موقع بيتنا

 

حوارات كانت معي
لقاء مجلة العودة مع الشاعر الناقد فاروق مواسي

 الرئيسية>>

متى بدأت الكتابة ؟

  .... منذ أن تفتحت عيناي على الكتاب ، وكنت أقرأه مثنى وثلاث أو أنقله إن عز علي اقتناؤه ، ومنذ أن كررت ختم القرآن عشرات المرات طمعًا في قروش أبي... فكانت الكتابة استغراء تدريجيًا . أنشر وأنا في الابتدائية منتقيات مما استحببت ، وأكتب في الثانوية الأيام على طريقتي ،  بل أختم قصة بداية ونهاية بخاتمة تروق لي وليشرب نجيب محفوظ من النيل . أضع في درجي إعجابًا بأبي العلاء المعري بصفحات نقلتها من عشرين مصدر .

    أما الشعر فبدأته بخواطر لا أعرف متى أستطيع تحديدها بأنها شعر حقًا ، بل من يقول لنا أن ما ينشر اليوم هو شعر بالتمام والكمال ، فالمقاييس نسبية ، لكني سأنقل لك ما قلته في بدء الطريق :

* يا أمتي ثوري ولا تتخاذلي

                              نصرًا وفتحًا شمت في المستقبل

    وعندي ما يجمع ديوانًا من مثل هذه القصائد...وخاصة الغزليات .

وقراءاتك الأدبية التي أثرت فيك ؟

    مما أدين له بالفضل مجلة الآداب البيروتية التي كنت أطالعها في مكتبات الجامعات ،  فهي أستاذي الأول ،  وقد حاولت جاهدًا أن أقتني أكثر أعدادها ، وها هي معظم أعدادها تزين مكتبتي .

والآن كيف تولد القصيدة ؟

    عندما تفرض نفسها . وأتساءل أحيانًا وبسبب عجزي وعنّتي الشعريين إن كان ثمة شيطان حقًا ...وأصدقك أنني أحس أن لي ربة شعر تغالبني وتهجرني طويلاً ، لكنها تعود إليّ تغرقني بفيض إحساسها ومأساويتها ... أبكي وإياها أمام حائط قصيدتنا .

    أثور وتثور معي فنتسمع أصداء أصواتنا بماسوشية غريبة أعشقها وتعشقني بنرجسية أغرب .

    نتفق على خطة نكتب ونكتب ، وعندما ينتهي دور اللاوعي تودّعني بقبلة خاطفة ... أتحسس آثارها ...وأتلمظ فأعود إلى القصيدة.

   ومن القصائد ما يولد بشكل أسرع ، فهذا يحفزني أن أكتب ، وهناك امرأة مثيرة لا يسليني بعد صدّها إلا بيت شعر ،  فأهيم في كل واد ولا يتبعني غاو .

    ومن القصائد ما لم يولد بعد ،  فإن فترة الحمل فيها تزيد على ثمانية عشر عامًا منذ تلك السنة التي لكمتني لكمة ما زال أثر الدوار في رأسي ينتابني مرات .

أين تجد شعرك ؟  وكيف تقومه ؟

    ما استطعته – في تصوري – أنني زاوجت بين التراث والمعاصرة ،  فتفاوتت القصيدة من المباشرة والتسطيح إلى الاستغوار والنفاذ إلي الهلامية واللإنسيابية إلى اللغة – اللعبة ،  وأنا قلت في مقدمة ديواني غداة العناق :

من الكلمة ونغمتها إلى تجربتي ، وإذا بها تصبح تجربتك فتعيد تشكيل القصيدة بالشكل الذي ترتئي      - ولا غرو أن تكون أنت الشاعر  . فإن أفضيت استودعك الكلمة الصادقة ، وأرجو لك المتعة والعمل لبناء عالم أجمل وأرقى... وإن آثرت الرجوع فثق أن وراء هذه الكلمات متوقفًا ينبض حبًا لك .

    آنًا  أشعر أنني قلت وأعجب ، وآنًا أشعر أن كل ما قيل هراء . ليست المسألة مزاجًا بقدر ما هي علاج ، فلا عجب أن أدعيت ذات مرة بأناي المستمدة من عمنا المتنبي ، ولا تعجب إن تضاءلت من ثم حتى الصفرية

لقد قلت في قصة قصيدة :

    شعري قد لفف في أغطية أغطية يحمي قيمة وزن الكلمات ويبيت على إلهام الإيحاء ليبحث إن كان هنالك من يبحث عن جوهر .

وهل وصلت القصيدة الفلسطينية إلى مستوى الجرح ؟

    أي قصيدة ؟ وأي كلام ؟ وأي حرف ؟ وأي جزيء صوتي أو خطي ، لا . وربما لا تكون.

كيف ترى الحركة الشعرية ؟

    مراوحة بين الألم والجرح وبين الأمل ( ليس الساذج ) ...حبًا لشيء منا خاصة ، لأنه أخلص في ظروف الاضطهاد ، نبتة بسقت برغم العواصف .

   ما من شاعر مجيد إلا وله في قلبي صدى ، فلن أعدد الأسماء خوفًا من حساسية الشعراء . ولكن طموحي يبحث عن ثغرات لا أجد تلافيها بشكل مقنع .

أبحث عن قصائد تربطني بالمكان ربطًا عميقًا لا مجرد صيغ . أريد قصيدة عن القدس أستطيع ترجمتها إلى لغات العالم - فيها ما تغنيه فيروز ، وفيها الجرح النغار ورائحة التربة والسوق ودرب الآلام ، أريد أن يقرأ المغترب قصيدة عن حيفا فيعيش مأساة روشيما ووادي الصليب ،  ويستشف منها معالم وادي النسناس .

    لقد طلبت مني محاضِرة من الجامعة العبرية قصيدة عن القدس فيها روابط نفسية ودينية وتاريخية واجتماعية ،  فما وجدت ، وخجلاً من هذا الاعتراف عدت إليها بقصيدة ألفتها بعد معاناة شهر سميتها مقدسية نشرت في ديوان يا وطني ولا أدري إن وجدت فيها معنى الالتصاق .

 *   أبحث عن البالاد القصة الرعوية الشعبية في الشعر المعبأ بالبساطة والعمق بالجرح والإيمان بالليل والنهار .

 *   أبحث عن المسرح الشعري الذي هو في رأيي امتحان للشاعر الحق ولكنه لا ينفي وجود شاعر   غنائي.

  *  أبحث عن شعر الأطفال ولا أعني الأغاني المدرسية . إن أدب الأطفال لا يأتي إلا لمن أوتي الملكات الفنية والعمق والنفاذ... ومحاولتي في ديوان – إلى الآفاق – كانت بيضة الديك ، ويبدو أنها بيضة ديك حقًا، لأنها لم تنجح بشكل يقنع حتى اليوم .

   * أبحث عن الأغنية الشعبية ،  فلو لاحظنا طلابنا في رحلاتهم وهم ينشدون نراهم يقفزون من أغنية إلى أغنية وبعضها تافه المعنى .

والحركة الشعرية داخل الأرض المحتلة عام 1967 ؟

    طبعًا ما أشرت إليه من ثغرات ينطبق هنا أيضًا من الشعراء الذين جذبوا انتباهي وأحببتهم :

* د. عبد اللطيف عقل ...فهذا الذي يداخل بين دوائر الجنون والنبوءة والشعر ، وأحب أن أقرأ له حتى درجة الملل .

* المتوكل طه سمعته يلقي مرثاته عن الشهيد شرف ، فعلمني درسًا أن القصيدة يكون تقويمها بمعادلة جديدة:

الشاعر +    النص   +     المستمع       =    قصيدة

طريقة الإلقاء الشخصية / اللغة المضمون / ليس غبيًا .

* علي الخليلي أدهشني في بعض قصائده العمودية بالذات إلى درجة أقنعتني بنظريتي أن الشاعر الذي يتقن الحديث لا بد إلا أنه اجتاز المراحل الأولى بإتقان . 

* من الشعراء الذين لم يتسن لي التعرف إليهم وأحب قراءتهم توفيق الحاج وخاصة في سنابل العشق

* ماجد الدجاني في ديوانه أحبك حتى الهزيع الأخير ولن أواصل ذكر الأسماء مرة أخرى خوفًا من حساسية الشعراء ....ولكني لا بد أن أذكر ديوان الصديق إبراهيم قراعين الأنيق وهي صفة للموصوفين : بيارق فوق الحطام ، فهذا شاعر اتسم بمتابعة الحدث ، والصدق في التعبير عن الواقع بلغة لا كَدَّ فيها ولا إيغال ، ولنقرأ معًا كيف يصف واقع المثقفين الذين لا يعجبهم العجب ، يقول إبراهيم :

يأتيك يشكو جهل كل رفاقه

                                ويذم   أقربهم   له   ويعيب

فهو الذي في العمي ظل مفتحًا

                                وهو الذي بين القفار خصيب

وهو الذي وقت الشدائد إن يقل

                                رأيا فذاك الرأي  ليس يخيب

كم مرة بذل الجهود محاولاً

                                إصلاح ما أودى به التخريب

  ومثل هذا الشعر النقدي لأحوال المجتمع كثير يكتبه إبراهيم كما يحسه وبدوافع إنسانية معبرة .

كيف تقوم الحركة النقدية ، وأين وصل مستواها ؟

    النقد مرآه الأدب ،  ولأن النقد قليل فإننا نحكم على أن مسألة التراكم الأدبي مجرد كم . في القصة قرأت كتابين لحسين البرغوثي الذي  بهر بمصطلحاته وبتداخلات اللغة أكثر مما حفز وبنى ، ومع ذلك يبقى صوته لوكاتشيًا مثيرًا .

    وقرأت لنفسي كتابين سأتحدث عن تجربتهما فيما بعد ، ومقالات هنا وهناك بعضها ضحل ، وبعضها مسألة فيها نظر . بالإجمال لست راضيًا ،  ولن أتهم الكاتب بقدر ما أتهم القارئ ،  فالكاتب الذي يكتب ولا يجد من يتابعه سينكص على عقبيه .

كيف يمكن أن نتجاوز الأزمة الأدبية ؟

     الأدب في عصر الفيديو والبورصة وملاحقة أسعار الدولار لا يحفل به إلا من امتلك الملكة . فأخذنا نقرأ لبعضنا البعض ،  وندور في حلقات بعضنا ، ومن المؤسي أن الواحد منا لا يعجبه الآخرون ،  وإن أعجبه البعض فيتحفظ .

    وقد نتجاوزها بمسؤولية واعية من المحررين لصفحات الأدب . فإذا قلّت القصائد وكثرت حولها الدراسات أثرينا الحركة الأدبية ، أما أن ينشر ( سين ) في كل عدد من أعداد المجلات الصادرة ،  ويرى اسمه يبرق في صدر الصحيفة ، ويطالعه القارئ بنصف إغفاءه .....فهذا لن يقدم في الحركة هزه .

    ثم أين دار النشر الفلسطينية التي تستطيع أن نفرض احترامها على القراء فيبحثون هم عنها ،  وتجمع حولها ألف قارئ متابع تتصل بهم في مدنهم وقراهم ، وتخرج الكتاب بحلة أنيقة وبسعر معقول . هل كتب علينا ألا ننظم حتى في هذه ؟

هل أضفت شيئًا جديدًا في كتبك  النقدية ؟

    كانت طريقتي في النقد ما أسميته المنهج الوسطي : منهج يأخذ من الأكاديمي الدقة في الاستشهاد والحذر في الأحكام ، ويأخذ من الذوقي ذاتية جمالية استشفها من خلال التجربة ، وقد عمدت إلى المزج بينهما بحيث حافظت على أبعاد أحكامي ، فلم أنزلق وراء عاطفة ذاتية إلا إذا أشرت إليها ببعدها الجمالي.

    إن نقدي يتركز على المضمون ،  فالشكل ،  مع أن كليهما يشكلان نسيجًا واحدًا ... أحاول أن ألقي الأضواء على الصور التعبيرية الجديدة ، وعلى الإبداع والإيحاء والبث والرمز والمنطلق .

    وقد تسألني ماذا أضفت عدا عن رؤيتك التي ذكرتها  ، وأجيبك أن ثمة بعض المصطلحات التي أدخلتها وقد تكررت في كتابات الآخرين منها :

* الواقنسية : وهي مصطلح يمزج بين الواقعية والرومانسية ،  وقد حددت معالمها حسب تصوري ووجدت أصولاً لها في شعر عبد الناصر صالح وخليل توما .

* الشعر الأفيوني : وهو مقال أثرت فيه مسألة الغموض المتعمد بلا ركيزة موهبية .

* الشبوبية : مصطلح استقيته من العامية وأضفته على شعر سميح القاسم وحددت معالمه.

* المونولوج النقدي : وهو طريقة نقدية جديدة ،  إذ أنني أجري حوارًا بيني وبين نفسي يكون طرف منا مدافعًا عن الشاعر الذين أنقده أكثر مما يدافع هو عن نفسه ، ويكون الطرف الثاني مناقضًا وقد كتبت على غرار هذا الأسلوب عن شعراء مجموعة كلمات سجينة وغيرهم ... ثمة مصطلحات نقدية أخرى.  

    ومن تناولتهم في نقداتي الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان والمرحوم راشد حسين وخليل توما وأديب رفيق وعبد الناصر صالح . وفي كتابي الأول تناولت أدمون شحادة ، ميشيل حداد ، جمال قعوار ، شفيق حبيب ، سالم جبران ، أنطون شماس ، عبد اللطيف عقل وسميح القاسم .

    ومن المواد التي لم أنشرها حلقات قصيدة وشاعر كنت أتناول كل أسبوع قصيدة فأشرحها ، وأشرّحها ، وغالبًا ما يخرج صاحبها غاضبًا .

    ولدي انطباعات  كثيرة من أعمال أدبية لم أجمعها في كتاب... وهي تنتظر دار نشر تهتم بإنتاجنا الفني .

هل لك نشاط أدبي عدا التأليف :

    أمثل رابطة الكتاب العرب في اتحاد الكتاب ،  وقد أصدرنا سنة 1978 مجلة مشاوير التي احتجبت بعد الغلاء الفاحش وندرة القراء .

    القي محاضرات هنا وهناك عن الشعر الفلسطيني .... وهناك نشاطات اجتماعية أخرى تحفزني على توطيد الصلة بقضيتي .

ومع ذلك تشعر ثمة ما ينقصك ؟

  نعم فمن مطامحي أن تترجم قصيدتي إلى اللغات الأخرى ، وألا تبقى نمطية الأسماء هي الفريدة على الساحة ، بينما يكون نصيب البعض هو التعتيم .... أن ترقى الذائقة بمتوسطها الحسابي حتى تجد الأنا كرامتها وصداها، وأن يبقى الأمل المحضرّ على صفحات قلبي .

مجلة  العودة ( القدس ) 30/1/1986