موقع بيتنا

 
من احشار البحر - الرئيسية
 

الحلقة التاسعة - غريب الكلام....

الحق أن لغتنا نبذت الكثير من الكلمات الجاسية حتى أصبحت مأنوسة فيها طاقة إيحائية، ولا نرى بعد من يدعو الأسد بالفدَوْكَس، واختفت كلمات كزّة أمثال الغبطنط... والعشنو والجشرب والقوشب، ومن أراد أن يعرف معانيها فليبحث عن خنفشار.

وخنفشار لقب غلب على رجل ادعى المعرفة وهو جاهل، كان يجيب عن كل سؤال، فاجتمع نفر من العابثين قالوا: هيا نخلق كلمة، وليأت كل واحد بحرف، فتبرع كل منهم بحرف حتى اجتمعت لهم كلمة خنفشار،وما إن حضر صاحبنا المدّعي حتى واجهوه بالسؤال: و ماذا تعني كلمة خنفشار؟

ففكر وقدر، ثم أجاب الواثق من نفسه أنه نبات يعيش في اليمن، ومن لا يصدق فليسمع استشهادًا ببيت شعر لشاعر جنّده توًا:

لقد عقدت محبتكم فؤادي  كما عقد الحليبَ الخنفشارُ

يذكرني هذا بنكتة بشار، عندما قال على لسان حمار:

                    سيدي خذ بي أتانًا   عند باب الأصبهاني

                    تيّمتـني إذ رأتنـي      بثناياهــا الحســـان

                    ذات غنـــج ودلال  سل جسـمي وبـراني

                    ولهــا خــد أسـيل   مثـل خـد الشَّــيفران


 

سألوه: ما الشيفران؟ أجاب بشار: هذا من غريب الحمار، اذهبوا واسألوه ! .

* * * * *

يحكى أن أبا الهندي الذي عاش في العصر العباسي - كان يعمد إلى عويص الألفاظ، فيخاطب خادمه بها، فإذا لم يفهمه طرده شر طردة حتى جاءه من يعرف البلوط على رأي المثل، فسأله ذا صباح::

-                     يا غلام هل أصقعت العتاريف؟

-                     زقفليم يا مولاي.

-                     ويحك، وما زقفليم؟

-                     وما أصقعت العتاريف؟

-                     يا لك من غبي، ألا تعرف أنها تعني: أصاحت الديوك؟

-                     ومثلك في فضلك وعلمك، ألا تعلم أن زقفليم تعني لا؟

ويحكى أن أعرابيًا صاد قطًا ولم يكن يعرفه. سأله الأول: ما هذا السِّنَّوْر؟ سأله الثاني: ما هذا القط؟ والثالث: ما هذا الهر؟ والرابع: ما هذا الضَّيون؟ والخامس: ما هذا الحيطل؟ فمنّى الأعرابي نفسه بربح طائل من ورائه، وما عتّم أن قال بعد أن خاب أمله:

  لعنة الله عليه ما أكثر أسماءه وأقل ثمنه !.

لا ننس ونحن في سيرة القط أن نجمع القط على قِطَطة (وليس القطط).

 

ونقل لنا الرواة أن أم الهيثم وهي أعرابية تعتبر مرجعًا لغويًا آنذاك، نزلت في العراق أيام احتدام النزاع اللغوي بين البصرة والكوفة ؛ دخل أبو عبيدة مع طائفة من العلماء يسألونها عما كانت عليه من مرض فقالت:

كنت وحْمى للدِّكة، فشهدت مأدُبة، فأكلت جبجبة من صفيف هِلَّعة فاعترتني زُلَّخة . فلم يفهموا عنها.

قالت إنها لغة قريش:

الدِّكَّة: الدسم.

الجَبجبة: الكرش يملأ بالشحم.

الهِلَّعة: أنثى المعز.

الزُّلَّخة: وجع يصيب الظهر.

فإذا كان أبو عبيدة قد بُهت، فما أحرانا اليوم ونحن أصحاب ذوق آخر أن ننكر هذه الكلمات المتعسفة...... ولعل في دعوة الأستاذ احمد أمين إلى إخراج هذه الكلمات من معاجم الطلاب شيئًا من الصدق.

فليكن مقالنا يسيرًا لينًا نفتش عن المعنى أولاً، ونلبسه الثوب الزاهي، ولكل مقام مقال. ولتكن لنا في قصة النحوي الذي وقع في الكنيف عبرة:

 كان يستنجد بلغة مسجوعة منمقة: هات لي حبلاً دقيقًا ، وشدني شدًا وثيقا ، ثم اجعل ذلك رقيقًا !

.. فما كان ممن حضر ليسعفه إلا أن قال:

  امرأتي طالق إن أخرجتك .