موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
الانتفاضة ...... والقصيدة الجديدة

 الرئيسية>>

أجاب محمود درويش في معرض رده على سؤال وجه إليه حول الشعر الفلسطيني اليوم:

إني أتردد طويلاً في التعبير عن الظن بأن الواقع الجديد لم ينتج بعد شعره الجديد...... وعلينا أن ننتظر لعل شاعرًا ما يكتب في هذه اللحظة قصيدتنا الجديدة....  - الكرمل ، العدد 33 ص 166 – 167.

وهذا  هو ما يتوقع شاعرنا الدرويش من الانتفاضة وحالة الاستنفار الشعبية التي نعيشها ، وحتى لا يبقى شعرنا تنويعات على ذاكرة شعرية ومرجعية خاصة ... . إنه بعبارة أخرى ينكر أن يكون أحدنا ، في داخل الوطن أو خارجه ، قد كتب قصيدتنا الجديدة ، فنحن إذن في حكم الانتظار والترقب ، والذي قيل كأنه لم يقل . وهذا الترقب بالذات يتكرر فيما كتبه عبد الله الحوراني

( رئيس دائرة الثقافة في م. ت. ف ) ،  وذلك في تقديمه للعدد الأول من المجلة التي صدرت  في تونس ( بيادر ) :

ونحن في بيادر نعتبر استقبالنا للغة الجديدة ولأشكال التعبير الجديدة نوعًا من الوفاء للانتفاضة والمواكبة لها   ( بيادر ) ، عدد كانون الثاني 1990 .

على ضوء هذين التصورين أتساءل : هل يمكن حقًا أن تبني الانتفاضة أشكالاً جديدة من التعبير ؟ وهل هناك ضرورة أصلاً لموازاة حقيقة بين ما يجري في الساحة السياسية وبين ما يجري في الساحة الأدبية ؟ وقبل ذلك ، من قال إن الانتفاضة هي جديدة مطلقة ؟ ألم يكن الرفض والمقاومة نهجــًا ومنذ أيام الاحتلال الأولى نهجته جماهير الشعب الفلسطيني  على جميع الأصعدة ؟

إن الجديد في الانتفاضة وبكلمات موجزة : الاستمرارية والتنظيم والتكثيف ، وبهذه الاتجاهات الثلاثة اكتسبت أهميتها حتى شهد لها أعداؤها . فهل الانتفاضة ثورة من لا شيء حتى نفترض أدبًا موازيًا فيه ثورة من لا شيء ؟ ليست الانتفاضة من طفرة واحدة – كما يتوهم البعض – حتى تستلزم تغييرًا جذريـًا في مناحي الحياة المختلفة... وبالتالي تتفجر انتفاضة كلامية .

ثم إن الأديب فرد يتأثر بالمجموع ، لكن إبداعه ينضبط في مقاييس ثقافية واجتماعية معقدة ، ولا يمكن أن نطلب منه الكتابة ....فيكتب على التو .

أما إذا اعتبر البعض تعابير ( الحجر ) ، ( الزنزانة ) ، ( الطفل ) ، ( أم الشهيد ) تعابير جديدة على شعرنا فذلك جهل بإبداعاتنا وعطائنا الشعري . فلو تصفحنا دواوين الشعر الفلسطيني لوجدنا نماذج وفيرة تتحدث عن المقاومة وانتهاجها ، وعن الثمن  الباهظ الذي يدفعه الفلسطيني في مقاومة المغتصب .

وتعبير ( الانتفاضة )- هذا التعبير الذي اعترف به معجم أكسفورد وأدخله في مواده ، هو في الواقع من إبداع حركة الجماهير المستمرة والمنظمة ، والتي كان 1987 /12/ 8 حلقة جديدة من سلسلتها . وهذا التعبير بالذات ورد في كتاباتنا ، وسأسوق مثلا :

كتب الشاعر الفلسطيني – المقيم في الشتات – أحمد دحبور قصيدة ( أنت ) في مجموعته ( بغير هذا جئت ) الصادرة سنة 1977 :

( إلى أهلنا في الأراضي المحتلة ... وانتفاضتهم العظيمة ) وفيها يقول :

أذكر الحجر الذي رشقته أمي في التظاهرة الأخيرة

هل نفذت إلى السريرة ؟

........

....... 

يخرج الطبشورة والممحاة والكتب الجديدة

تخرج الجغرافيا والحبر والأدوات ......

إذن ،  فلماذا لا يعترف محمود درويش بكل ما كتبناه ، وكأن ما صدر منا مجرد استعادة للذاكرة الغنائية الحماسية أو تأليف لنشيد جماعي .

وأية لغة يريدها الحوراني حتى تواكب الانتفاضة ؟ هل نتحدث على مستوى مثل وأحلام أم على مستوى واقع ومنطق ؟

إن شعرنا في مستوياته المتباينة عبر بشكل أو بآخر عن قضيتنا ، فترجم ما ترجم عن أحاسيسنا ، وكان في أساليبه المختلفة تتلقاه الجماهير ، فتصفق له ، أو تبكي معه ، وتحس بتلاحمه مع قضاياها .

فهل نتحدث إذن عن لون جديد هو ( شعر الشعر ) مثلا ؟ ومن ترى ننتظر ؟ ومن أين سيخلق . أليس من بيننا ، ومن ثقافة ثقفناها معه ، وسياسة خبرناها على جلودنا معه ؟، أم أنه سيقفز قفزة واحدة متجاوزًا الزمنية والمعقولية إلى حلم لا نستوعبه ، وعندها ستنقطع الخيوط فيما بيننا وبينه ؟

إن شعرنا تصعيد للشعر الذي أرسى قواعده الدرويش بالذات ، شأنه شأن الانتفاضة التي كانت تصعيدًا لمقاومة يومية . إنه تطور أدبي في أنماط وأساليب ولغة . فلماذا نظن الانتفاضة حدثًا فيه الغرابة تستلزم شعرًا جديدًا موازيًا ؟ أسأل ذلك وكلنا على يقين بأن من طبيعة الأدب أن يتطور وفي كل ظرف . وبدلاً من أن ينتظر الدرويش قصيدتنا الجديدة ليعد إلى ما كنا كتبناه .....فثمة ما نعتز به جميعًا ، وهذا لا ينفي بالطبع أننا نرنو دائمًا إلى مستقبل  أدبي وتعبيري أروع وأبدع .