والمثابرة. ....إنه تكريم لقضية شعب، وأنا أتطلع إلى اليوم الذي نكرم فيه شخصياتنا من منطلق وطني ،  وأن نعيش حياتنا بدون عقد ..وبدون لؤم.. وبدون حقد... وبدون مزايدات.

.ومع ذلك يبدو انك متفائل في أدبنا وفي شعبنا؟

نعم وأنا اسمي شعبنا هذا شعب المبادرات لقد تعودنا أن ننتج، نعمل ولا ننتظر أحدًا  ، لأن أحدًا لن يسعفنا، أقمنا المؤسسات، ألفنا الكتب، نشرنا... ونحن لا نزال نعطي. وأعدك برغم كل ما تذمرت منه أن أبقى سائرًا أعطي وأنتج. فهل اقتنعت بأنني ما زلت متفائلاً.

.الله يعطيك العافية ولك الشكر على هذا الحديث الصريح.

صحيفة  كل العرب- الناصرة- في: 4/5/1989

أجرى الحوار: عبد الرحمن مجادلة.