1- مسيرتك الأدبية :
ولدت في قرية باقة الغربية – وفيها أعيش . وعندما دخلت القوات الإسرائيلية قريتي كان عمري يناهز السابعة . تركنا معلمونا الذين توافدوا من نابلس ومنطقتها ، وبقينا أضيع من الأيتام ...، ليس بيننا وبين اللغة العربية إلا الإذاعات ، وإلا كتب متناثرة تمزقت لكثرة ما استعيرت .
ومن حسن حظي أن لي والدًا كان قارئًا ، فكان في سفره إلى يافا يقتني لي الكتب فأقرأها أكثر من مرة ، فتخيلوا كيف سينشأ شاب وهو يطالع كتاب العمدة لابن رشيق ، وعليه اسم صاحبه موسى عبد المجيد سمور – دير ياسين ، ويكتشف الشاب فيما بعد أن دير ياسين هي - هي هذه القرية التي أطاحت بها مجزرة ، ولكن أين موسى ؟
وتعرفت على مجلة الآداب البيروتية في مكتبات المعاهد والجامعات ، فراق لي خطها القومي ، كما راقت لي تجربة الشعر الجديد ، وتابعت فيها باب قرأت العدد الماضي ، فتكونت لدي حاسة نقدية ، فكنت بعد قراءة كل كتاب ألخصه ، وأبدي رأيي به ، ولا أنشره ، ثم أخذت بنشر زاوية قصيدة وشاعر في جريدة الأنباء التي صدرت في القدس بعد احتلالها ، ولا زلت أذكر تعليق أحد الأساتذة الجامعيين: أنت تكسب لقاء كل مقالة كذا مبلغًا لكنك تخسر مقابلها كذا صديقًا .
وسبب دعواه أنني كنت متأثرًا ب قفشات مارون عبود وبالمعارك الأدبية حول النقاد فكنت لاذعًا ، وكانت بعض مقالاتي تثير زوابع وردودًا قاسية .
وفي دراساتي الجامعية التقيت أساتذة من يهود العراق كتبوا الشعر في لغة أمهاتهم –العربية - ، وكانوا من اليسار في بدء أمرهم . فكتبت رسالة الماجستير عن لغة الشعر عند بدر شاكر السياب وصلتها بلغة المصادر العربية القديمة – بإشراف البروفيسور س.سوميخ . أما أطروحة الدكتوراه قد كانت عن شعر مدرسة الديوان وتأثير الرومانتيكية الإنجليزية فيه وقد أشرف عليها البروفيسور م . بيلد ، وهذه الأطروحة ما زالت مكتوبة باللغة العبرية ولم تترجم ، وستصدر قريبًا بالعربية بترجمتي .
وبالطبع فإن هذه الدراسة الأكاديمية جعلتني أطالع مئات المصادر إن لم أشأ المغالاة .
وأعترف أن قراءاتي النقدية ، وهي كثيرة غزيرة ، جعلتني أنصب نفسي حكمًا ، فعندما أقرأ مادة ما أعلق عليها في الحواشي والجوانب ، فكأن تعليقاتي هذه تؤلف مقالاً للقارئ بعدي . لقد تفاعلت النظريات والرؤى النقدية في كتاباتي حتى توصلت إلى ما سميته المنهج الوسطي ، ففي افتتاح كتابي عرض ونقد الشعر المحلي وهو أول كتاب نقدي صدر عندنا ( سنة 1976 ) قلت :
ولا بد لي من الإشارة أن منهجي النقدي يأخذ من الأكاديمي الدقة في الاستشهاد والحذر في الأحكام ، ويأخذ من الذوقي ذاتية جمالية أستشفها من خلال التجربة ، ولست أزعم أنني أشق طريقًا في المناهج النقدية ، لكنني أسلك دربًا يبعد عن جفاف الأول وانزلاق الثاني .
من الجدير ذكره كذلك أنني نظرت إلى الأدب بأنه أداة فعالة في خدمة الجمهور ، فوقفت وأقف أسوة بزملائي الشعراء في بلادنا ألقي قصائد . والجمهور غالبًا ما يوجه أسئلة ويثير قضايا أدبية وفكرية ، وفي هذا امتحان ومواجهة نقدية ليست يسيرة . وجدير بالذكر كذلك ، أنني أقمت في قريتي ورشة أدبية كانت على مدار ثلاث سنوات خلية نحل يشتار طلابها من الأدباء والشبان من مختلف الأنحاء في بلادنا ما يستصفون من جنى . فكانت الورشة تستضيف كل مرة أديبًا من أدبائنا المعروفين يصغي لقراءات المتأديين ونقاشاتهم ، ثم ما يلبث أن يقدم هم هذا الجنى ، فيفيد منهم من شاء أن يفيد ، حيث تعرّف أدباء الورشة مفاهيم التأويليه والبنيوية والتفكيكية ، وكانت أسماء تودوروف ولوسيان غولدمان وباختين تطرح أمامهم ، كما كانت الواقعية الاشتراكية اتجاها بارزًا دعونا له في بلادنا بحكم ظروفنا التي لا تحتاج إلى وصف ، فالأهم أن تبقى نغمة التفاؤل مشعة بين ثنايا السوداوية والمأسوية .
رغم أنني أصدرت عشرة دواوين شعرية ومجموعة قصصية واحدة فإن بداياتي الكتابية كانت نقدية . أما من حيث إصدار كتب النقد فقد تداخل وتزامن مع إصدار الشعر . فصدر لي عرض ونقد في الشعر المحلي ثم الرؤيا والإشعاع – دراسات في الشعر الفلسطيني ، فدراسة مختصرة عن صلاح عبد الصبور مجددًا ، وكان لي الشرف أن قدمت الكتاب لعبد الصبور في الهيئة العامة في أثناء زيارتي الأولى للقاهرة سنة 1980 ، ثم أصدرت كتابين اعتبرهما إضاءات للطلاب هما الجنى في الشعر الحديث الجنى في النثر الحديث ومؤخرًا صدر لي كتابان هما : أدبيات – مواقف نقدية – و دراسات وأبحاث في الأدب العربي .
ولن أغالط في مكاشفتي إذ أقول إن نقدي يتمثل شعري وما راق لي من شعر غيري ، وشعري ( أو رؤيتي الشعرية ) تتماثل ونقدي . وسواء كانت الكتابة نقدًا أم شعرًا فإنها منتزعة من وجداني وفكري ، ولا يهمني تسمية اللون / الجنس الأدبي ، فأنا أكتب اضطرارًا لا ترفًا ، وعملية التشكيل اللوني تتم قبل الولادة .
2- مدرستك النقدية :
لن أدعي فأسوق لكم عشرات الأسماء الأجنبية التي لا يعرف بعضنا حقيقة طروحاتها بدقة وأمانه ، ولن أفلسف لكم نظريتي النقدية ، فقد أشرت إلى رؤيتي والمنهج الوسطي ، ولكني أحاول أن أتجنب أمراضًا أدبية تتجلى في أساليب النقد المتبعة لدى الكثير من النقاد وعلى أكثر من مستوى .
ومن هذه الأساليب الأسلوب الذي أدعوه الفضفاضي يتبدى ذلك في وصف كلمات وعبارات دون رصيد أو دقة . وقد سخر محمد النويهي في كتابه ثقافة الناقد الأدبي من مثل هذه التشبيهات إذ يقول : وعبث أن تحاول أن تسألهم ما معنى هذا كله . ما معنى تجهم المعاني ؟ وكيف تتجهم المعاني ؟ وما هي هذه الديباجة التي يصفونها بالحسن تارة وبالصفاء أخرى .. ونكتشف نحن فضفاضية العبارات واندياحها إذا حاولنا ترجمة ما يقال لأية لغة أخرى بل إلى لغتنا نحن . عندها ندرك أن العبارات الإنشائية فيها تعميم ولا يسمن ولا يغني .
وقريب من هذا الأسلوب الأسلوب الشاعري الذي يصلح لأن يكون نصًا أدبيًا آخر أكثر من كونه نقدًا ، ولأسق مثلاً من كتاب الرمز والرمزية ( ص 148 ) :
وقد تركت خطى البارودي على رمال الشعر العربي آثارًا ترسمها من تلاه من الشعراء ، ولم يفلت شوقي ، الذي جمع إلى فحولة الملكة الشعرية حساسية مذهله بأسرار النغم الموسيقي ، وتحكمًا أصيلاً في ناحية الأسلوب الشعري ، ولكنه – في معظم تجاربه – ظل يغترف من تلك الدنان التي اغترف منها البارودي
فهذه الاستعارات والمجازات كانت تدبيجًا أكثر من كونها لغة علمية محددة .
أما الأسلوب الغيبي فهو ناشئ من اضطراب وضبابية وافتعال ، ناء عن جوهر التجربة والمعرفة . وقد أصاب بوالو في قوله إن ما يدرك جيدًا يعبر عنه جيدًا وبوضوح ، فإذا انعدم التصور الحسي للميزات المادية وانعدم التنظيم الشكلي للتصور انعدم بالضرورة التعبير البين ، ولأسق مثلاً من كتاب حركية الإبداع :
إذا كان نجيب محفوظ قد كتب ملحمة التحول وبرهن على أنه يتحسس تراجيدية البعد الاجتماعي ، فإنه لم يبلغ اللحظة التراجيدية ، لأنه لم بفارق موضوعيته ، ولا اهتزت عنده مسافة الشهادة ؟ ففي كل موقف تراجيدي لا بد من توتر معين ، من زمن مباغت يسقط منظار الرصد ويعدم المسافة بين الشاهد والموضوع .
وعلى الذي يكابر أن يترجم هذا النص إلى لغة العمل .
أما الأسلوب ( البنيوي المتكلف ) ذلك النوع منه الذي يسوقنا شططًا ، فلا يؤدي إلى مؤدٍ وبمنطقية ، وإنما ثمة أسهم وإشارات ودوائر ومربعات ندوخ منها ، ولا بأس من مثال أجتزئه من كتاب الشعرية العربية الحديثة ( ص 85 ) :
التشبيه يستمر بين الأرض والمتكلم مشيرًا هذه المرة إلى الازدواجية المماثلة بين الطرفين التي يمكن أن نرمز إليها بالصورة التالية :
المتكلم الأرض
اليأس = الرجاء الخريف = الربيع
أريد ولا أريد الازدواجية هذه تتأكد في السطر الأخير ...
إن مشكلتي مع كثير من هذه الكتابات أن المؤلف يثبت بطريقته أن أ = أ ، ولكنه غالبًا لا يقول لي ما بعد ذلك. وما هي الرسالة وأين الدقة التي لا تحتمل عكس ما ذهب إليه ؟
ولا بد بعد هذا أن أؤكد أن النقد القديم هو الذي يدعونا إلى تذوق النص أولاً ، وذلك بعد أن تذوقه الناقد حقًا / أو نفر منه ، فعالج النص منه وفيه ، فتساوقت مع قراءته معرفة ما ، فيعلم الناقد عبر هذا النص ولغته كما يضيء . ولا ضرورة أن يلتزم الناقد منحى أو منهجًا ثابتًا ، وإنما النقد حوار جدلي بين الناقد والنص يقول الواحد للآخر ما يثري تجربة المتلقي وما يوضح أمامه بعض معالم الطريق ، ولكل نص مفتاحه .
3 – عن نقد الشعر :
أحب أن أضيف كذلك إلى أنني أقمت معيارًا أوليًا في دراسة القصائد للطلبة خاصة ، لعله القالب أو المنطلق الذي أخلع عليه ما أشاء وهو يندرج في :
أ- إجمال مضمون القصيدة .
ب- الوقوف على الوسائل الفنية وخصائص القصيدة في أدائها ومنهجها وأسلوبها وإيقاعها .
ج- بيان توظيف اللغة والألفاظ وكيف يخدم الشكل المعنى .
د- إثبات الإشارات الثقافية للدلالة على معين الشاعر الذي استقى منه وعلى الإثراء الموازي لتجربته حتى نعرف من أين انطلق ، وأي موروث يرفده ، ولكي نلاحظ بالتالي الاختلاف والعمق الجديدين .
هـ - وحتى لا تموت القصيدة بانتهاء ما أشرت إليه من مفاتيح أبقيت أسئلة للنقاش تثيرها القصيدة في توجهاتها .
و – وترجمة الشاعر بإيجاز ضرورة تلقي بعض الضوء على النتاج مع أنها ليست ضرورة حاسمة .
وفي ظني أن طريقتي هذه جعلتني أستطيع أن أتلمس شعر الشاعر وأتقرى مناحي الإبداع لديه ، بل كثيرًا ما عرفت شعر من هذا من غير أن أعرف اسم الشاعر قبلاً .
أما في البحوث حيث الدراسة الأكاديمية المحايدة التي تحلل وتعلل من غير تدخل فإنني أمتحن نفسي بأسئلة منها :
1- هل قرأت أغلب ما نشر سابقًا عن الموضوع المطروح ، وهل أنا أمينٌ في ذكر ذلك للقارئ ؟
2- هل آتي بفكرة جديدة من تصوري أم أنني سأتكل عن طريق النسخ والترجمة .
3- هل تكون الاقتباسات والإشارات مستعملة بدقة أم بعشوائية ؟
أكثر نقدي يدور في فلك الشعر . أما البحوث فقد تناولت مجالات لغوية وأدبية .
4 – ما رأيك في النقاد الآخرين ؟
ثمة نقاد كثيرون ودارسون ، ربما لم يكتسبوا شهرة الرعيل الأول ، لكنهم يبذلون جهدًا جهيدًا ،منهم الذين يستصفون المادة من الحياة والأدب ، ولهم مواقف وأساليب عرفوا بها ، ومنهم الباحثون الذين اتجهوا اتجاهًا وصفيًا ، بعضهم يخرج من التنظير المجرد إلى الفائدة والمتعة ، وبعضهم يمزج بين التراث العربي وبين المناهج الحديثة قس التحليل . وهذا الإيجاب الذي نستخلصه لا ينفي ما أشرت إليه من أساليب سلبية أرفضها ، وعذرًا لأنني لا أذكر الأسماء ، فالناقد أحرى أن يعرف موقعه .
- ما هي مشروعاتك النقدية :
المشروع النقدي الذي بدأت أعالجه يتمثل باختيار قصائد من الشعر الفلسطيني أنقدها وأنظمها في سلك أو أنتولوجيا تعكس تطور شعرنا وخاصة في الداخل . وسيصدر لي كتاب قصيدة وشاعر وكنت أصدرت رسالتي لغة الشعر عند السياب عام 1993 ، و مدرسة الديوان ... عام 1995 وأخيرًا لا بد من استفاضة :
بقدر جراءتي هنا إذ أكشف أوراقي أمام أساتذة كبار ، وأنا المغمور حتى بيني وبين نفسي ، فإن لي جرأة أخرى تتبدى في استعمال التعابير الجديدة ، وسأذكر بعضها دون الوقوف على تفاصيل فحواها :
الواقنسية – المزج بين الواقعية والرومانسية .
الأنوية – الكتابة من منطلق الذات ، والحديث عن جوانبه بعيدة عن الأنانية .
التأدنس – محاولة تقليد أدونيس في أشعاره دون استيعاب تجربته .
الشعر الأفيوني – الشعر المغرق في الإبهام .
ويلاحظ القارئ أنني تحدثت عن النقد الفضفاضي و النقد الشاعري و الغيبي ... الخ ، ولي مصطلحات كثيرة ترددت في كتابات محلية .
وأخيرًا فإن هذه المادة لن تقول لكم كثيرًا – وهذا حق ، لكني أضع في تصوري موضوعية ابن قتيـبة في تقويمه للشعر ، وذلك في تقديمه الشعر والشعراء ليكون شفيعًا لي عندكم .
وفي هذا السياق لا بد لي من أن أذكر التجربة التالية لعل فيها عبرة :
للناقد ريتشاردز تبين كتاب The practical criticism ، وعلى أثر قراءتي في هذا الكتاب ، أحببت
تقديم أدبنا وفق منهجه . فقد عمد ريتشاردز إلى قصائد مختلفة وقدمها لقراء مختصين من غير أن يذكر أسماء الشعراء ، ثم طلب من طلابه – عينة البحث – أن يذكروا الأسباب التي حدَت بهم لقبول القصائد أو رفضها .
فكانت محصلة هذا البحث تقديم دليل لصياغة الذوق في الأدب وفق رؤى موضوعية وإشارات تفرضها طبيعة العمل ولغته .
قلت : ما أحوجنا إلى مثل هذا التوجه فنقرأ العمل الأدبي غُفلاً ، ونتعرف على إبداعه وطاقته ، ونحكم بالإيجاب والسلب أو بهما معًا من غير تأثر ببريق الأسماء وشهرتها . وقدمت للقراء قصيدة لأحد الشعراء الذين تتردد أسماؤهم كثيرًا على ألسنة الدارسين . ولا تسألوا عن ردود الفعل ، فقد قُتلت القصيدة ... ولم يتراجع بعضهم إلا بعد أن عرف الشاعر .
حوار أجرته مجلة المواكب عدد 11- 12 1992 .