موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
أغلب الأدباء يرون أنفسهم فوق مستوى النقد ما جدوى الكتابة إذا بقينا بجوار السياج نتغنى؟!

 الرئيسية>>

 القدس في الشعر الحديث قراءة لقصيدة المكان!

د. فاروق مواسى شاعر وناقد فلسطيني رغم أعوامه الستين لم يزل قادرًا على أن يعطي ويشاكس ويبحث عن الجديد.. مبدع مرهف الحواس للمعنى، ومتمرد على أشكال الكتابة.. درج أن يهرب من المقال إلى القصيدة أو فضاء النص. وباستمرار ثمة جناحان يحركان جذوة الإبداع بداخله هما: الألم السياسي والهم الاجتماعي ،  التقينا به في القاهرة في زيارة سريعة لها ، وكان هذا الحوار:

شعرالكلمات المفقودة

* إذا قلنا إنك شاعر أولاً وناقد ثانيًا.. يلاحظ أنك كتبت عن شعراء كثيرين ، ومع ذلك هناك ندرة فيما كتب عنك كشاعر؟

أحس أنني غمطت وتجوهلت إذا صح التعبير، ولكني على يقين أن نهاية المطاف لن تكون إلا لمن ترسخ قدمه، وبصراحة كتب عن الكثير، ولكن أكثره دون ما يشفى غليلي.. ثم ألا توافقني أن النقد لدينا مصاب بالأنيميا( والمسألة ليست مقصورة على الكتابة عن شعري فحسب ) .

* كتبت كثيرًا من القصائد عن القدس والشهداء وضياع الأندلس.. وبدا صدق الانفعال قويًا لدرجة قد تسم القصيدة بالمباشرة..فماذا تعني لك القصيدة؟
القصيدة كالفراشة التي تقترب من اللهب،هكذا أحب أن انصهر مع التجربة، و أن أبوح بما يعتمل في نفسي. ولا عيب في أن يكون الصدق هو العمود الفقري الذي تبنى عليه قصيدتي..فالقصيدة لدي تتكئ على الإيقاع والترنم وتتغذى بإيماضة فكرة، وتنام على سرير الانفعال، وتنهض على التواصل، إنها فرحة دونها أية فرحة أخرى، أن يجد الشاعر قصيدته..أما الشعر المعَمّى والغامض فلا أستسيغه ،  وأسميه بالشعر الدخاني أو التكلف ، لأنه يعتمد على كلمات مفقودة لا بريق لها ولا معنى يستشف منها.

* تنعكس في شعرك شخصيات ومواقف تاريخية وأسماء مدن مثل مالقة وابن زيدون وغير ذلك..فلماذا الحرص على التناص مع الشعر القديم تحديدًا؟
-
بالطبع، ثمة تناص هنا وهناك في كثير من قصائدي، وقد يعتبر البعض ذلك أمرًا إيجابيًا  ، وربما العكس..وأظن أن الاعتدال في التناص أمر جيد، لأن الأنساق اللغوية والبنى المأثورة يجب أن تكون ذات فعالية، والأصالة ضرورية إذا انتقينا من تراثنا ما يحقق التواصل ولا يقطع الخيط بيننا وبين من سبقونا.
بعيدًا عن الرواية

* يلاحظ المتابع لمسيرتك الإبداعية أنك عالجت كافة الأشكال الأدبية فيما عدا الرواية..فلماذا ابتعدت عنها؟

- وأنا على مشارف الخمسين تقريبًا كتبت رواية بعنوان الحب البعيد» عام 1990م ولنقل إنها محاولة، لأنني بعد أن كتبتها قطعت عهدًا على نفسي أن أبعد الشقة بيني وبينها لا اقل من عشر سنين حتى أنسى خيوطها، وربما أعود إليها لأقرأها قراءة محايدة.. ورغم أنني الآن على مشارف الستين لكن مازلت غير متحمس لأن ترى رواية الأولى النور!!

* يتضح من إنتاجك أن الشعر هو أكثر أشكال الإبداع قربًا إلى نفسك.. فطوال هذا المشوار لم تنشر سوى مجموعة قصص واحدة هي أمام المرآة... فلماذا !
- القصة لدي تعتمد على لغة السرد الذاتي، أو الأوتوبيوجرافي ،  وتحتشد عناصرها فيما يشبه القصيدة..فإذا أدت القصيدة المعنى الذي بداخلي لا ألجأ إلى القصة.. لذلك ما عجزت عنه شعرًا أبحث له عن تنفس من خلال القصة..ولذلك عندما استشهد غسان كنفاني لم استطع أن أكتب القصيدة ،  وعبرت عن صدمتي من خلال قصة أمام المرآة..وبعد أن نشرت مجموعة من القصص تحت هذا العنوان أضفت إليها بعض القصص الجديدة ، وأعدت نشرها من جديد ، وكأنني أرغب في الانتهاء من القصة بشكل نهائي وفي كتاب واحد..
مقال اجتأدبي

* قدمت منذ فترة عددًا من المقالات الاجتأدبية - على حد تعبيرك- فماذا تعنى بهذا المصطلح.. وهل من الضروري أن تجمع هذه المقالات في كتاب، كما تفعل مع القصائد والقصص .. ؟

الاجتأدبية نحت من لفظتين ( الاجتماعية )  و ( الأدبية ) ، فالمقالات جميعها تهدف إلى إصلاح المجتمع، وفيها نقد مرير لواقع مؤلم، وأرمي من وراء المقالات إلى التغيير، فما جدوى كتابتنا إذا بقينا جوار السياج نتغنى؟ لماذا لا نعبر عن مواقف يومية في الحقل بلغة راقية وبفكر نير؟ فالوطنية الحقة تتبدى في المعاملة، وازدواجية السلوك خطر محدق، وقتل الأفكار قمع لوجودنا، والحديث عن أصحاب المهن ومماطلاتهم ،  وعن الأغنية الجماعية، وحفظ التراث..كلها مسائل نعاني من تصرفات خاطئة فيها، ولا يمكن فصل الجانب الاجتماعي من الجانب الأدبي عند الكتابة عنها . أما بالنسبة لجمع هذه المقالات في كتاب فهذا ليس أمرًا حتميًا بالضرورة ،  فلابد من إعادة فحص المادة عميقًا، فإذا ارتأى المرء ضرورة حفظها وتكرارها فله ذلك، لأن الكتاب يُحفظ ،  بينما المقال في الصحيفة يضيع هدرًا.
الاسم المستعار

* رغم انك تعتبر المقال قولة حق وشجاعة إلا أنك كتبت عددًا من المقالات النقدية عن شعراء كبار مثل سميح القاسم تحت اسم مستعار.. ألا يتعارض الاسم المستعار مع شجاعة المقال ..؟

كنت أكتب هذه المقالات باسم ( أحمد منير )  ورغم أنه ليس اسم الشهرة الخاص بي ،  لكنه اسمي الأول في شهادة ميلادي التي صدرت في طولكرم، ولذا عندما أقسمت أنه اسمي الحقيقي عمقت التنكر ، وكنت أترقب الاستفسارات الكثيرة لصحيفة الاتحاد حول صاحب الاسم ،  وازعم أنني بهذا الاسم استطعت أن أثير مناقشات ساخنة أكثر مما كنت افعل باسمي الصريح.. لقد أردت أن أكاشف أدباءنا بصراحة من غير حساسيات العلاقات القائمة بيننا..ولكن سيل الهجوم على صاحب الاسم، والسخرية المتجنية وما أثاره مقالي «جرد حساب الأدباء» كل هذا كان يدل على ضيق الأفق في الساحة الأدبية.. فأغلبية الأدباء يعتبرون أنفسهم في مستوى أدبي لا يصح أبدًا أن تعاتبه أو حتى تداعبه ، واضطرت الصحيفة أن تطالبني بإظهار اسمي الحقيقي والتوقف عن استخدام الاسم المستعار، ولذا فضلت أن أتوقف كلية.
* هل هذه التجربة جعلتك تعزف عن الكتابة الصحفية في الآونة الأخيرة ؟.

-
للأسف أحيانًا أرسل مادة للنشر ،  لكن أحس بعدم التقدير للمادة، فهي إما أن تنشر بحرف غير ملائم ،  أو في ذيول المادة الأدبية كأنك لا في العير ولا في النفير.. ولهذا أفضل في الآونة الأخيرة كتابة الدراسات المستقلة.. وأرجو ألا تصل بي الحال إلى ما وصلت إليه لدى الجرجاني حيث قال أأشقى به غرسًا واجنيه ذلة؟!
القدس في الشعر

*بمناسبة الدراسات المستقلة.. قدمت منذ فترة دراسة هامة عن القدس في الشعر الفلسطيني الحديث ،  فما هي أهم ملامح هذه الدراسة؟

-  تطرقت أولاً إلى ندرة قصيدة المكان ، وأن القصيدة الحديثة هي التي توقفت على الجزيئات والتفريعات..كما تحدثت عن القدس باعتبارها موتيفة..البعض يتفاءل بها ويبحث عن الخلاص فيها ولها ،  والبعض ينظر إليها بتشاؤم وكأنها مدينة تنذر بخطر محدق..كما تحدثت عن الرموز الدينية واستلهام التاريخ الكنعاني للتأكيد على الحق الفلسطيني في المدينة ، ورغم أن عشرات الشعراء كتبوا عن القدس إلا أنني آثرت الانتقاء ،  فليس كل من كتب بضعة أبيات هنا أو هناك يمكن أن أتناوله في الدراسة  - وإن كان هذا الكلام يغضب البعض..كما أنه ليس كل من كتب عن القدس أهلاً لأن نأخذه مأخذ الجدية في التناول الشعري.
عرب الداخل وثقافة الآخر

* ثمة سؤال محير ولا مناص منه.. كيف تتعايش كمثقف عربي من عرب الداخل مع ثقافة أخرى؟!

- العلاقة بيني وبين الثقافة الأخرى هي علاقة لغة، فأنا أقرأ العبرية كما أقرأ الإنجليزية، وأتعامل مع نصوص الأدب العبري كأي أدب آخر..وليس هناك مشكلة في ذلك، أما القصيدة أو القصة التي تطرح على نحو استعماري أو استعلائي ، أو تنطوي على نوع من الاحتقار للآخر.. فهذا مرفوض ،  ونحن كعرب نرفع أصواتنا دائمًا ضد هذه الكتابات السيئة والتي ليست ذات قيمة في ميدان الأدب.
* في وقت من الأوقات حاولت أن تدعم ورشة أدبية للشباب بمباركة جامعة حيفا..فلماذا توقف النشاط؟

نفذت فكرة الورشة الأدبية في بلدتي «باقة الغربية» ،  ودعوت الأدباء الشبان للمشاركة وقراءة إنتاجهم الأدبي ،  والاستماع إلى ملاحظات أحد الأدباء الكبار الذين تتم استضافتهم في الورشة ، ولاشك أن تداول النصوص يحقق ثراء وتواصلاً، كما أن الورشة تتجدد بتجدد دماء المشاركين فيها مع الوقت..
ولكن بكل أسف توقف النشاط ، لأن بعض الأدباء أخذوا يتطاولون أو يدّعون، فكأني أردت باطلاً من حيث أردت الحق.. علاوة على أن عنصر التضحية بالوقت أخذت تقارعه الهموم اليومية والانشغال بالذات..ومن يدري فقد تعود الورشة بلباس آخر وبهمة أكبر.

صحيفة الجزيرة ( السعودية ) - 16 / 3 / 2001