موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
الناقد الفلسطيني فاروق مواسي يتحدث عن أحزان لا تفهم

 الرئيسية>>

نعيش صراعًا يوميًا مع الوجود والكتابة . لا أرى عيبًا في ترجمة أعمالنا إلى العبرية . من الصعب تحييد دورنا كعرب في الداخل . هناك 13 شهيدًا منا في الانتفاضة الأخيرة .عندما يخرج شخص من فلسطين الآن يكون السؤال: ماذا يحدث هناك؟ التقينا بالناقد الدكتور فاروق مواسي عضو اتحاد الكتَّاب العرب في فلسطين في حوار يكتسب أهميته من عنف اللحظة.. بدأنا الكلام عن النقد ،  لكن سرعان ما أخذنا الكلام الى منطقة شائكة يلتبس فيها الثقافي بالسياسي.. عن قضية الترجمة التي أثيرت منذ فترة وعن الجوائز من إسرائيل وتحييد دور عرب الداخل في النضال. كلها قضايا تتصل ببعضها البعض ،  ولعلها تلقي إضاءة عن عرب الداخل.. وهم مليون مواطن في إسرائيل يناضلون ضد العزلة وضد تزييف هويتهم العربية والإسلامية.

 

       مأساة الحس النقدي

منذ أربعين سنة وأنت تكتب الشعر والقصة والمقال.. فهل هذا الجمع بين الأشكال الأدبية ميزة أم عيب؟ وما أكثر أشكال الكتابة قربًا الى نفسك ؟

·        بداية عندما أكتب فإني  أكتب لضرورة ما.. ثم بعد ذلك تنبجس المادة المكتوبة شعرًا أو نثرًا.. لا فرق عندي.. انه همُّ تترجمه أحاسيسي بما ترتئي، والأمر ليس بيدي.. ويمكن أن يندرج ما أكتبه تحت مصطلح الكتابة الجديدة، التي تهتم (بالنص) بغض النظر عن لونه أو نوعه.. يهمني كيف أقول ولا يهمني ما هو الإطار! ربما أكون بطبيعتي خلقت ناقدًا، رغم أن نقدي وملاحظاتي الأدبية تسبب لي أحيانًا حرجًا قد أكون في غنى عنه لو أمكنني ذلك. كذلك فإن القصيدة التي اكتبها هي معاناة وانعكاس لوضع أو حالة ،  فيها نقد ما، فيها المنشود الذي حال دونه الموجود.

-   إذا كان الحس النقدي هو الحافز الذي يحرك جذوة الكتابة بداخلك فهل هذا يجعلك مرتبطًا بمنهج معين ؟

·        النقد أصلاً هو تبيان المحاسن قبل المساوئ، وهو اتخاذ موقف فيه تقويم، وفيه تفسير أيضًا. أما بالنسبة للمنهج الذي يراه البعض ضرورة حتمية لتعميق رؤية الحياة بإطار ما، فبصراحة لا أرى ضرورة التقيد بأي منهج لا نفسي.. ولا اجتماعي.. لا بنيوي ولا تأويلي.. فالنقد بالأساس جزء لا يتجزأ من مبنى الشخصية الناقدة، وكل نص يقدم نفسه بنفسه بعيدًا عن المصطلحات التغريبية.

-  لكن، إذا تركنا الأمر لذائقة الناقد وخبرته الذاتية فالأمر لن يسلم من إنصاف البعض على حساب البعض.. ربما يتهمك آخرون بأنك تتجاهلهم وربما تشيد بآخرين لا يتحققون فنيا؟!

·                      يخطئ من يتصور أنني سأكتب عن كل أدبائنا، فالكتابة تتأتى لظروف موضوعية، فقد تهمني ناحية ما في هذه القصيدة أو تلك، أحب أن يشاركني القارئ فيها.. فالنص يحاورني وأحاوره، يستعصي عليّ أحيانا فأراوغه ولا اعرف ما هو المقياس في ذلك.. على أية حال يلاحظ القارئ لما أكتبه من نقد أنني لا أكيل المديح جزافًا، وأنني امتدح الظاهرة لا شخص الشاعر، وبالمقابل لا أقدح أحدًا (طب لزق) وسواء علا نجم من أشدت بهم أو لم يعْل لا اعتبر قولي هو الفصل.. إنما هو اجتهاد قد أصيب فيه وقد أخطئ.

 ثقافة التذويب

- ننتقل إلى قضية أخرى تتعلق بالمثقفين العرب بالداخل.. باعتبارك من أبرز هؤلاء المثقفين.. ما أهم ما يميز هذا التجمع الثقافي العربي؟

·        العربي في الداخل هو فلسطيني.. هو فرع من شجرة الأدب والإبداع الفلسطيني.. يتلاحم مع القضية والإحساس بها بعمق، خاصة وهو يعايش شعبًا آخر ويحاول أن يصارع في وجوده دائمًا.. هناك صراع يومي ينعكس في الكتابة التي تحاول أن تكون إنسانية.. فأنت تعيش مع الذي أخذ بيتك واضطهد أرضك وتحاول أن تتجاوز اليهودي كيهودي.. للأسف نجد أن بعض اليهود من اليسار المتعاطف مع قضيتنا.. حتى هؤلاء يتخاذلون إنسانيًا كما أثبتت ذلك الانتفاضة الأخيرة، وبدا أنهم ليسوا أهلاً لمواصلة المشوار لكن دائمًا هناك نية أن نصل إليهم كمثقفين ونناقشهم.. لأنه لا بد من ذلك فنحن نعيش معهم اقتصاديًا وثقافيًا وفكريًا ويوميًا.. هذا قدرنا الذي نختص به نحن العرب في الداخل أمام مسؤوليات طرح وشرح قضية شعبنا ووجودنا ،  وأننا نفَس من أنفاس هذا الوطن.

_ هل هذا يجعلكم أكثر حرصًا على الهوية أم يعرضكم للتذويب الثقافي في نسيج المجتمع الآخر؟

·        طبعًا كانت هناك محاولات لتذويبنا، منها محاولة إجبارنا على التعلم باللغة العبرية، وذلك مع قيام الدولة ، لكن لم يتحقق ما أرادوه  بسبب بقاء الأمة العربية في الإعلام من ناحية، وقيام ثورة عبد الناصر التي ظهرت مباشرة بعد أربع سنوات من 48.. وما أعقبها من مد قومي من المحيط الى الخليج ، فكنا نشعر بأن يوم الخلاص من الاضطهاد قريب.. لكن بعد مرور بضع سنوات وبعد نكسة 67 وجدنا أن الأمور فيها شيء من الاستحالة ،  ولذلك راجعنا حساباتنا، وكان علينا أن نتعايش ونطالب بطرحين-  الأول: أن يكون لأبناء شعبنا دولة فلسطينية فيما وراء حدود 67، المطلب الثاني: أن نكون متساوين وننشد المساواة الحقة، حتى لا يكون للمواطن اليهودي  أي فضل عليّ.. ولا يكون هو السيد وأنا المسود.. فأنا كفلسطيني من عرب الداخل أريد أن أشارك في الحياة.. فإذا قلت له إنني الفلسطيني الذي يريد أن يحاربك ، وأن يحمل الحجر ضدك فهذا يبعده عن إمكانية تحقيق هذه المساواة.. أما أخوتنا في الضفة وغزة فلهم قضية مختلفة عن قضيتنا.. وهذا معروف على مستوى المسؤولين في الوطن العربي.. حتى المفاوضات الجارية لا يحق لنا الاشتراك فيها، برغم أنهم هم  الذين قرروا بأن قضيتنا تختلف .

- هل هذا يعني أنهم يريدون تحييد دوركم؟

·        هم يحاولون ذلك لكن صعب علينا.. لأن أهلنا وأقرباءنا هم في نابلس.. في القدس.. في أماكن وجودنا فلا نستطيع أن نبتعد ونقول هذا لا يعنينا ،  لأنه قدر أن نبقى معًا.. ونحن شعب واحد.. الإشكالية أننا نرى إخوتنا يذبحون..( وتهدج صوت محدثي واضطررت لإغلاق المسجل .......ثم استئناف الحوار من زاوية أخرى).

 

      الترجمة والجوائز

- أعلم أن لديك اهتمامًا بالترجمة فيما بين العربية والعبرية.. فهل تحبذ كأديب وناقد أن تترجم أعمالك إلى العبرية ؟

·        هذا يسرنا كعرب في الداخل أن تترجم أعمالنا إلى العبرية.. بل إن أحد مطالبنا أن تترجم كتبنا.. وبالفعل لي كتاب مترجم الى اللغة العبرية بعنوان (الأحزان التي لم تفهم) كتبته بالعربية ،  وتُرجم (  لعلهم يفهمون أحزاني..) وعلاوة على الترجمة هناك اللقاءات التي نتحدث فيها ونتعايش خلالها يوميًا ، ولولا مأساة شعبنا لحاولنا تدريجيًا أن نأخذ حقنا، لأنه مهما تواترت الحكومات المختلفة لا بد أن يهتموا ويعرفوا أن هناك مواطنًا عربيًا له الحق في بيته.. في عمله.. وحاولوا دون أن نصل إلى مناصب عليا ...وحالوا دون أن  نحقق أمورًا كثيرة، لكنهم لا يستطيعون أن يمنعونا من طرح قضايانا.

- هناك مشكلة ما تتعلق بالجوائز التي تمنحها إسرائيل والتي تثير ردود فعل غاضبة.. فكيف الأمر بالنسبة لك باعتبارك مثقفًا من عرب الداخل؟ وهل تقبل جائزة من إسرائيل ؟

·        بالنسبة للجائزة.. كانت هناك باسم رئيس الحكومة يمكن أن تمنح لأي مواطن، وهذه الجائزة رفضناها كعرب، وعلى المستوى الشخصي لا يُعقل أن آخذ جائزة باسم شامير أو باراك لأنها على حساب شعبنا وكرامتنا.. مع ذلك نحن كمواطنين بالداخل ندفع الضرائب وبالتالي ندفع  ثمن الجوائز، وما داموا  يأخذون منا الحقوق فلماذا لا تكون الجائزة باسم وزارة الثقافة.. وبالفعل أصبحت هناك جائزة باسم وزارة الثقافة ...وقد حصلت عليها بدون تهيب.. بدون شروط.. لأن هذا حقي وخاصة أنهم يعطونها عن مجمل الأعمال الأدبية، كما أنها تتعامل معنا كمربين ومعلمين، وكجزء من الحياة الثقافية.

    أقول لك بصراحة أن هناك لجانًا حيادية ،  وقد اشتركت في عضوية هذه اللجان وكنت اختار كُتَّابا وطنيين ومبدعين جادين دون أن يهمس أحد في أذني – هذا قريب من الصحن فحاول أن تدعمه.

- بعيدًا عن هذه الأجواء الملتبسة سياسيًا وثقافيًا.. ماذا في جعبتك حاليًا ؟

·        طموحاتي أكبر من طاقتي، وسأحاول في المستقبل القريب أن أكتب مذكرات أو سيرة ذاتية بلون جديد، في صورة مقالات على الأرجح.

صحيفة الوطن  ( السعودية ) 15/2 /2002