موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
لقاء مع الشاعر الناقد فاروق مواسي..الأخطاء الإملائية واللغوية أهم عيوب الشعراء...

 الرئيسية>>

الدكتور فاروق مواسي من باقة الغربية أحد الوجوه الأدبية البارزة لدى عرب 1948، وقد أصدر أحدى عشرة مجموعة شعرية وعشرة كتب نقدية ومجموعتين قصصيتين وكتابين إجتأدبيين، بالإضافة إلى مجموعة من كتب النحو العربي معدة لتدريس الطلاب حسب المنهج الجديد الذي خطط له هو بالتعاون مع آخرين.

ومواسي في أواسط العقد السادس من عمره، يواكب النشاطات والإبداعات الثقافية في العالم العربي، وهو من الداعين إلى التواصل المستمر مع الأخوة في الأرض العربية حتى لا يظل الطائر بعيدًا عن سربه، وهو يأمل أن تجد كتبه وكتب زملائه لدى الناشرين من يرعاها ويعرّف بها في الوطن العربي، لا أن يظل الأمر مقصورًا على بعض الأسماء التي برزت في ظروفها  الموائمة. وكان الشاعر المصري عبد الله السمطي قد أجرى معه هذا الحوار

* هل لك أن تحدثنا عن بداياتك الأدبية!

يتشرب الأديب عناصر الأدب منذ يفاعته، وقد تسنى لي أن أطلع على الكتب الأدبية بفضل والدي الذي كان يحضر معه من يافا في أوائل الخمسينيات بعضًا من ذخائر الأهل، وأشهد على نفسي أنني بدأت مطلعًا من الطراز الأول، فقد قرأت، بل حفظت كتاب تاريخ الأدب العربي للزيات في الإعدادية، وختمت القران لا أقل من اثنتي عشرة مرة، وقرأت (المنجد) مادة مادة وقس على ذلك.

أما أول قصيدة نشرتها فقد كانت في صحيفة (المرصاد) سنة 1968 ومطلعها:

جَنّ النهارُ فلا نَسمٌ ولا زهر

                                              قسا المساء فلا حب ولا سمر

أحسُّ بالوحشة الخرساء تلسعني

                                             ففي حشاي سياط النار تستعر

أما مقالاتي الأدبية ونقداتي الاجتماعية فقد بدأت بالظهور قبل ذلك بكثير.

س: كيف ترى واقع القصيدة العربية في ضوء تجربتك الشعرية؟

ثم (كم) هائل من الركام الشعري، يوازيه عدد هائل من الادعاء بالأولية للإبداعية ونسبتها للذات من جهة، واستنكاف أو – على الأقل- إنكار لتجارب الآخر.

ألاحظ هشًا كثيرًا وهشيمًا تذروه أقل هبة ريح، ولكني ألاحظ كذلك قصائد أخرى تثير دهشتي وقراءتي لها أكثر من مرة، وليس بالضرورة أن يكون صاحبها ذا شهادة أدبية تجيز له أن يقول ما يقول في عصر التخدير والإيمان بالمسلمات.

أطوف في القصائد وحولها، تصاحبني أشكالها وإيقاعها وروعتها وهذيانها، ارتعاشها أو مواتها، ولا إنكار أن هناك ما يروع (وللتذكير فللكلمة معنيان).

* يتجه الشعراء الجدد الآن إلى كتابة قصيدة النثر فهل جماليتها كافية لصنع شعرية جديدة؟ وما رأيك في الشعراء الجدد؟

كنت أقول للمبدعين الشباب في الورشة الأدبية التي أسستها لهم على مدار عشر سنوات: اقرءوا ولا مندوحة من  تكرارها كما فعل شكسبير . أما العيوب التي تصم شعراءنا الجدد والمتعجلين منهم خاصة:

1) الأخطاء الإملائية واللغوية... ويفتضح الأمر أكثر إذا دُعوا إلى منصة، فهنا تكون الطامة الكبرى، ونخجل جميعًا على حساب الشعر، فالنحو في إجازة لا يدري أحد متى تنتهي لديهم.

2) الإغراق في التعمية والإبهام، وكنت قد دعوت بعض هذا الشعر الشعر الأفيوني وقصدت هنا ظاهرة أعتبرها زيفًا وتضليلاً قدر ما هي افتراء على الشعر والحقيقة بل الذات... .

ومن هذا الشعر أيضًا الشعر الدخاني ولعل هذه التسمية بفضل المثل ( خير ما في منه خير، ودخانه بيعمي العينين)، فهذا الشعر مؤذ على الأقل لي- ولا أستطيع إزاءه إلا أن أهرب لأنجو بذائقتي ولغتي  ، كما أنجو من السعال والدموع، ومثلي أمثال. فبالله، كيف تريدني أن أصدق شاعرًا يجعل شعره ألغازًا وأحاجي ، وهو لا يفكها (ولا يكفها كما يقوم المعلم دريدا)،  وإذا استغبيت نفسك وتابعت أقواله فإنك لا محالة واقع في وهدة سحيقة، وهات يا خيال ويا شرود!

كيف يستطيع شاعر شاب أن يدخل إلى محراب الشعر من غير تعرف حقيقي إلى قومه تاريخًا وقصصًا، والتعرف إلى لغته وتراثه، والتعرف إلى أدوات الشعر وأدائه؟ ثم ما معنى أن نبدأ السلّم قفزًا؟ ولو أجزنا لهم- متجاوزين سلّم الحطيئة – بسبب إحداثيات الحداثة وما بعدها فإننا نسال:

يا ذلك! ما هي اللغة الأجنبية التي أهّلتك للتدبر؟ لماذا لا تقرأ يا أخي ما يكتبه غيرك من رواد تيارك؟ وما معنى الغمغمة وأنت تقدم القصيدة وأجواءها؟ إني أرجو في جمالية القصيدة أن يركب / يقود الدفة من يحسن القيادة، وإلا عانينا من المطبات والخبطات. أما الذين يريدون أن يرافقوا هذا الرّبان فنتمنى لهم رحلة ميمونة...

وهذا لا ينفي أن أؤكد أن هناك قصائد نثرية تفرض نفسها بسبب توهجها وطرافة معناها، وقد تكون بسبب موسيقا كلماتها.

* هل لي أن أسالك هل كتبت أنت قصائد من هذا اللون؟

قليلة جدًا جدًا، ولكل قصيدة حكاية، يؤلف بينها أن الوزن قيد وعبء بلا معنى، وسأسوق مثلاً قصيدتي سيرة رجل وكلماتها:

متخم ذلك السمين بالرمال

منكر سلّم الأبجدية

صاعد على خيط وخيط

سارق شارة الرجال

وينام الأدبية

فهل أتخم القصيدة بالإيقاع وأنا أرى أمثال هذا ممن يتشبثون بكل واهٍ  ، وهم غافلون عن الجوهر؟

ولي قصيدة أخرى على نجوة من مضيق جبل طارق فما هو الوزن الذي اختاره وأنا أرى وأقف في نفس المكان الذي خرجنا منه من الأندلس، فهل اللعنة يجب أن تكون موزونة؟ ؟!!

* ما هي رسالتك الحضارية في ما تكتب؟

أن أكون سادنًا في محراب هذه اللغة، وأمينا على قيادة – إذا أتيحت لي- نحو الحق والخير والجمال والحب.. أكتب حتى يكون للحياة(أو لحياتي) معنى، حتى تطيب الكلمة ويرقى الفكر.

- ما هي اتجاهات الأدب الفلسطيني في الداخل كما يتجلى لدى الأدباء البارزين؟

سأضع إجابتي في نقاط:

1- حمل أدبنا القضية وعاناها، ولم يتوان عن التعبير عنها وتبّينها ورفدها في كل ميدان وعلى كل حلبة، لذا نشط الشعر الخطابي... وهذه ليست سلبية يا سادة يا كرام!!! الشعر هنا أداة توصيل وتلاحم وبناء نفسي وشعوري.. الشعر يدعو للتغيير ومن لا يصدق فليقرأ بموضوعية توفيق زياد.

2- راوح بين الألم والأمل فعكس واقع المجتمع، ولعل قولي يعبّر عن ذلك:

الأمل المخضّر على صفحة قلبي

يسألني يومًا يومًا عن دربي

يسألني:

هل أملك أن أحفظ عرضي؟

أن أعشق أرضي

هل تثمر كي يطلع حبي

والأمل المخضر يجيب نعم

والبسمة تزهر في عين الأطفال

ونغطي كل ألم

والهمة تشرق في عزم رجال...... ليظل علم

3- لغة الشعور الفلسطيني أعطت صِدقية وبراءة للشعر العربي الحديث،. فأخذت الأذن العربية التقليدية تتقبل نمطًا مستجدًا لم تعتمد عليه.. ونلاحظ هذا التعصب للقديم لدى الجمهور، فإذا ما استمتع إلى قصيدة وطنية اشتعل حماسًا وشاعرية.

4- تبّنى الموقف الذي اتسم به الأدب الفلسطيني في دوره الريادي والطليعي، وها نحن نشهد أن الرؤية المحتملة لواقع الأحداث أخذت تتجلى في أكثر من محفل وملتقى.. وهذا الكلام بحاجة إلى تفسير أكثر!

 

أجرى الحوار الشاعر المصري عبد الله  السمطي : الفينيق ( عمّان )  30 / 9 / 1996 .