موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
التحام الأدب والسياسة في منظار الشاعر د. فاروق مواسي

 الرئيسية>>

أصدر ما يزيد على الخمسة وعشرين كتابًا ما بين الشعر والدراسات والنقد والقصة القصيرة ، وكتب في النحو والصرف، وهو معلم ومحاضر فعال في الحركة الأدبية والاجتماعية والسياسية في فلسطين 48 ، وكاتب في المجلات والصحف داخل الخط الأخضر.

إنه د. فاروق مواسي من مواليد باقة الغربية عام 1941م والذي زار عمان لأول مرة قبل أيام، وكان للدستور هذا اللقاء الذي تم التركيز فيه على الجوانب الأدبية والإبداعية لفلسطينيي 48.

وأفضل شيء لتقديم د. فاروق مواسي هو تقديم المقابلة ذاتها ،  والتي بدأتها بالسؤال:

·أريد أن تحدثنا أولاً عن تجربتك الأدبية الخاصة، في ظل ظروف فلسطيني الـ 48 الغريبة. أشير هنا إلى العزلة الفلسطينية في المحيط الإسرائيلي.

- ولدت في قرية باقة الغربية في المثلث، وفيها أعيش. وعندما دخلت القوات الإسرائيلية قريتي كان عمري يناهز السابعة. تركَنا معلمونا الذين كانوا قد توافدوا إلينا من نابلس ومنطقتها، وبقينا أضيع من الأيتام..، ليس بيننا وبين اللغة العربية إلا ما نستمع إليه من الإذاعات، وكتب متناثرة تمزقت لكثرة ما استعيرت، ومن حسن حظي أن لي والدًا كان قارئًا، فكان في سفراته إلى يافا يقتني لي الكتب، ويحفزني على الدراسة، فاقرأ الكتاب أكثر من مرة، فتخيلوا كيف سينشأ شاب وهو يطالع كتاب (العمدة) لابن رشيق، وعليه اسم صاحبه موسى عبد المجيد سمور- دير ياسين، ويكتشف الفتى فيما بعد أن دير ياسين - هي هذه القرية التي أطاحت بأهلها مجزرة. ولكن..... أين موسى؟ وتعرفت على مجلة الآداب البيروتية في مكتبات المعاهد والجامعات، فراق لي خطها القومي، كما راقت لي تجربة الشعر الجديد التي دعت إليها، وتابعت فيها بابقرأت العدد الماضي، فتكونت لي حاسة نقدية، فأخذت ألخص الكتب التي تصل إلى يدي، وأعلق أحيانًا. ولا بد من الإشارة كذلك إلى مجلة الجديد التي كانت تزودنا بالثقافة العربية اليسارية، فكانت تقتبس مواد من مجلةالطريق اللبنانية ، وتدعو إلى الواقعية الاشتراكية التي اغتنينا منها في ظروفنا السياسية العصيبة ،  أو كما قلت الغريبة... إنها عصيبة ،  بسبب الحكم العسكري الجائر الذي فرض علينا تباعًا حتى سنة 1966، إنها سياسة اللاسياسة التي انتهجوها نحونا وما زالوا، فرافق أبناء جيلي هذا المد الثوري بدءًا من الناصرية واستقلال الجزائر وثورة العراق.... وانتهاء بقضايا عالمية مثل فيتنام التي كنا نراها صورة مصغرة لإمكانية تحررنا. ولذا فلا بدع أن ارتبطنا إنسانيًا وعالميًا بالشعر اليساري، فعرفنا نيرودا ولوركا وماياكوفسكي والبياتي وسواهم. وهذا الموقف الملتزم جعلنا نقف (وما زلنا) ونلقي الشعر في مهرجانات خطابية وسياسية. وأنا أعرف أن الجمهور وخاصة في كفر ياسيف والناصرة جمهور محفز محرك، وأظن أن هذا الجمهور بالذات كان مُستنبَت محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم. ولن أضن هنا باعتراف، وذلك أنني قرأت مقطوعة أمام جمهور في الجليل، فإذا بهم يصفقون لي بحرارة. وإذا بي أنفعل جدًا من حرارة اللقاء معهم.... وإذا بالمقطوعة في اليوم التالي تصبح مطولة.

      خلاصة القول: الجمهور له تأثيره على مسيرة الشاعر. وجمهورنا متلاحم معنا. على الأقل هكذا كان.

·        الأدب الفلسطيني داخل الخط الأخضر ظلت له مواصفاته المباشرة، ولم يتأثر كثيرًا بالتجارب العربية والغربية ،  فهل خدم ذلك الأدب الفلسطيني؟ وهل كانت هناك تأثيرات على مستواه الفني؟

صحيح أن شعرنا فيه الكثير من المباشرة والتسطيح، ولكن ذلك ليس تعميمًا، فشعرنا رافد من حركة النهر العربي الزاخر، بل إنني أذهب إلى القول إن شعرنا بخطابيته التي لا تعيب قد خدم قضية الشعر الجديد، فأخذ الجمهور يصغي إلى شعرائنا وإلى وقع كلماتهم وروح معنوياتهم وبناء عباراتهم، يصفق لها، ويعجب بها، رغم أنه لم يسبر غورها- أحيانًا-.

 إن الجمهور يعي أن هذا الشاعر يحمل قضيته، فهو لا يسأل عن تفسير كل كلمة أو معنى هذه الجملة، يأخذها معنى كليًا، يستشفها إحساسًا، ثم إن شعرنا جعل الغزل ذا بعد جديد، فحمّل الأرض دلالات المعشوقة، وألبس المعشوقة ثوب الأرض، تمامًا كالصوفية التي كانت تُقرأ على مستويين، فمحمود درويش عندما يقول:

      عيناك شوكة في القلب توجعني وأعبدها

      أو عندما أقول أنا:

      أتيتك مترعًا بالشوق والتذكار يحدوني الحنين

       على شفتي أغنية تلم الضوء من عينيك

فإن شعرنا هنا يندغم غزلاً  وقضيتَه ، وذلك  في شفافية أو بوح ليس بالضرورة أن يكون من المباشرة، مع أن المسائل نسبية في القياس.

      ثم من قال إن أدبنا لم يتأثر بالتجارب العربية؟

نغالط أنفسنا إذا أنكرنا دور الشعر اليساري الواقعي والملتزم، ونغالط كذلك إذا تجاهلنا دور الإذاعات العربية التي كانت تحمل في أوائل الستينيات زخمًا من العطاء الفكري والفني.. لم نكن غصنًا مقطوعًا عن الشجرة ، بل كنا غصنًا غطته الأشواك ،  وحجبته عن سائر الأغصان.... غصنًا تنكر له الأخوة حتى بُعيد سنة 1967، يوم عرّف محمد دكروب على أدبنا فأخذت الصحافة العربية تُبدئ القول وتعيد في نضالنا الشعري أكثر مما هو عليه في شعرنا النضالي، وحتى استجار محمود درويش أو استثار  في مقولته:     أنقذونا من هذا الحب القاسي.

·يرى بعض النقاد أن الأدب الفلسطيني خارج موقع الاحتلال أكثر حلمًا من الأدب في الداخل. درويش قال:إن خروجه من فلسطين جعله أكثر قدره على سعة الأفق؟!

- الحلم حلم في الداخل أو في الخارج تبعًا لمستوى الشاعرية، وتبعًا للحدث.... أدبنا في الداخل حمل الألم والأمل معًا، راوح بينهما في عناق متفائل ، وقد يرى المتابع لشعرنا أننا سجلنا معاناتنا واحدة تلو الأخرى في قصائد متباينة ومتفاوتة في مستواها الفني، لكنها جميعًا تلتقي في بؤرة الحب لهذه الأرض التي انتهكت، وعشق لهواء هذا الوطن وطيوره ونباتاته وبحره ،  وعلى ذكر البحر أرجو أن أكون قد بلغت في هذين البيتين من قصيدة لي:

      يا بحر هل كانت  بلادي درة                  منهوبة الآصال   والأسحار

      يا بحر يا وحيي وبث عواطفي          أنت الصديق، فهل يطول إساري

    

أعود إلى مقولة درويش الجديدة، وأذكره بأننا هنا في الداخل أيضًا اطلعنا على الثقافة العربية بشكل جيد، بل إنني أزعم أنني- مثلاً مطلع أكثر من الكثيرين من أدباء العالم العربي على حركة الأدب العربي الحديث في الأقطار العربية كلها. فوسائل الإعلام توصلنا اليوم بكل أفق، ومع ذلك فلا إنكار أن محمودًا  سبح في بحر، وكنا نسبح في نهر، وأنه حضر المؤتمرات والندوات التي حرمنا منها، وأعترف كذلك، بأنني شاركت في مهرجان لندن الثقافي الذي أقامه رياض الريس سنة 1988، فأثرى هذا المهرجان تجاربي الأدبية من خلال لقاءات ومعرفة لم تتح لي آنفًا.

·ما تأثير الأدب العربي على الأدب الصهيوني، ثم ما تأثير الثقافة الإسرائيلية على نتاج الأدب المحلي للعرب المقيمين منذ سنة 1948؟

- الإجابة عن هذين السؤالين تستلزم مستفيضين، ولكني سأقدم لك إضاءات فقط. بخصوص الشق الأول، فإن أكثر من تأثروا بالأدب العربي أولئك الأدباء اليهود الذين هاجروا من الشرق من الأقطار العربية، ترفدهم ثقافتنا وأدبنا، فمهما حاول سامي ميخائيل في كتاباته أن يتنصل من ذلك فإن طابع الثقافة العربية متأصل فيه - فميخائيل نشر في السنوات الأولى لقدومه إلى إسرائيل بعض القصص باسم سمير مارد ،  وشمعون بلاص هو باحث يكتب الروايات بالعبرية. وهي في مجملها ذات نفس لا يغاير أصداء كتابتنا وروايتنا.. طالعت في صغري كتابًا بالعبرية كتبه ( سملنسكي) من يهود أوروبا الذين وفدوا إلى فلسطين قبيل 1948، والكتاب بعنوان (أيام العرب) لوحات قصصية رائعة تدل على شدة تأثره بالجو العربي..والأجواء العربية هذه أثرت على القادمين الجدد كان برنر وسواه يعتبرونها المثل الأعلى. ولأنهم يوحون بذلك إلى أن العرب في فلسطين هم الذين حافظوا على التراث العبري الذي كان منذ فترة الهيكل، فالجد موسى هو من سلالة موشه حتما؟؟!!

      أما عن الشق الثاني، فالثقافة الإسرائيلية أثرت في كتابتنا بصورة قليلة وهامشية، وإذا كان هناك من تأثير ما، ففي الألفاظ العبرية والأساليب اللغوية التي اقتحمت-طوعًا أو كرهًا- كتابتنا، وهناك شعراء منا كتبوا نتاجهم بالعبرية منهم: د. نعيم عرايدي وأنطون شماس، بدعوى أنهم يجدون قراء أكثر وانفساحًا أو طاقة أكبر. ولابد من ذكر تأثير التوراة على الشعر المحلي حيث أن التوراة تراث إنساني غير مقصور على اليهود في البلاد، ولكني أرى هذا التأثير كذلك، لأن أغلبنا قرأ التوراة بالعبرية لا بالعربية. فكتب شعراؤنا عن إرميا ومراثيه وعن حبقوق وعن إشعيا وتناصت التوراة في كثير من نتاجنا.

·في مسألة التطبيع الثقافي مع إسرائيل. هناك من يرفض التطبيع لموقف سياسي بحت، وليس خوفًا من عظمة الثقافة الإسرائيلية.. وهناك من يرفض التطبيع خشية انقراض تدريجي للثقافة العربية.

أرى هذا المصطلح مأخوذًا من الطبيعة في التعامل، أو أن تجري الأمور على الطبيعة؟ وفي رأيي أن كل حوار هو مفتوح ومتاح، ولكن لا يعني ذلك أن توافق على ما لا تؤمن به. الحق بيّـن في منطقه ووضوحه ، أو كما قيل في التراث: الحق سجسج والباطل لجلج، فليكن ، أو ليجرِ كل لقاء حتى لو مع ألد الأعداء.. وأصدقكم أنني أبحث بسراج وفتيلة عن متطرفين يطالبونني بالترانسفير لأناقشهم  ولأقزمهم أمام الحقائق.. وكنت في موقف لا احسد عليه في مدرسة دينية متطرفة، كنت أقرأ أشعارًا فلسطينية. هنا دوري ووظيفتي، وضرورتي هنا أكثر من ضرورة إقناع أخوتي من أبناء شعبي.

      إن الضعيف هو الذي يخاف المجابهة، ولا إخالنا ضعفاء، بل إن الكثيرين في الشارع الإسرائيلي يعارضون أي لقاء بين عرب ويهود بسبب خشيتهم على اندماجهم ...أو اندثارهم. ليخافوا هم ولينكمشوا، أما عن التزمت غير المبرر فأنا ارفضه، وسأسوق مثلا:

      حضرت مناقشة الدكتوراة لصديق فلسطيني في جامعة الأزهر، وكان من المناقشين للأطروحة د. عبد المنعم خفاجة، وإذا به في ثنايا خطبته يهاجم محمود درويش، لا لسبب إلا لأنه صرح يومها أنه قد تثقف الثقافة العالمية عن طريق ما ترجم إلى العبرية.

      استشاط المحاضر غضبًا وقال: وهذا شاعرهم يعترف بتأثير العبرية عليه.... إنه يريد إظهارهم بأنهم  ذوو حضارة وثقافة.... إن أحرفهم مدنسة المداد.. الخ...

      فهل موقف أستاذنا خفاجة مثالي، وهل نبقى متطرفين : إما إلى هذا الطرف أو ذاك؟ فلماذا لا آخذ الأمر باليسر والحذق من خلال الاعتزاز بهويتي وكينونتي وحقي في وطني.

      شئنا أم أبينا فقد اختلفت اليوم وسائل الرفض، ويجب أن نتطلع إلى كل الجهات. ومن شاء أن يقرأ تزمتًا آخر فليطالع عدد مجلة إبداع كانون الثاني 1995.

·بصراحة هل هناك لديكم تسليم بما يجري.. القبول بما هو قائم!

- ظلت تساؤلات تلاحقنا، ونحن نتشبث بفلسطينيتنا، ونقر بكوننا مواطنين في إسرائيل بمزدوجتين أو بدون مزدوجتين. عندما وقع الزلزال لم يستشرنا أحد. تسنى لي أن أقول  لشارون يوم زار باقة بلدي :  لو استشاروني لرفضت وجودك في فلسطين. وهيهات. صارعنا كيدًا وتجهيلاً وسلب أرض وقتل روح. ورغم ذلك بقينا نقتنص حرية الكلمة.

      اقترحت في مقالة نشرتها في صحيفة الندوة (16/3/1990) أن يتفرغ عشرة من باحثينا على مدار سنة لتقديم شهادات استخلاصية قد تؤدي بنا إلى خطة، وستكون ثمة أسئلة مفتوحة على غرار،

أ‌.        هل نضالنا المثابر في الكلمة والموقف فقط يساعد فعليًا إخوتنا في الضفة والقطاع والشتات؟

ب‌.    هل تعاوننا مع القوى اليهودية التقدمية مشروع... وإلى أي مدى؟ ومتى؟ وهل نطالب بحقوقنا في جو عنصري يمنع كل تقدم فعلي للعربي في وطنه؟

وعند قيام الدولة الفلسطينية هل نكون مواطنين فيها وحدها؟ أم نكون بهوية إسرائيلية أم بمواطنة مزدوجة على غرار اليهود الأمريكيين... وأسئلة كثيرة وغيرها، وأنا إزاءها كما المتنبيعلى قلق كأن الريح تحتي.

·الحل النهائي لقضية الشعب الفلسطيني حسب أوسلو سينفي بالحل إلى شبه كيان فلسطيني غير معروف الحدود الجغرافية ولا الديمغرافية. إنه يحمل بذور مشكلة. كيف ترى أنت قضية الشعب الفلسطيني؟

- أنا على يقين بأن الدولة الفلسطينية المستقلة ستقوم في الضفة الغربية وقطاع غزة ،  ولابد من الاستقلال-حتى ولو كان شكليًا، وأنا لست متشائمًا أو يائسًا حتى أرى أن ذلك يحل بذور الفشل، بل بالعكس فأنا أرى في هذا الشعب طاقة عظيمة ، وهذا الأردن الرائع الذي أزوره لأول مرة قام على سواعد الأردنيين والفلسطينيين بهممهم وقدراتهم الخلاقة. فلماذا نفترض الفشل للمشروع الفلسطيني في دولته العتيدة أو المرتقبة.... أشير كذلك إلى أن الحدود لا تهم كثيرًا في حسابات اليوم، فالمهم الأهم هو الفعالية الاقتصادية والتأثير على المستجدات والحضور... ولنا في إسرائيل والعالم عبرة.

      أما الفلسطينيون في إسرائيل فيستحقون  ظروفًا  أفضل ، وهم يبغون العيش  في أجواء سلام حقيقي وعادل ومنطقي وإنساني.. وليس ذلك على الله ببعيد، ولا على شعبنا الذي اجترح أكثر من فضيلة تبرر عزته وكرامته.

·كيف ترى تأثير مرحلة السلام على الشعب الفلسطيني وعلى أدبه؟

- في بداية مشروع السلام أو اتفاقياته كانت حماسة الفلسطينيين منقطعة النظير، وقد تسنى لي أن أتجول في الضفة الغربية بين الأعلام الفلسطينية الخافقة، والأزياء العسكرية المهيبة، وأظن أنه لو أتاحت إسرائيل أن تجري الانتخابات في الوطن المحتل لكسبت قضية السلام كثيرًا، ولكن الإسرائيليين المفاوضين يراوغون ويبطئون، ويتهمون جزافًا، ويتسلون ...ويحاولون كسب الوقت ، ولا إجابة شافية لديهم حول مسائل هامة كالمستوطنات والقدس واللاجئين. فوضوح الرؤية في السلام وإليه يؤدي إلى طريق سالكة لا شائكة ....أما اليوم ففي ظني أن حماس قويت بسبب هذا التميع السياسي الراهن وعدم الجدية. والأنكى من ذلك أنهم يمنعون عن السلطة الفلسطينية مقوماتها ، ويطلبون منها ما لم يقدروا هم أن يحققوه، وهم في منتهى بطشهم وإرهابهم.

      أما بالنسبة للتأثير على الأدب فلا أكاد أرى شيئًا يذكر، وربما يكمن السبب أن السلم الحقيقي لم يُجنح إليه.

·وهل ترى أن حركة النقد الأدبي في الداخل في تواصل مع حركة النقد العربي؟

- أما الأبحاث فهي في تواصل اضطراري، فالدراسات الأكاديمية التي تبحث الشعر العربي المعاصر والرواية الحديثة لابد لها من العودة إلى مقالات ودراسات ومعالجات عربية ما قدُم منها وما حدُث ، وأما النقد الانطباعي والذوقي فقد ساير مناهج النقد في العالم العربي ...لكننا في النقد البنيوي أو الشكلاني لا نكاد نجاري مدرسة النقد المغاربية.. وعلى العموم فالنقد في خطواته الأولى رغم وجود بعض الدراسات الجادة هنا وهناك. أما مدارس ما بعد الحداثة والتفكيكية والتأويلية والنفسية فهذه اتجاهات لا نتعامل معها ربما بسبب قلة الثقافة في هذا الباب أو ذاك.

·هل هناك سمات أو خصائص للأدب الفلسطيني في مواقعه الثلاثة (الضفة والقطاع، عرب 48، الشتات)؟

قلت إن سمة أدبنا في الداخل تراوح الأمل والتفاؤل، إنه كما اصطلحتُ عليه أدب واقِنْسي =( واقعي رومانسي) بأغلب نتاجه الشعري. أما الشعر لدى إخوتنا في الضفة والقطاع ففيه الكثير من المباشرة، ويشف عن القليل من المتابعة لما يجري على الساحة العربية الأدبية، وذلك بسبب قلة ذات اليد، وعدم استحصال المصادر والمراجع المستجدة. وعلى كثرة ما أقرأ من أدبهم فقلائل هم الذين أثبتوا أنفسهم-في رأيي- على الساحة الأدبية الفلسطينية، وإن أثبتوا فقاماتهم لا تصل إلى المستوى الذي ارتفع فيه شعرنا لعدة أسباب... وفي اعتبار تباين الظروف.

      أما الشعر في الشتات فأظنه أرصن ، وذلك بسبب الحنين المستبد للوطن، كإرهاصات دحبور وانطلاقات مريد البرغوثي، وقس عليهم أسماء أخرى لاحقة في أدبنا الفلسطيني تؤدي إلى إعطاء صورة إيجابية لشعرنا. ونحن معًا في مواقعنا الثلاثة ظل ذو ثلاث شعب تلتقي للصلاة في محراب الوطن ، وكتابة ما تيسر لنا من معاناة.

صحيفة الدستور (الدستور الثقافي)- عمّان 21/4/1995.  أجرى الحوار: موسى حوامدة .