موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
حوار صريح مع فاروق مواسي : أين أنت اليوم في الساحة الادبية ؟

 الرئيسية>>

- أتراوح بين معانقة المطلق وبين الصفرية. كلما اكتشفت مجهولاً وارتدت أفقًا تبدت لي مسارب ومتاعب، أحب أن أقتحمها، أجوبها، أتقراها، أعيها، أكتب عنها، وتسألني أين أنت؟ تصور أنني في كل مكان ،  وتصور أنني لست في شيء، المهم أنا أكتب فأنا موجود - هذه الكوجيتو يناقضها أحيانًا الإحساس بعبثية الكتابة وأبسورديتها.

* ما هو الدافع الجديد لإصدار مجموعتك الشعرية في كتاب واحد؟

- لأنني أبحث عن نفسي، ويعز علي أن مجموعاتي الأولى نفدت، فإن سأل عنها أحد ولم يجدها تألمت، وإن لم يسأل عنها أحد تألمت، وفي كلتا الحالتين حضوري أهم من غيابي، وإظهار ألمي أروع من بلادتي. ولعل هناك  سببًا آخر -  أن تدفع أشعاري نقادًا جددًا إلى مداعبتها.... تخزهم أو تنعم لهم، وأنت تلاحظ أن المجموعة السادسة وهي التي أضيفت إلى أشعاري المطبوعة دعوتها من شذور التعب ،  وفي هذه التسمية دلالة موحية للناقد.

- أين أنت بين الشعر والنقد ؟

- في ظني أن أروع النقد ما يحمل شحنات الذوق والمتعة ، وهو ما ينطلق من المبدع نفسه، فإن نقدت وضعت نقد الآخرين في مرآتي، وهذا من حقي حتى لو طرحت شكلاً بنيويًا أو سرياليًا.

الكتابة عندي فيها حدس وهوس وتحفيز داخلي ومؤشر يهدف إلى مبتغاي المباشر ،  وبمقدار ما يتحلى الصدق في شعري إلى صفاء الدمعة وارتفاع وتيرة الدم فإن المقال النقدي معقلن ومؤطر، فيه المسؤولية عن الحكم، وفيه ذائقة قد لا تعجب البعض، لكنها أمام المحك تثبت. وأنا أقنع بعض الناس ناقدًا أكثر مني شاعرًا ،  مع أنهم يتوجهون إلي يسألونني دومًا عن جنية الشعر- كيف حالها؟ وقد يزاحم النقد بحوث أكاديمية فيها بعض الجفاف ،  إلا أن ضرورتها لعلميتها وسياقها لتأصيلها لا معدى عنها.

*  هل يقوم الناقد فيك بمراقبة الشاعر ؟  

- بداهة ..وحساب القصيدة عندي جد عسير ، فبعد أن أهذبها وأشذبها أقرأها  ، فأكتشف العلائق والدقائق ، ثم أقرأها على متذوق ، فإن علّق بما يقنعني  صوبت، وإن استهحنت ملاحظته وثقت نفسي ولا أبالي. وقد يظن البعض أن اعتزازي برأيي فيه غرور ناسين أن بين الغرور والثقة خط رفيع لا ندري أين هو.

كيف تقيم حركة النقد الأدبي في بلادنا ؟

أقول صراحة إن الوضع في العالم العربي كله وليس عندنا فقط، فيه الكثير من الهبوط، فالألسنية واللغة كبنية تبادلية، وشكلانية اللغة أين نحن منها؟ والنقد الجديد والرؤية الجدلية للوجود والزمنية الروائية والنص المضاد ماذا نفهم منها؟ وهل نحن نتابع كتابات تودوروف ومورون وبلاشار وبارت ولوكاتش وتيل كيل والان بوارسون وغيرهم؟ وماذا ندرك من سوسيولوجيا النقد عند لوسيان غولدمان. والكذب الرومنتيكي عند رينيه جيرار، وماذا نعرف غير غيض من فيض؟ ومجلة فصول تبهرني وكتابها يفائلوني ومجلة ألف التي تحررها سيزا قاسم فيها مشرع للنقد الجاد.

وعندما يستبد في الشعور أنني ناقد أقول لنفسي: مهلاً، هل فهمت هذه الكتابة الجادة؟ هل ألممت بالمدراس الحديثة وتفرعات البنيوية ؟

أين تعتبر نفسك من أبناء جيلك؟

كان الأجدى أن يجيب الآخرون ،  وأنا متهم بأنني أنظر في مرآة نفسي أكثر مما يجب، ومع ذلك فلن أستجدي أحكام احد ،  لأن الكلمة عندي مغموسة بالهم ،  أو مأنوسة بالوجد، محشودة بالمعاناة ، أو مشدودة بالسهد الواعي.

والأجيال عندي أعجنها في خليط قد يروق وقد لا يروق، ومن يوم أن عشق قلبي كفر بالعمر.

*ما هو تقييمك للحركة الأدبية عامة.. والشكل الشعري خاصة ؟

 

- مع أني رأيت تراوح الألم والأمل ميزة خاصة لنا، ومع أني شممت رائحة التربة مضخمة بالدماء الراعفة والعرق يندى من جبين الحرف، إلا أنني أشعر بضآلة ما أبدعنا قياسًا لما عانينا، فأين الرواية التي هي  بحجم المأساة تفصل وتنقل. قسمًا لو كانت قصص البطولة عندنا لدى كتاب آخرين كالكتاب السوفييت أو كتاب أمريكا اللاتينية لكانت الرواية كلها عربية محضة. اقرأوا مائة عام من العزلة مثلا ووازنوا أين نحن من الرواية ؟  وأين الرواية منا؟

أما المسرح وحتى الأغنية التي يحفظها ويرددها الجميع  -الأغنية الجماعية- وأدب الأطفال فهي باهتة تشي بضعف الدم –أنيميا أدبية.

وأما الشعر والقصة القصيرة فما أكثر ما يكتب ،  وما أقل ما يترك أثرًا، ويظهر لي أن الشهرة لا تتأتى في يوم أو يومين ،  بل عبر أعمال أدبية ومواقف ومتابعة وتعاطف، وقد ينقاد المهر ذلولاً من غير أن بغالبه المروّض.

وأنا أتدارك وأنحسر ، وإني لأخشى أن بكون شعرنا بأغلبه من التصنيف الذي لا تشتهي أن تسمعه.. إن لم يكن أكثر.

كيف تنظر الى ما ينتجه الشعراء الشباب ؟

مقياسي الأول: هل انطلق الشاعر من معرفة عروضية؟ هل تنعكس ثقافته على وجدانه عبر خيوط الكلمات ونسيج الموقف؟ وقد أتسامح وأتجاوز عن العروض إذا حلق الشاعر في صور إيحائية وفي أبعاد ثرية بالنبض ،  ولكني لن أعفو عن أخطاء لغوية ونحوية.

أحب الأدباء الجدد وهم يتهافتون على القراءة وبلغات مختلفة، أحبهم وهم يلتزمون بمنحى فكري أو اجتماعي أو سياسي يعبرون عنه بصورة غير مباشرة ... أحبهم وهم يبوحون ويجرؤون، وسأسوق لك مثلا من كتابات شاعرة جديدة اسمها جنى شوقي من قصيدة لها بعنوان قبلة :

قبلة فوق ثغري أشرقت

في عتمة الخوف أبرقت

تمنيت تمنيت

لو طالت، حملت ولدت

ألوفًا من القبل

تمنيت تمنيت

لو طالت

أحرقت، أغرقت

شفاهي... فأغمض المقل.

وبرغم جرأة هذه الشاعرة التي يقف عندها القارئ أكثر مما يقف عند شاعريتها إلا أنني أشعر بضرورة ترجمتها إلى لغات أخرى حتى نواكب حركة الشعر الإنساني والعالمي ..اسمعها تقول:

عيناي جواز سفر

شفتاي تذكرة الدخول

وعند ثغرك الجميل

نقطة العبور.

أتراني أتحدث عن الجنس أم عن الشعر الصافي؟

* هل قمت بواجبك نحو إنتاج الشعراء الشباب ؟

- أظن أن الورشة الأدبية التي بدأتها في المركز الثقافي في باقة الغربية ،  وتباعًا كل أسبوعين هي بعض ما قمت به.

يشارك العشرات من الأدباء الجدد من مختلف أنحاء البلاد ، ويصغي لكلماتهم بعض أدبائنا المعروفين برز بينهم سميح القاسم، ومحمد علي طه ،  وعبد الناصر صالح، وعصام خوري، وسيشارك آخرون غيرهم، وهؤلاء يوجهون الشباب بملاحظاتهم، وقد أشار سميح بهذا النشاط وقال: للمرة الأولى يجري عندنا عمل رائع من هذا القبيل، عندما كتبنا ونحن يافعون كانوا يسخرون منا... أحييكم وإلى الأمام وسنصدر كراسة تضم أعمالاً منتقاة لهؤلاء الشباب.

* لك مجموعة قصصية هي أمام المرآة كيف تقيمها اليوم بعد سنوات من صدورها؟

-هي تجارب، حزنت لأنهم لم يتناولوها بالدراسة الجادة، ولأن قصتيَّ أمام المرآة وعبد الحي أعتز بهما جدًا، ولم يفهمها أحد ، باستثناء ملامسة رائعة للقصة الأولى قام بها القاص محمد علي سعيد، الذي كتب دراسة مضمونية عن المجموعة شفت بعض الغليل ، ووعد أن يكتب القسم الثاني عن أسلوبيتها، وهو يعترف أن دراسته استعراضية تعريفية.

أمام المرآة يجمعها سلك من السرد الذاتي، فيها أساليب جديدة، وقد وعدني أن يكتب عنها الناقد المعروف عبد الرحمن أبو عوف.

* ما هي مشاريعك القريبة ؟

- بعد أن أصدرت كتابين تحليلين للأدب العربي الحديث: الجنى في الشعر الحديث الجنى في النثر الحديث كلفتني وزارة المعارف أن أعمل ضمن طاقم لتأليف كتب النحو للصفوف الثانوية والطاقم بإدارة د. فهد أبو خضرة، وعضوية الأستاذ اللغوي إلياس عطا الله، وفي طريقتنا تجديد أسلوبي بيّن، وأظن أن مثل هذه الكتب يعود بفائدة جمة على طلابنا.

وهناك لا أقل من عشرة كتب تنتظر أن ترى النور.

                             الشرق عدد 2 / 1987    أجرى الحوار :  ناجي ظاهر