موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
الشرق :حوار مع شخصية العدد: د. فاروق مواسي

 الرئيسية>>

استقبلنا الدكتور فاروق مواسي في منزله الجديد في باقة الغربية. حيث طالعتنا على واجهة المنزل الآية المنقوشة وقل ربي زدني علمًا، وكانت البشاشة المعهودة في فاروق ترحب بنا أجمل ترحيب. وفي المكتبة العامرة المنظمة كانت لنا هذه الحواريات.

* نرجو أن نبدأ بمشاريعك، ماذا في الجعبة بعد كل هذه الحصيلة من نتاجك؟

      طموحاتي أكبر من طاقتي، وأحيانًا أتمنى لو أنني أكثر من فاروق لأكلفه بمهمة مّا في خاطري تحقيقها.... وإلى الإجابة: أولاً سأصدر مجموعة شعرية للصغار بعنوانأشعار للصغار، وكذلك سأصدر مترجمات شعرية عن العبرية، كما سأصدر المجلد الثاني من أعمالي الشعرية... وفي المستقبل القريب سأخرج مقالات/مذكرات هي نوع من السيرة الذاتية بلون جديد (وبالطبع فهذه السيرة ستكون الجزء الأول....) ولديّ مقالات أدبية قد أجمعها في كتاب.

* نلاحظ أن جمع المقالات أصبح سنّة متبعة، فهل ما ينشر دائمًا يجب أن تضمنه دفتا كتاب؟

     ليس بالضرورة، وأنا مع الذين يفحصون المادة عميقًا، فإذا ارتأوا ضرورة حفظها وتكرارها فلهم ذلك... الكتاب في نظري يحفظ، بينما المقالة في الصحيفة قد تضيع هدرًا.

* نحن نرى أنك تكتب ألوانًا أدبية مختلفة، وقد يحبسها البعض إيجابًا، وقد يحسبها البعض الآخر سلبًا فما هو رأيك أنت؟

     كل ورأيه، ولكني عندما اكتب أكتب لضرورة أمليت عليّ، فقد تنبجس المادة شعرًا أو نثرًا... إنه همّ تترجمه أحاسيسي بما ترتئي، والأمر ليس بيدي. أما إذا أصر البعض الآخر على السلب فإنني أقول: ألا يعرفون اليوم مصطلح الكتابة الجديدة، وأن الأهم هو النص، ولا يهمنا لونه أو نوعه. يهمنا كيف نقول، ولا يهمنا ما هو الإطار؟

* اسمح لنا أن نعبر عن رأي مشترك لنا، هو أننا نرى فيك ناقدًا بادئ ذي بدء، فما قولك؟

       اعترف أنني بطبيعتي أو بجبلّتي الأولى خلقت ناقدًا، ونقدي وملاحظاتي الاجتماعية والأدبية والفكرية تسبب لي أحيانًا حرجًا قد أكون في غنى عنه لو أمكنني ذلك، وذلك بسبب جرأة الطرح، ولا أخاف في الحق لومة لائم. ثم إن القصيدة أصلاً هي معاناة وانعكاس لوضع أو حالة فيها نقد ما، فيها توجّه ورؤية، فيها المنشود الذي حال دونه الموجود.

* وما وظيفة النقد في مقياسك؟

النقد أصلاً ولغة هو تبيان المحاسن قبل المساوئ، وهو استصفاء وذوق واتخاذ موقف، فيه-شئنا أم أبينا- تقويم، وفيه توجيه غير مباشر، وفيه تفسير.

ويردد الكثيرون عن ضرورة المنهج أو تعميق رؤية الحياة بإطار ما، وفي رأيي أن هذا ضرب من الإحالة، فالنقد جزء لا يتجزأ مكن مبنى الشخصية الناقدة، وعلى ذلك فأي منا هو مُكَوَّن نهائي غير جدلي؟!

بصراحة لا أرى ضرورة التقيد بأي منهج لا نفسي ولا اجتماعي، لا بنيوي ولا تأويلي... كل نص يقدّم نفسه كالمرأة/الرجل له اللغة المنساقة معه/معها؛ ويحددها الطرف الآخر. وأنا لا أطلب شهادة التغريب واستخدام المصطلحات غير الناجعة في السياق غير الصحيح. أطلب شهادة نفسي أولاً ... وأخيراً - ومع ذلك - لا بد لي من الاعتزاز ببعض الشهادات من أدباء ذوي مكانة مرموقة رأوا بي الناقد بلام التعريف، ونحن- جميعا- في غنى عن الادعاء ، فاعذراني إذا لم اذكرهم!

* ولكنك تكتب الأبحاث كذلك؟ فهل هي نقد؟ وكيف ترى نفسك باحثًا ؟

البحث معطىً أولي في الدراسة الأكاديمية، الباحث محايد لا يحلل ولا يعلل إلا بموضوعية، ولا يقحم رأيه أو عواطفه من غير أن يكون لها دليل وشفيع في ثنايا البحث.

البحث عمل ووظيفة ... وقد سقت مثلاً للتفريق بين البحث والنقد:

الوردة تهم الباحث على أن لها أجزاء من كأس وتُويج ومتكّ... أو تهمه على أنها تعطي مواد كيماوية معينة، أو قد تعينه لدراسة التمايز الفصيلي، لكن النقد هو الذي يوجه إلى بيان جمالها ورائحتها ولونها وحبًنا لها وعلاقتها مع عناصر الطبيعة المختلفة .

أما كيف أرى نفسي باحثًا فأصدقكما أن البحث لديّ فيه رسالة، أريد توصيل شيء ما من ورائه، ولا اقتحم الموضوع إلا بعد دراسة كل ما كتب عنه... أدخل إلى كهف الموضوع وأستقصيه، ولا أبتّ في جزئية دون أن تكون موظفة في بيان ما أريد التدليل عليه...

لا أخرج المعاني أو الأقوال من كُمّي، فكل قول موثّق، والتساوق مسترسل، ولن تجدني أسطو على أفكار أحد لأنتزعها منه مدعيًا لها...

أما ما ينقصني – وقد لا يكون الذنب ذنبي – أن ليس لي مواد منشورة بالإنجليزية في مجلات علمية مختصة، وبالطبع فهذا الأمر يبقيني إلى حد بعيد مغمورًا على المستوى العام.

 

* لماذا أنصفت بعض الأدباء المحليين وغمطت بعضهم الآخر؟

يخطئ من يتصور أنني سأكتب عن كل أدبائنا، فالكتابة تتأتى لظروف موضوعية، فقد تهمني ناحية ما في هذه القصيدة أو تلك، أحب أن يشاركني القارئ فيها. قلت في مقدمة كتابي قصيدة وشاعر:

أكتب ما يحوم في الوارد، وأعايشه في الخاطر ، أنساق مع المحفز، فأكون سادنًا في محراب الكلمة، آنس بها وأنا أغازلها – مدركًا أن هناك حسانًا أُخر - )

فالنص يحاورني وأحاوره، يستعصي عليّ أحيانًا فأراوغه، حتى أستشف منه خواطر وخلجات نابضة.

* ولماذا هوى نجم بعض من أشدت بهم؟

لا أعرف ما هو المقياس في ذلك؟ يلاحظ القارئ الحصيف أنني لا أكيل المديح جزافًَا، إنني امتدح الظاهرة لا الشخص الشاعر، وبالمقابل لا أقدح أحدًا (طب لزق)، ثم من قال أن قولي هو الفصل؟! إنما هو اجتهاد قد أصيب فيه ...وقد أخطئ.

* وأنت هل أنصفك النقد المحلي؟

أحس أنني غمطت و(تجوهلت) إذا صح التعبير، ولكني على يقين أن نهاية المطاف لن تكون إلا لمن ترسخ قدمه وترتفع هامته، وبصراحة – ثانية – كتب عني الكثير، ولكن أكثره دون ما يشفي غليلي... ثم ألا توافقان أن نقدنا المحلي عامة مصاب بـ( الأنيميا ) - ، والمسالة ليست مقصورة على الكتابة عن شعري فقط.

- والشعر؟ كيف تعرًفه ؟ وكيف تراه؟

في قصيدتي فراشة   تظل  لفظة حب هي خلاصة شعري ، فالقصيدة تلك الفراشة الزرقاء التي لا تترك إلا الحب الشمولي ، أنصهر مع التجربة، وأبوح بما تفيضيه النفس الجياشة بما يعتلج فيها... الصدق هو العمود الفقري الذي تبنى عليه قصيدتي، تتكئ القصيدة لديّ على الإيقاع والترنم، وتتغذى بإيماضة فكرة، وتنام على سرير الانفعال، وتنهض على التواصل. المزارع يفرح إذ تزهو النبتة في طلعتها. العاشق يفرح إذ يتلهف للثغر، الأم تفرح إذ... لكن كل الغبطة هذي أدنى في مقياس الفرحة، من فرحة الشاعر في نشر قصيدته، وفرحة الوردة في نشر أريجها.

أما عن الشعر المُعَمّى من (أفيوني) أو (دخاني) أو (تكلفي) فقد خاطبت أصحابه بتساؤل:

لو يأتينا من يخطب في محفل

يلقي كلمات مفقوءه

من يستعملها؟

بل من ينصت كي يسمع؟!

لو يأتي من يحفظ شعرًا مخصيًّا

أو معميًّا

يلقيه على مسمع معشوقه

هل تنصت شفتاها؟

هل ينبض نهداها؟

هل تطلق آها؟

أم تتحرك رجلاها للمشي بعيدا

ويداها لوداع؟؟؟

* نلاحظ أنك كثير الحفظ من الشعر القديم، فهل لحفظك تأثير ما على قصيدتك؟

       بالطبع، فثمة تناصّ كثير هنا وهناك، وقد يعتبر البعض ذلك إيجابًا كبيرًا أو بالعكس... وأرى أن في الاعتدال صحة، والأنساق اللغوية والبُنى المأثورة يجب أن تكون ذات فعالية، والأصالة ضرورة إذا انتقينا منها ما هو الأنقى، ولا ينقطع الخيط.

* القصة القصيرة... هل تعتبر نفسك ذا خصوصية فيها بعد أن أصدرت مجموعة (أمام المرآة)، وأعدت نشرها مضافة إليها قصص أخرى؟

القصص جميعها فيها تكثيف، وفيها لغة السرد الذاتي(الأوتوبيوغرافي)، تجمع القصة لديّ زخمًا أو طاقة فنيّة، هي أشبه بالقصيدة... فما عجزت عنه شعرًا في رثاء غسان كنفاني – مثلاً – عبّرت عنه قصتي (أمام المرآة).

ويعرف قراء الواقعية معنى قصة (أنفة) ويحضرني قول القاص سهيل كيوان عن هذه القصة (أرغمتني دائمًا على تخيل حركة حمدي السكاك).

وبالمناسبة فمن أجمل ما نُقدت به قصتي كانت دراستك يا محمد علي سعيد بعنوان (أبعاد المضامين في مجموعة فاروق مواسي القصصية) ولا أغالي إذا قلت إنها من أرقى ما كتب في نقد القصة في بلادنا، أقول ذلك لا تحيّزًا والله!

* والمقالات الاجتأدبية؟ ماذا تعني بها؟ وما ضرورتها؟

الاجتأدبية نحت من لفظين (الاجتماعية) و (الأدبية)، فالمقالات جميعها تهدف إلى إصلاح المجتمع، وفيها نقد مرير لواقع مؤلم، وأرمي من وراء المقالات إلى التغيير، فما جدوى كتاباتنا إذا بقينا جوار السياج نتغنّى؟ لماذا لا نعبّر عن مواقف يومية في الحقل بلغة راقية وبفكر نيّر؟

فالوطنية الحقة تتبدى في المعاملة، وازدواجية السلوك خطر محدق، وقتل الأفكار قمع لوجودنا، والحديث عن أصحاب المهن ومماطلاتهم، وعن الأغنية الجماعية، وحفظ التراث، والحفاظ على الوقت و – و.... كل هذه مسائل نعاني من تصرفات خاطئة فيها... فلا أقل من كلمة وموقف.

لقد قلت غيضًا من فيض، ويعلم الله أنني لن أماري أحدًا، فالحق أحق.

* ودراساتك اللغوية.. هل أنت ماض فيها؟

تعلمان أنني عضو في لجنة المناهج، وقد أصدرنا – بالتعاون مع د. فهد أبو خضرة والأستاذ إلياس عطا الله – خمسة كتب في النحو لطلاب المرحلة الثانوية... بل إن المنهاج – وخطته – كان بمبادرتنا أصلاً… ولديّ مجموعة مقالات كنت قد نشرتها في مجلة (صدى التربية) في أوائل السبعينيات، وهي بعنوان (من أحشاء اللغة)، وتقع في ست عشرة حلقة، ولدي كذلك زهاء ثلاثين حلقة إذاعية ضمن برنامج ( وقفة مع اللغة)، وهي على نمط (قل ولا تقل)… وسبب عدم نشري لها حتى اليوم يعود إلى ضرورة التحقيق والتدقيق أكثر، فالكتابة مسؤولية وأمانة، وما تيسر لي قبل ربع قرن لن يمر في مصفاتي اليوم بسهولة… ونقدي الذاتي عليّ شديد.

* يلاحظ أنك لم تكتب الرواية … وقد قيل إن عصرنا عصر الرواية فما رأيك؟

كتبت رواية يتيمة لم انشرها، وهي بعنوان( الحب البعيد)، وقد قطعت عهدًا على نفسي يوم أن كتبتها سنة 1990 أن أبعد الشقّة بيني وبينها لا أقل من عشر سنين، حتى أنسى خيوطها وخطوطها، فأعود إليها لأقرأها قراءة محايدة... إذًا أنا في الانتظار – قبل القراء – لأحكم عليها بمنظاري الجديد.

أما إن عصرنا (عصر الرواية) فلا أوافق على ذلك، لأنني أرى أن عصر (الإنترنت) هو الطاغي؛ والكلمة الأدبية/الصورة الجميلة هي الأصل، ولا يهم – مرة أخرى – أي أطار وضعت فيه.

* نحب أن نسألك عن (الورشة الأدبية) ما هي؟ ولماذا توقفت؟

هذه الورشة فكرة بدأتها في السبعينيات، وقد واتتني بعد أن كلفني أ.ب . يهوشع في جامعة حيفا أن أرعى أقلامًا عربية ناشئة، وذلك ضمن دورة ترعاها  الجامعة... ولم تخرج الفكرة هناك إلى حيز التنفيذ، فأخرجتها في باقة الغربية، ودعوت الأدباء الشبان للمشاركة فيها، فيقرأ الأديب بعض نتاجه، ويستمع إلى ملاحظات زملائه، وإلى إرشاد أديب ضيف من أدبائنا المعروفين، وفي تداول الآراء والنصوص يكون إثراء. وكانت الورشة تتجدد بين الفينة والأخرى، ويشارك فيها بعض الأدباء الذين ظهرت أسماؤهم فيما بعد، وأزعم لنفسي أنها فكرة رائدة أولى.

أما لماذا توقفت ؟ فلأن بعض الأدباء أخذوا يتطاولون  أو يتجاهلون أو يدّعون، فكأني أردت باطلاً من حيث أردت الحق... وشيء مهم آخر هو أن عنصر التضحية لديّ أخذت تقارعه الهموم اليومية والانشغال بالذات. ومن يدري فقد تعود الورشة بلباس آخر وبهمة أكبر.

* ولكن، يُعرف عنك أنك قاس مع الكتابات الجديدة فكيف توفق بين الرعاية والقسوة؟

الإجابة في شعر أبي تمام:

                     فَقَسا ليزدجروا ومن يكُ حازمًا

                                                فليقسُ أحيانًا على من يرحم

إذن فالرحمة قائمة، وقول الشاعر (أحيانًا) يبيح لنا أن تتصور ضرورة رعاية الأقلام الجديدة، ولكن بعد اقتناعها بضرورة الجدية والمثابرة والأصالة والانضباط اللغوي أولاً قبل الانفلات منه... أما أن يبدأ الأديب قفزًا فذلك مؤداه إلى التهلكة والتعثر.

* هل تحمّل الصحافة مسؤولية الخلط بين الغث والسمين في الكتابات الجديدة؟

نعم، فكم من صحيفة فيها محرر أدبي بحاجة هو أولاً إلى مساعدة... حبذا أن يكون في كل صحيفة مشرف أدبي على المواد المنشورة – تكون لديه القدرة النافذة على توجيه الأقلام ورعايتها، وتكون لديه المسؤولية الجسيمة، ويكون هو أصلاً لها، ولكن...

* نلاحظ أنك تعزف هذه الأيام عن الكتابات للصحف؟

الملاحظة صحيحة، فقلما أرسل مواد للنشر، ذلك لأنني أحس بعدم تقدير المادة حق التقدير، فهي أما أن تنشر بحرف غير ملائم، أو في ذيول المادة الأدبية، أو انك ترى في الصفحة الأولى إبرازًا لسواك، وكأنك أنت لا في العير ولا في النفير.

لقد آثرت أن انشر مباشرة في كتب/دراسات مستقلة، فمن يهتم بكتاباتي يطلبها، وأنا سأرسلها بالمجان... اللهم لمن يقرأ فقط، لمن يقرأ ، لا لمن يكدسها بين كتبه وينساها... أرجو ألا تصل بي الحال إلى ما وصلت إليه لدى الجرجاني حيث قال: أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلة؟!

* أليس للإطارات الأدبية علاقة بالتوزيع... أو هكذا هو المفروض ؟

هذه الأطر كثيرة كأسماء القط، وما أحرانا أن تكون في إطار أدبي مستقيم وديموقراطي حقيقي ينتظم في سلكه الأدباء الأدباء.

كنت مؤسسًا لرابطة الكتاب العرب ضمن اتحاد روابط الكتاب في البلاد، بل كنت رئيسًا حتى قبل سنة، ولم تُغْنِ هذه الرابطة عن الحق أو الأدب شيئًا، لأن الميزانيات كانت معدومة أصلاً... وكنت مؤسسًا في اتحاد الكتاب العرب ومن ثم الاتحاد العام ،  بل كنت نائب رئيس، وقمنا ببعض النشاطات ولكنها توقفت.

باختصار أخذت أقتنع مؤخرًا ( أن تؤلف مع نفسك الإطار الذي ترتئيه، وكفى الله الأدباء شر الخصام).

* يلاحظ المتابع لنشاطاتك الإبداعية انك كنت دائمًا محفزًا أو محورًا لنقاشات حادة بين الأدباء ؛ فهل توافقنا على ذلك؟

إلى حد ما هذا صحيح، وقد تكون هذه علامة تضاف لي ولا تخصم مني، فالحوارات الحادة حول رابطة الكتاب العرب في الثمانينيات، ثم حول (الإتحاد) و رابطة الكتاب الفلسطينيين ثم حول ما نشره أحمد منير – كل ذلك كان بعد أن ألقيت حجرًا في كل مرة في بئر راكد، والتشبيه الأصح بع أن فجرت ركودًا.

* في هذا العدد الخاص بتكريمك تعترف رسميًا ولأول مرة أنك أحمد منير، فمن أين جئت بهذا الاسم؟ ماذا كان قصدك من كتاباتك؟ ولماذا توقفت؟

أحمد منير هو اسمي الأول في شهادة ميلادي الرسمية التي صدرت في طولكرم، ولذا فعندما أقسمت أن هذا هو اسمي الحقيقي عمّقت التنكر فعلاً... وظل القراء يتساءلون كل يوم جمعة من هذا؟

كنت أراقب التلهف والمتابعة والاستفسارات الكثيرة لصحيفة الاتحاد، وللجنة المركزية، ولتوفيق طوبي، وتوفيق زياد، ولجلسات تحليل كتابة أحمد منير... وأعترف أن زاوية(مداعبة/معاتبة)، وهي تنتهي دائمًا بجملة (وتحية حب رغم كل ذلك) كانت تثير مناقشات أكثر مما كنت أثير في كتاباتي باسمي الصريح.

لقد أردت أن أكاشف أدباءنا بصراحة من غير حساسيات العلاقات القائمة بيننا، ويعلم الله أن الغرض شريف محض... ولكن سيل الهجوم الكاسح على  أحمد منير، والسخرية المرة المتجنّية... وما أثاره مقالي المتسرع ( جرد حساب الأدباء)  - كل هذا كان يدل على ضيق الأفق في مساحتنا الأدبية...

وقد تعلمت أن أغلبية أدبائنا الساحقة تعتبر أنفسها في مستوى أدبي لا يصح أبدًا أن  تطاله مداعبة أو معاتبة... فهذا يريد من أحمد منير بحثًا وذاك يريد منهجًا... بيد أن فكرة الزاوية كانت على أساس نقد ذوقي مبني على أسس علمية وأكاديمية، وبالمناسبة مثل هذا النقد سميته في مقدمة كتابي (عرض ونقد في الشعر المحلي) – (المنهج الوسطي)، ووصفته بأنه يأخذ من (الأكاديمي) الدقة في الاستشهاد والحذر في الأحكام، ويأخذ من (الذوقي) ذاتية جمالية استشفّها من خلال التجربة ....ولست ازعم أنني أشق طريقًا في المناهج النقدية، لكني أسلك دربًا يبعدني عن جفاف الأول وانزلاق الآخر.

أما لماذا توقف؟ فالصحيفة أبت أن أواصل باسم مستعار... وهذا حقها.

ولا بد من الإشارة إلى أن هناك مقالات أخرى نُشرت في الصنارة  وقعها أصحابها (بقلم: أحمد منير) وهي ليست لي، وهذا يدل على إن هذا الاسم الأدبي حفر في الوجدان لونًا يتسم بالجرأة والمسؤولية.

* دراستك الأخيرة (القدس في الشعر الفلسطيني الحديث) ماذا قدمت فيها؟

تطرقت أولاً إلى ندرة (القدس المكان)، وأن القصيدة الحديثة هي التي توقفت على الجزيئات والتفريعات ضمن وحدة الموضوعة أو رؤية الموقف... تحدثت عن القدس باعتبارها موتيفًا (Motif)  لقدسيتها،فكانت قصائد تشي بالتفاؤل والبحث عن الخلاص، وبعضها كان ذا طابع اتهامي حاد ونبوءة صارخة بالخطر المحدق... وكانت رموز القدس الإسلامية والمسيحية تتجلى من خلال التعبير القومي العربي... وتحدثت عن استلهام التاريخ الكنعاني للتأكيد على حق الفلسطيني في مدينته...

ومن العجيب أن عشرات الشعراء سألوني: لماذا لا تستشهد بشعري في تضاعيف الدراسة؟ ونسي هؤلاء أن الدراسة انتقاء – تأخذ ما يسعفها في طرحها، ولا يمكن أن أتناول كل من كتب عن القدس بضعة أبيات هنا وهناك، أو لأنه ذكرها ،  فالموضوع هو الذي يحتم الضرورة، ثم ليس كل من كتب (القدس) أهلاً لأن نأخذه مأخذ الجدية في التناول الشعري.

* كتبت أنت أربع قصائد ولم تتناولها في دراستك فهل هذا تواضع أم تنازل؟

على الباحث المسؤول أن يدرس الموضوع بمنتهى الحيادية، ولا أظن أنني سأكون حياديًا مع نفسي، فقد آثرت أن أترك ذلك لباحث غيري ليقول كلمته. وما دمتما قد سألتماني عن قصيدتي فأحب أن أختم هذا اللقاء – إذا أذنتما – بالإشارة إلى قصيدة (القدس – قصيدة أخرى – قرأتها في افتتاح معرض الكتاب العربي في القدس بإشراف الأخ صالح عباسي ومكتبة (كل شيء) قبل فترة وجيزة، وقد قرأت هذه القصيدة بحضور رئيس البلدية إيهود أولمرت، وقدم لي يومها وبرغم ذلك - هدية تذكارية رمزية.

الشرق  العدد الرابع تشرين الأول 1996

  أجرى الحوار:

 محمد علي سعيد ومحمود مرعي