موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
لقاء مجلة الشرق مع الشاعر فاروق مواسي

 الرئيسية>>

    الأستاذ فاروق مواسي شاعر وناقد أصدر على التوالي : في انتظار القطار ( شعر ) ، غداة العناق    (شعر )، عرض ونقد في الشعر المحلي ، يا وطني ( شعر ) ، وشعره يتسم بالجزالة اللغوية وترداد التعابير القرآنية يصوغها في قصائد إنسانية رائعة . وقد أجرينا هذا اللقاء اعتبارًا منا أن نطرح آراء الشاعر التي سيفيد منها كل باحث لحركتنا الأدبية المحلية ودفعًا لنقاش جاد .

س – أستاذ فاروق كيف يواتيك الشعر :

ج- أحيانًا أشعر أنه إفراز ، ولدي إيحاء أو طاقة خارقة خارجية تملي علي الكلمات موزونة – وهنا أفهم سر الاعتقاد القديم أن للشاعر شيطانًا ملهمًا - ، فأكتب القصيدة متصلة أو أدعها إلى وقت آخر – وقد يطول – أعود إليها بعد أن أعمل فيها وعيي ، فهي إذًا مزيج من الفيض ومزيج من الصنعة .

س -  ألا ترى أن معاودة القصيدة أو مراجعتها تودي بك إلى ضعف في التدفق الشعري  ؟

 ج- لا أرى ذلك وتحضرني أبيات للشاعر إذ أجاب ناقدًا – فقال : أولئك الأصدقاء الذين يرون أني أرتكب خطأ كلما نقحت قصائدي وراجعتها لا يدركون حقيقة الأمر ....وهي أنني إنما أراجع نفسي وأنقحها . 

س- هل ثمة أوقات معينة تطل فيها عرائس الشعر ؟

ج-  يقول يـيتس الذي استشهدت به : الشعر دم وخيال وفكر . وأظن أن هذه تتوافى في ساعات التأثر والانفعال ، فأنقل الأحاسيس إلى الآخرين ليعيشوها ويجربوها فهي عدوى على حد تعبير تولستوي  .

س- هل تظن أن الشعر واجبه التوجيه ؟

ج- الشعر منه ما هو للمتعة ...ومنه ما هو للتوجيه ، والإنسان له جوانب مختلفة . فالشعر هو الذي يصدق فيه قائله ويحس أنه شعر ، وما وجد له بعض التجاوب ، والشعر ليس دعاية أو وعظًا، وإنما هو صوت الضمير الأكبر ، فلا بد للشاعر من أن يلم بواقع الحياة... ويوجه بصورة غير مباشرة ؛ والانفعال ضرورة معبرة عما يجول في خاطر الآخرين – ولا يهم عددهم - .

س- في مقدمة ديوانك ( غداة العناق ) تقول : ( من الكلمة ونغمتها إلى تجربتي ، وإذا بها تصبح تجربتك فتعيد تشكيل القصيدة بالشكل الذي ترتئي....ولا غرو أن تكون أنت الشاعر هل لك أن توضح ذلك ؟

ج- إن الموسيقى ضرورية لكل شعر سواء أكان الوزن أم ما اصطلح عليه الإيقاع الداخلي - وهو الإيقاع الحسي الناتج عن ترابط الكلمات وتعاملها ، وأنا أفترض أن الذكريات التي أثيرها في مخيلة القارئ صورًا وأحاسيس جديدة .

يقول فروست :  إن التوفيق في التقاط الصور اللفظية لا يقل متعة عن التوفيق في ابتداعها وأنا عندما أتخلى عن القصيدة فإنني أعود إليها قارئًا جديدًا ، أعود أنا والقارئ لنحول في آفاق جديدة للقصيدة .

  س- هل أنت ملزم بطريقة هذا الشعر ؟

ج- إنني أمر عبر طرق تجريبية مختلفة ، أكتب القصيدة الرمزية المبهمة.. والقصيدة الغامضة الشفافة.. والقصيدة الواضحة المعالم ، أكتب شعرًا تقليديًا وشعرًا حرًا ( المنطلق على حسب تعبير الدكتور النويهي ) لا أتقيد بخط شعري على نسق واحد ، ولعل ذلك لتنوع مشارب القراء وأذواقهم ومسايرة هذه الأذواق ، ولعلها ذبذبات مزاجية عندي ، وهذا هو الأصل . أعزي نفسي وأقول :

لعل القارئ استملح لي قصيدة واحدة وأمتعته بها فالشعر في نظري لا تحدد آفاقه ما دام الصدق الفني رائدًا ومنطلقًا .

س-  ما هو موقفك – ناقدًا – في كتابك ( عرض ونقد في الشعر المحلي ) ؟

ج- أنت تلاحظ أنني نظرت إلى قصائد سالم جبران المباشرة بنفس المنظار الذي عاينت به قصائد أنطون شماس المغرقة في تلافيف الرمزية ، قلت في هذا الكتاب ( ص 85 ) .

الشعر قالب جميل يصاغ بالإشعاعات الغامرة ، وربما تكون غير مرئية... تشحن بالنشوة النفسية ، فتبعث فينا الإيحاء محمولة على أكتاف الرعشة . أما روافد الشعر فهي : التجربة والموسيقى والفكرة ، وهي تتوحد معًا وتتواجد في نهر يعطي الخصب لأرضيتنا الشعرية من ماء الحياة المستمد من خلفية التراث .

س- ولماذا التراث ؟ 

ج- لنستلهم من الماضي حاضرنا ومستقبلنا يقول إيليوت إن ولاء الشاعر يجب أن يكون للغته التي يرثها من الماضي ، والتي يجب أن يحافظ عليها وينميها وفي آخر رباعياته الأولى يقول :

لقد كان الكلام موضع غايتنا

وقد اضطرنا الكلام إلى أن نمحص لهجة القبيلة

 ونحث العقل لنتبصر الماضي ونستشرف المستقبل .

 إن   اللغة هي القالب الذي يوضع فيه الشعر . ولقد تعرفت على شاعر عظيم يكتب كلمات لا يفهمها إلا هو فأين شعره وما عظمته ؟؟

اللغة تتناسب والأفكار تناسبًا طرديًا ، والأفكار مدعاة للخيال والخيال حافز الشعر .

س- ما هي مواضيع شعرك ؟

ج- هي مواضيع إنسانية يحب البعض أن يسميها ( وطنية ) ، فالوطني هو إنساني ، ولا أنكر أنني أحب ذاتي على مضمونها ، فمأساتي تتمازج في المأساة الشاملة ، ولعل هذه الجمل أو هذه الإجابة صورة أخرى لما كنت قد أجبت عنه أن في شعري كثيرًا ما أجد  أبعادًا ثلاثة : ذاتية ووطنية وإنسانية .

س- لماذا يرفض الكثيرون الشعر الحديث ؟ 

ج- أولاً لعدم فهمهم له ،  وقد نسوا أنهم لا يدركون معاني الكثير من اللزوميات وسواها من الشعر القديم.

   إن قراءة القصيدة تستلزم صدرًا رحبًا وليس ضيقًا حرجًا ، فالقصيدة المرفوضة أصلاً وقبلاً لا يمكن أن يتعامل معها القارئ إلا من خلال الرفض ، إذن فالقارئ المتسامح غير المغلق هو الذي يتعايش والقصيدة الحديثة ، فإن فهم صورها كان به ، وإلا فإنه لا يشتط في الحكم ضدها .

س- بعض القراء يذهبون إلى أنك بسطت في ديوانك الثالث ( يا وطني ) من مستوى فني مرموق وخاصة في  ( غداة العناق ) إلى ركام نثري فما رأيك ؟

ج- أعترف بتراكم النثر في بعض قصائد ( يا وطني ) ومنه ما عمدت إليه عن سابق قصد ، فمزج الشعر بالنثر أسلوب تجريبي جديد .وقد أراد هذا البعض من  قصيدتي أن تكون مستقلة أو بإضاءة خفيفة ،  وهم عندما يقولون ذلك فكأنهم يفاضلون بيني وبين نفسي ، فالشعر والشخصية أمران لا يحددهما الإنسان فقط ، والشعر الذي ينكره أصحاب الأذواق الغامضة قد  يُعجب به أيما إعجاب آخرون .

فإن قلت :

( يا شعبي العملاق إنك ملهمي      أنت الكريم وما سواك معلمي )

وجدت من يستهجن ويربأ بي أن أقول مثل هذا ( النظم ) المباشر ، ووجدت من يعجب ويتساءل : ترى لماذا انحرف فاروق ولا يقول مثل هذا الشعر ؟ لكليهما احترامي وليسمحا لي أن أواصل القول كما أحب  .

س- ذكر أحد أساتذة الأدب المحليين أن شعرنا المحلي هنا ضعيف ، ولا يكاد يصل إلى مستوى يسمح لنا أن نقارنه والشعر العربي خارج البلاد فما رأيك ؟

ج- إن في هذا القول تجنيًا على شعرنا ، فكثير منه استقى من الروافد التي استقاها الأدب في العالم العربي ، بل إن بعضه بحكم المعاناة والتجربة أضحى في مستوى أرفع ، الأمر الذي حدا بالصحف العربية ذاتها أن أفردت له اهتمامًا ( وبعضه بحكم الانفعال السياسي ) ، ولعل هذا الاحتفال بأدبنا بحكم المستوى الفني الحقيقي . ولكن هذا لم يجعل أدباءنا يغترون بل يتواضعون ونحن لا زلنا نذكر قول محمود درويش :

أنقذونا من هذا الحب القاسي .

أجرى الحوار عرفان أبو حمد ، مجلة  الشرق - تموز 1978