موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
الشعراء والنرجسية

 الرئيسية>>

الأدب في اختزال التعاريف ذاتي أنوي شخصاني ، يمثل الموقف والحياة . وإذا لم يكن كذلك كان هشًا تذروه الرياح.... وكأنه لم يكتب بالأمس . والشعر أولاً وقبلاً هو التكثيف للمشاعر الذاتية والمنطلق الشخصي ، ولذا اتُّهم أصحابه بالنرجسية ، وكأن النرجسية – في هذا التفسير – سبـّة ومعرة .

بيد أن استعمال مصطلح ( النرجسية ) لا يشي بالتقليل من شأن من نتهمهم بها ، فهذا مذيع معروف قد استعمل المصطلح في برنامجه الثقافي في التلفزيون فقال : الشاعر نرجسي بطبعه ...

وهذا نزار قباني يكتب أسود على أبيض :

.... أيامي مع حورية الشعر لم تكن كلها أيام شهر عسل . كانت أحوالنا تشبه أحوال البحر مدًا وجزرًا وصحوًا ومطرًا وطقسًا جميلاً وعواصف مجنونة ... وكنت مشغولاً بأوراقي وكتاباتي ونرجسيتي ( الناقد – عدد آذار 1990 ، ص5 ) .

فالمذيع الذي أكد نرجسية الشعراء ونزار قباني لا يحمّلان التعبير أية دلالات سلبية .

ويبقى السؤال : إذن ،  لماذا هذه الظلال السلبية في دلالة ( النرجسية ) ؟

أسأل ذلك بعد أن طلب مني أحد المستمعين في برنامج ( معلم في الأستوديو ) أن أوضح له معنى المصطلح ، والله يعلم إن كان في سؤاله  بعض مكر قصده أحدهم ، فجاء السائل ووضعه بين أذني .

 والآن لا بد من العودة إلى النبع :

نرسيوس في الأسطورة اليونانية فتى وسيم الجمال ، خلب قلوب العذارى ، ومنهن إيكو  التي لم يبادلها حبا بحب . فحكمت عليه ربة الجزاء والحساب أن يتعذب كما تعذبت عشيقاته ، وذلك بأن يفتتن بجمال صورته في الماء ، فذوى جسده تدريجيًا وهو يتلاشى لهفة وشوقًا إلى صورته . وعندما ذهبت عرائس الماء تطلب رفاته لم يكن هناك إلا نرجسة مطرقة ترنو إلى الماء .

ومن هنا فما زلنا نرى زهر النرجس أبدًا مفتوح العينين لا يشبع من النظر إلى خياله على حوافي مجمعات المياه . 

وقد أدخل الدكتور (هافلوك أليس ) أستاذ الأبحاث الجنسية هذا المصطلح إلى دائرة علم النفس التحليلي -  بمعنى افتنان المرء أو إعجابه المتناهي بجسده -  حتى إنه يعجز عن إقامة علاقات عاطفية مع غيره ،  فيؤْثر أن يشبع رغائبه بطرق غير سوية .

ووقف عباس العقاد في دراسته عن أبي نواس على النرجسية عند هذا الشاعر فرأى فيها :

 شذوذ دقيق يؤدي إلى ضروب شتى من الشذوذ في غرائز الجنس وبواعث الإخلاص  ( أبو نواس ص 33 ) ثم وقف على تفريعات النرجسية من ( اشتهاء ذاتي ) و ( توثين ذاتي ) و ( تشخيص ) و ( ارتداد ) .

وفي العام نفسه (1953) الذي صدر به كتاب العقاد صدر كتاب د. محمد النويهي ( نفسية أبي نواس ) الذي عمد فيه كذلك إلى مصطلحات علم النفس مطبقًا إياها على شعر الشاعر .

غير أن  طه حسين احتج على الكاتبين في مقالته : بؤس أبي نواس - التي أعيد نشرها في كتاب ( خصام ونقد ) :

أولاً لأننا نخرج من ميدان تخصصنا المشروع فنقحم أنفسنا في موضوع لم نتعمقه ولم نتخصصه ، ونكون مجرد مقلدين لأشياء لا نفهمها ولا نتقنها .

 وثانيًا لأننا لا نستطيع أن نفحص أجسام الموتى أو نحلل أشخاصهم ،   ولا نستطيع أن نحلل  منهم إلا كلامهم وكلام الناس عنهم . ( انظر الرد الرائع على طه حسين الذي كتبه النويهي في  كتابه المذكور ص198 ).

لنعد إلى موضوعنا :

إن الشاعر متهم – غالبًا - بتمجيد ذاته ، بينما هو في الواقع يتقصّاها ويتقرّاها . وما دامت القصيدة لا تُحقق إلا باستقبال الجمهور لها فإن عدوى النرجسية لا بد واقع على المتلقي . بعبارة أخرى -  إنها نقل من المبدع إلى المبدع إليه ، والقارئ الذي لا يجد أنا ه  - هو - في القصيدة لا يحقق نرجسية ما ، وبالتالي ينعدم التواصل والتماثل . وإذا اعتبرنا الشاعر زعيمًا أدبيـًا فإن الأدبي والسياسي يرغبان في كسب عواطف الناس وتأييدهم . الأول يهمه العواطف العميقة الأصلية ، ويقتنع بالميسور من ضحك الجمهور أو دموعه ، وحسبه ذلك . بينما الثاني ( السياسي ) لا يعنيه أن تكون عواطف الناس ضحلة أو زائفة ، نبيلة أم كليلة ، المهم أن تؤيد نرجسيته لبناء شخصيته هو .

فشتان بين نرجسية الفنان الذي يحب ذاته ويصهرها ويقدمها للآخرين ، وبين نرجسية السياسي الذي يهمه انا ه أولاً وأخيرًا .

حاور ( بيتر فرستراتن ) محرر مجلة (علم الجمال ) – عدد تموز – كانون الأول 1965 – سارتر ، فقال المحرر :

نرجسية الشعر هي إذن نرجسية مضاعفة لا أكثر ولا أقل . نرجسية لا تتعلق بالمؤلف وحده بل بالقارئ أيضًا . فالقارئ يقيم مع الشعر على أساس هذا الغرض علاقة مماثلة لعلاقة الشاعر حين يكتب . ومن هنا يكون التواصل قد نحي جانبا إذا جاز التعبير ، ما دام الشعر في كلا المنظورين ينتج لحساب عجب الذات بالذات .

يجيبه سارتر :  هذه على ما أعتقد حقيقة الشعر ، وعلى الأقل منذ ظهور الرومانسية .

فرستراتن : إن نظرتك إلى الشعر هي إذن تنتقص من قدره .

سارتر :   بل هي نظرية وصفية  .

فرستران :  لكن بمقدار ما نستخدم فكرة النرجسية فكرة اللاتواصل أو فكرة الوسيط الجمالي الأكبر بين الوجدانات لتحديد وظيفة الشعر فإن في هذا الاستخدام موقفًا سلبيًا ، فكيف تتصور في هذا الحال خلاص الشعر ؟

سارتر :   خلاص الشعر إنما في أن يوجد نثر إلى جانبه  .

( انظر نص الحوار في كتاب سارتر - دفاع عن المثقفين  ، ص 233 )

نخلص إلى القول إن النرجسية في الأدب في مفهومنا اليوم تختلف عن النرجسية في علم النفس ، ولنزار قباني ما يشفع له وهو يعتز بنرجسيته .....