موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
أرفض اتهام الشعر الفلسطيني بالمباشرة والاجترار

 الرئيسية>>
  • الدكتور فاروق مواسي ابن باقة الغربية في المثلث المحاذي لمدينة طولكرم (في الضفة الغربية).  هو في أواسط العقد السادس من عمره، أستاذ محاضر في كليات باقة الغربية وحيفا، أصدر اثني عشر ديوانًا شعريًا، واثني عشر كتابًا نقديًا، ومجموعتين قصصيتين. كما أن له بعض الكتب الدراسية في الأدب والنحو.

ومواسي أسوة بكثير من إخوته الأدباء الفلسطينيين يشعر بأنه قد غمط في حقه وحجب عنه الإعلام العربي، يشعر أنه الطائر الذي أُبعد عن سربه، وهو يحاول بقواه الذاتية أن يظل قريبًا يأنس بأهله ويغرد بشجوه وشجاه.

استقبلني د. مواسي في مكتبته الواسعة المنظمة، وقد أحببت أولاً أن أعرف سر انهماكه في مادة هي بين يديه.

قال: هذه دراسة لي عن قصيدة أيها السائح لمحمد الماغوط قدمتها ضمن مؤتمر النقد الأردني الذي انعقد في جامعة فيلادلفيا من 5-7/12/1999، وأنا أعدها للنشر.

  • وهل يُسمح لكم أن تشاركوا أنتم –عرب الداخل- في مؤتمرات تعقد في الجامعات العربية؟

- الحق، هذه هي المرة الثانية التي يسمح لنا فيها في نطاق المؤتمرات الأدبية العلمية، فقد شاركت في جامعة اليرموك صيف 1998 في مؤتمر عنوانه استراتيجية التلقي، وقدمت ورقة هناك عن الصدق في القصيدة الوجدانية.

  • ما دمت تدرس قصيدة للماغوط، فهذا يستدعيني أن أسألك: هل أنت من أنصار قصيدة النثر ؟

- قصيدة النثر أتحفظ منها، ولا أتحمس لكثير من كتاباتها. أما الماغوط فهو صاحب قصيدة خاصة وله تميّزه، وحبذا أن نطلق عليها القصيدة الماغوطية، لأنها موظفة في خدمة أفكار وإيحاءات متواصلة –الأمر الذي نعدمه في كثير من الهذيان الذي يهيمن على الساحة. قصيدة النثر تكتسب شرعيتها فقط من شاعر مثقف يحسن لغته وأدبه ومعرفته بالقديم والحديث وبالشعر العالمي، وافترض أن يعرف أوزان الشعر وبحوره ومعنى الإيقاع الخارجي قبل الداخلي. فإذا أتقن هذه فلا جناح عليه أن يقول ما يرتئي له ويروق.

أنا أبحث عن صور شعرية لعقلاء ومفكرين وذوي طاقات خلاقة، شعراء يقدمون عناصر المشاركة الوجدانية والانفعال المتفاعل. وهذا يسوقني إلى القول: يجب أن تكون غربلة لأفراد القمح عن الزؤان.

  • جرى نقاش مؤخرًا في الصحف الفلسطينية حول مقالة نشرتها في الحياة الجديدة تحت عنوان التطاول على الشعر الفلسطيني ما هي دعواك، وما هي طبيعة الردود؟

- فكرة مقالي أنها ترفض اتهام الشعر الفلسطيني بأنه مجرد مباشرة وتكرار واجترار، وأنه كما يزعم نوري الجراح شعاري واجتماعي محض أو كما يزعم آخر إن الشعراء سابقًا لم يخرجوا عن النظرة الضيقة المعهودة  للوطن والأشياء والحياة هكذا بتعميمات منتفخة. وما أضحكهم أو أفزعهم أن أقول: إن الشعر الفلسطيني هو ديوان المأساة والقضية وقد أضفت إلى مقولتي اعترافًا أن هناك عزلاً وقصائد وجدانية وإنسانية عامة وشمولية، وأن هناك من أبدع وأمتع في ميادين آخرين وأفانين شتى.

لقد نسي بعضهم هذه الإضافة، وظلوا يخافون على الشعرية من ديوان المأساة والقضية.

ومما أغاظهم أنني أثبت قصائد لغسان وزكريا ونوري الجراح ليطلع القارئ على مدى اكتنازها وثقافتها وعمقها وإيحائها؟؟؟؟!!!! فتصور لو أتيت بنص من هذه النصوص أمام طلابي لتحليله –وبحيادية تامة- وطلبت منهم تطبيق طريقة ريتشاردز في كتابه النقد العملي، فماذا يمكن أن يحدث ؟ ماذا يمكن أن يستوحوا من هذه الدرر؟

لن نكفر بالشعر، بل سنظل نغني في حدائقه المشعة وغرفه المؤثثة، وستقبلنا جنية الشعر شاكرة، لن نجعلهم ببؤس اطلاعهم أبطالاً على حسابنا، فكل نفخ لهم لا يغني عن حقيقتهم، وسيبقون في أحجامهم. لقد تسلقوا على اسم درويش، وكأنهم هم خلفاؤه، وحسبوا أن لا أحد فيما بين درويش وبينهم –إلا ما ندر- لقد كتب نوري الجراح في صحيفة ما، شتائم خلاصتها أنني لا فهم المقروء، وأن موهبتي ضحلة (فله الشكر على شتائمه)، بينما ظل آخر يضحك من مقولتي حتى صار ضحكه مضحكًا. فإذا سألت أنا عن قصيدة لغسان ما علاقتها بالشعر واللغة؟ (وقد رمزت إلى خطأ لغوي لا يخطئه مبتدئ في اللغة) أجابني: إن غسان يشتغل على مشروعه الشعري بدأب وصمت وعمق وذكاء.. ما شاء الله على هذه الألفاظ والآراء الشخصية غير المشفوعة بالتعليل والتحليل... فانتظروا معي ما سيفرزه هذا الرعيل الجديد الذي سيكون فيه خلاصنا الأدبي، وستتألق معهم الشعرية والإيقاعية الجديدة، إني معكم من المنتظرين، وأعدكم أنني سأكون من الصابرين.

  • ولكنك لا تنكر أن بعض هؤلاء الشباب هم واعدون ؟

- لا أنكر ذلك، بل قدمت جائزة لإحدى الشواعر منهم ضمن جائزة قصيدة الشهيد –كفر قاسم- وذلك بحكم كوني رئيسًا للجنة التحكيم. فهذه الشاعرة حصلت على الجائزة لأنها أثبتت نفسها وأحست بقضية، والتزمت نفسيًا ووجدانيًا للغتها ولشعبها، وأنها صادقة، فأين هؤلاء الذين يرددون اسمها من طاقتها الشعرية ؟!

  • أفهم من ذلك أنك تشجع المواهب الواعدة، وأنك لست في الموقف المجابه لكل إبداع جديد كما يتهمونك.

- كثير من الشعراء يعرفون الورشة الأدبية التي أقمتها قبل سنتين، فقد كانوا يؤمونها، ونتداول جميعًا ضمن حلقة دراسية نصوصهم، وكنت أستضيف في كل مرة أديبًا معروفًا يكون له رأي في النصوص المقروءة، ويتم نقاش مثمر، فيه اطلاع ودرس، فالذي يحاور ويستخدم في حواره مقولات لباختين أو تودوروف أو الجرحاني أو الغذامي... الخ  لا شك أنه أفضل بكثير من هذا الذي يطهو نفسه في حسائه الخاص به، فقيمة كل امرئ ما يحسنه ويعرفه لا ما يدعي أنه خبير فيه من غير أهلية أو كفاية.

  • ما هو آخر كتاب نقدي لك؟ وهل لك منهج به؟

- هو قصيدة وشاعر تناولت فيه ست عشرة قصيدة لشعرائنا في الجليل والمثلث ومنهجي هو وسطي يأخذ من الذوقية كما يأخذ من الأكاديمية- الدقة في الاستشهاد والتحديد.

نقدي يطلع على المناهج النقدية الغربية ويذوتها من غير أن يتقيد بأحدها. إنه ينطلق من العيش في النص وتقديمه ميسرًا غامرًا بالجو الشعري؟ وذلك حتى يمتع ويحاول أن يقنع.

إنني من أنصار تحبيب النص للقارئ لا إدهاشه بمعنى تعقيده وإرباكه، وإنما إدهاشه بمعنى إثارة المشاعر الجمالية لديه. إن الدهشة الإيجابية هي التي تجعل القارئ يستكشف ويتماثل ويتفاعل فهذا مبتغاي ومطمحي الشعري.

  • ولكن الأبحاث التي تكتبها تختلف عن هذا الطرح الذي قدمته ؟ فهل لك أن تبيّن لنا رأيك في الفرق بين البحث والنقد؟

- البحث هو الدراسة الأكاديمية المحايدة التي تعلل وتحلل من غير تدخل الباحث ذاتيًا ومباشرة. بينما النقد هو الدراسة الفنية والذوقية في الشكل والمضمون، البحث هو عمل ووظيفة، فالوردة مثلاً تهم الباحث على أنها تعطي مادة كيميائية معادلتها كذا، أو تهمه على أنها أجزاء مؤلفة من...ومن... أو لدراسة تمايزها الفصيلي مع زهرة أخرى.

لكن النقد هو الذي يبيّن جمالها ورائحتها ولونها ، وأهمية إهدائها للحبيبة، وإذا لم يبيّن فعلى الأقل يوجه إلى...

في البحث تكون اللغة دقيقة محددة وجمل الباحث و/أو فصوله متدرجة منطقيًا ومتناسقة، والأمانة تقتضي أن يشار الى الاقتباس ويذكر المصدر، لا أن تختزل العبارات المسروقة وتعد لحساب السارق، وكأن شيئًا لم يكن.

أما النقد فهو يشمل استصفاء المادة من الحياة والأدب. فيه موقف في طرح الرأي والرواية، وكثيرًا ما نخرج أو نخلط  بينهما –البحث والنقد-. ويبقى الأمر منوطًا بمدى نجاح الكاتب في إقناعنا سواء في بحثه أو في نقده.

صوت الناقد أو الباحث هو الدليل إلى الإقناع والإمتاع .....ولكل صوت صدى.

 

كل العرب 14 /5 /2000  - أجرى الحوار : عايد عمرو