موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
مع د. فاروق مواسي شاعرًا وناقدًا

 الرئيسية>>

في منزله الجديد في باقة الغربية وفي مكتبته الضخمة التي يعتز بها صاحبها أيّما اعتزاز كان لي هذا اللقاء مع الدكتور الشاعر فاروق مواسي.

 وقد ارتأيت أن أطرح عليه بعض التساؤلات التي قد يجد القارئ فيها بعض ما يشفي غليله من التعرف إلى طبيعة الأدب المحلي وما يعتوره أحيانًا من صعود وهبوط. أهداني المضيف كتابه الجديدحديث ذو شجون، فكان لابد من أن أجاذبه  هنا أطراف الحديث:

.ما هي رسالتك في هذا الكتاب، وهل هناك إطار يجمع هذه المقالات الاثنتين والثلاثين؟

- هذه مقالات اجتأدبية.

.تعني اجتماعية -أدبية؟

- نعم. عالجت من خلالها قضايا أرمي من ورائها الإصلاح في المجتمع،لأن ذلك أهم ما يشغلني في معركتي من أجل الحق والحرية والجمال والحب. الأديب هو في مركز الأحداث ،  ولا يمكن أن يقف على حدة ما دام اللهب يطاله. هنا أنقد، ومع النقد أطرح حلولاً.

.ولكن، هل  ثمة ردود فعل لما تكتب من معالجات؟

- لي مقال في الكتاب بعنوان:لكل صوت صدى، وفي هذا إجابة. وهنا يطيب لي أن أذكر ما وافاني به الشاعر أحمد طاهر يونس الذي نيّف على الثمانين، إذ يقول:

فلله درك يا دكتور على معالجتك لمشاكلنا الاجتماعية، وما أكثرها ،  وكيف رأيتك تنقد بغير إجحاف، وتصف الدواء بتجارب المربي القدير.

وأنا أعتز بهذه الرسالة وبردود فعل منصفة أخرى... ولا شك أن كل كاتب يجد المتعة بمثل هذا الدعم وهذه الحرارة.

·في تصفحي السريع لهذه المقالات رأيت أن لك مواقف ومفاهيم لمعاني الوطنية والأخلاقيات في المجتمع العربي، ألا يدل ذلك على أنك تنكأ جروحًا؟

- فليكن! وهذا أول ما على الكاتب أن يقوم به، لا أن يدغدغ ويداري ويواري. لقد أحسنت في سؤالك إذ توضح أن لي موقفًا، والإنسان أو الكاتب هو موقف.

   في مقالك امرأة طامحة-ص51- تقول عنحنان عشراوي إنها أثبتت قدرتها على قيادة الدفة،        

      وإن المرأة العربية إذا أُعطيت الإمكانية والظروف كانت أهلاً لكل مسؤولية تناط بها،وليست    

       رهينة المحابس ،  فالمرأة التي قصرنا اهتمامنا عليها ضمن دائرة جنسية ضيقة (نابعة من عقدنا- نحن  الرجال) كانت بيانًا وسحرًا هذه المرة على لسان هذا الحنان الرائع ، والجلد الأخاذ ،  والموقف النبيل والجمال والطيب

. ما رأيك- على ضوء ذلك  فيما كتبته دالية بشارة في الاتحاد 2/9/1994 حيث رأت انك تنظرإلى المرأة كجسد،  وتعمل على تجريدها من إنسانيتها في الشعر أو في المجتمع وذلك من خلال ديوانك الأخيرما قبل البعد؟

- أولاً: تعرفت إلى دالية بشارة في الورشة الأدبية التي كنت أقيمها وأشرف عليها، وقد شجعتها على النشر وكتابة النقد لتمارس موهبتها. ولكنها في هذا المقال اشتطت وخلطت جملاً وأبياتًا قيلت في سياقات أخرى ،  وجعلتها كأنها موجهة للمرأة، ولا يثبت أي اقتباس ما تدعي به، فقصائد الغزل من الطبيعي أن يكون التركيز فيها على الجسد ونعمته، لكن هذا الشكل لا يمكن أن يكون بدون مضمون، وحتى القصيدة التي أحزن فيها على المرأة التي تحتضر وهي تزف ابنتها، هذه الابنة التي ستعشق الحياة كأمها تراها دالية بمنظار سلبي رغم ما يشع في هذا الموقف من إنسانية. والقصيدة التي أتعاطف فيها مع عانس، والتي لا يسأل عنها رجل يمنحها سره لا ترى دالية في هذا الموقف تعاطفًا ونقدًا لمجتمع يضطهدها، بل تذهب بعيدًا في خيال غير صحي، وكأن الرجل ليس ضروريًا لها. ولن أتحدث عن قصورها في سبر أغوار القصائد الوطنية والقصائد الموجهة لمحمد عفيفي مطر ومحمد على طه ولعكا.

·على ذكر هذه القصائد، ما هو الخط أو السلك الذي يضم قصائد ما قبل البعد؟

- الديوان مبني من ثلاثة أقسام: الأول كشف في دفتر الوطن والثاني مكاشفات والثالث كشف في دفاتري- قُصَيّدات.

.لي ملاحظتان: الأولى- استعمال الكشف في كل قسم والثانية- تصغير قصيدة إلى قُصيّدة، فهل أنت تبحث عن الجديد والطريف دائمًا؟

- في تقديري أن القصيدة يجب أن تحمل عناصر مستجدة فيها، وإذا كانت عباراتها مطروقة ومعانيها مسروقة فلا كانت... نعم، قصائدي ليست نسخًا مكرورة.

.لفتت نظري قصيدة كتبتها لزوجتك عفاف بعنوان رفيقتي نشرت في الاتحاد- 27/5/1994 فهل هي أول قصيدة غزلية يكتبها شاعر في زوجته في حياتها؟

قلت في مقدمة القصيدةفإلى أم السيد أهدي هذه القصيدة لعلها تكون بادرة في أدبنا تدوّن لحسابها وقد تفضل الدكتور سليم مخولي فكتب في الاتحاد(2/9/1994) وكأني قلت إن قصيدتي فتح في الأدب العربي ...وشتان بين معنى فتح ولعلها تكون بادرة. أما إذا أراد الزميل أن يسخر من وراء هذه الكلمة فسامحه الله. وأما إذا أراد أن يتحفنا بقصيدتين عطرتين للشاعرين العماد مصطفى طلاس وميشال سليمان فلا ضير في ذلك، على أن يكونا حقًا في اعتبار النقاد أنهما شاعران، أو على الأصح أن تكون القصيدتان شعرًا حقًا.

·ولكن هل وُجه لك نقد في ديوانك الأخير؟

- نعم، فقد كتب الشعر محمود مرعي مقالة في بانوراما (16/7/1994) وقع فيها أخطاء جسيمة منها

- اعتبار الأخطاء الطباعية أخطاء إملائية علمًا بأنه يقول لعلمي بالدكتور أن مثل هذه الأمور لا تغيب عنه....

- اعتبار (عِبْرات) جمعا لعبرة خطأ، مع أن طالب المدرسة الثانوية يعرف أن كل اسم ينتهي بهاء التأنيث يمكن جمعه جمعًا مؤنثًا سالمًا ..

- تخطئة ضرجوا دمه  ، وهي صحيحة على سبيل المجاز وليس خطأ شنيعًا

أما ملاحظاته العروضية فإنني أجلّها رغم أنني أتحفظ من التقيد بها، لكن الكاتب كان على معرفة ودراية، وهو لا يهرف بما لا يعرف، فله الشكر.

·الشعر يبقى كاملاً على صفحات الكتاب، فكيف يتواصل والجمهور؟ أليس عن طريق الغناء؟!

- التواصل قد يكون عن طريق القراءة وإنعام النظر، واليوم اختلفت أساليب التلقي. المهم أن تجد المتعة والمشاركة الوجدانية والفكرية. قديمًا ربطوا الشعر بالغناء، فهذي المجموعة الأدبية اسمها الأغاني، والبحتري أراد أن يشعر فغنّى، والعربي أذنه ألفت الإيقاع طويلاً بالقافية والوزن والرتابة، فترتفع وتائر وتنخفض في الإلقاء، لهذا يصعب الانتقال، مع أن الانتقال قد حصل.... ولا رادّ له.

·ولكن ما رأيك في قصيدة النثر؟ أليس ذلك مجرد صفّ كلام؟

- لا يمكن أن يكون صفّ كلام في كتابات محمد الماغوط مثلا، له معاناة، لا يهمني هنا الشكل الشعري. اقرأ معي هذه القصيدة للشاعر اليوناني (ريتسوس) أو هذه للشاعر الكردي (شيركه بيكه س ) هل تسأل هنا عن وزن أو بحر؟ فلماذا يجب أن نسأل في القصيدة العربية؟

.ولكنك لم تكتبها، فلماذا؟

- كتبتها مرتين، وكنت مضطرا إلى الخروج من أي نظام صارم، وفي ظني أنهما من أجمل شعري .

.هل يعني ذلك أنك تؤيد هذه الكتابة؟

- أتحفظ، ولا أشجع كل شخص أن يلج هذا الباب، وإلا أغرقنا في نثرية مريعة.

.كيف ترى الشعر في بلادنا محليًا، وعربيًا، وعالميًا؟

-  محليًا: نحن نقرأ لبعضنا البعض، وتبرز أسماء لدينا، ويعرف الواحد نفسه من خلال ندواته مع الجمهور أو تلقّيه لردود فعل من القراء.

-        وعربيًا: فنحن أضيع من الأيتام، ولا بأس هنا أن أُنحي باللائمة على هذا الإغفال لأدبنا (إلا القليل الأقل)، وأنا- شخصيًا- أشعر أنهم يعاملوننا من فوق- أقصد صحافة مصر وصحافة بيروت- وقد يكون لي عودة إلى هذا الموضوع.

-         وعالميًا: فإن شعرنا قد ترجم إلى كثير من لغات العالم ، وفي هذا مبعث اعتزاز.

.يرى الناقد صبحي شحروري أن ليس هناك أدب فلسطيني حقيقي فما رأيك؟

- أخالف هذا الرأي من خلال قناعة أولاً- هو هذا المزج بين فلسطين والحبيبة- صوفية جديدة-، وهذا السريان الذي يجري من دم إبراهيم طوقان و عبد الرحيم محمود وأبي سلمى في شرايين شعرائنا وهو رسالة تواصل، ولا أريد أن أركز على فكرة (الكنعانية)- التي لا أتحمس لها  ، ولست مقتنعًا بها- دليلاً فلسطينيًا يتعمده الكثير من شعرائنا ويتقصدونه من خلال تلاحم فلسطيني مثبت.

·كيف ترى على ضوء هذهالفلسطينية علاقة الكتاب على جانبي الخط الأخضر؟

- العلاقة ليست مُرضية، رغم وجود تواصل هنا وهناك ضمن دعوات موجهة. فمثلا لقد غضبت لأن جامعة النجاح أقامت يومًا دراسيًا عن إبراهيم طوقان، ولم يُدع أحد من شعرائنا وأدبائنا في المثلث والجليل. كم كنت أحب مثلاً أن أشارك محاضرًا في الندوة ،  أو أن تكون لي مداخلة. ولكن يبدو أن عربنا ليسوا مسجلين في أية دفاتر، والدعوات إلى عمان ومؤتمراتها الأدبية والثقافية محرمة علينا، بل إن الجوائز التي تقدمها أو قدمتها المؤسسات الفلسطينية هنا لا تأخذ أحدًا منا بالحساب.

·في هذا التسجيل سيلاحظ المتلقي أنك غير راض إجمالاً عن الواقع الأدبي... فهل استنتاجي بمكانه ؟  وهل أنا على حق؟

البحث عن الأفضل لا يجعلني أقبل الاستقرار ، ولا أقبل القناعة السلبية... إنني أنشد الأفضل على المستوى الاجتماعي والأدبي والفكري، والأدب إذا لم يحمل مع رسالته الجمالية رسالة موازية أو متداخلة(سيّان) اجتماعية فإنه ليس أدبًا.

      وأنا لست قانعًا بما حصّلت.... وشعار منـزلي كما قرأته:وقل رب زدني علمًا، ومن العجيب أنني أتحسر أو أتضايق كثيرًا لأنني لم اقرأ كتبًا معينة، ولم أجد وقتًا لها- على كثرة ما اقرأ- ويحضرني قول الشافعي:

كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي

 وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي

وبهذا ودعت الدكتور مواسي راجيًا له الصحة والعطاء ...حتى يظل خادمًا لأمته وقضيته، شاكرًا له هذا الحديث الآخر الذي هو كذلك ذو شجون.

صحيفة الاتحاد 7 تشرين الأول 1994.

أجرى اللقاء: خلدون الشيخ علي