موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
حتى لا تُهمَل القصيدة!

 الرئيسية>>

تكتب القصيدة، وتُلقى جانبـًا.... كأنها لم تكن من مهجة الشاعر، كأنها  لم تكن وحيًا مبثوثًا إلى كل زمن وفي مكاننا/ كل مكان. أرخصْنا شعرنا في الورى بسبب فيضه وركامه وغموضه.... بل إبهامه.

تُكتب القصيدة وبعدها رحمها الله ،  فقد انتهت مهمتها. قرأها شاعر آخر  ، وهز رأسه إعجابًا أو إنكارًا، وقرأها آخر قراءة عجلى ،  وقال فيها رأيه، وربما حفظها ذلك في أوراقه، وندر من تبقى القصيدة في ذهنه حية فعالة ، وأندر جدًا من يحفظ بعض أبياتها  ، وأندر الأندر من يعمد إلى نص دون حساسية يشعها صاحبه.

          وبما أن القصيدة يجب ألا تكون نسخة طبق الأصل عن الأخرى، أو كالمولود الجديد له سماته وانطلاقاته، فإنه يجب أن نعاود القصيدة ،  لأنها ليست ماضيًا فقط ،  بل هي حاضر ومستقبل-  على غرار  (  كان  ) الملازمة للفظ  الجلالة.

          أقول ذلك بعد أن سمعت قارئًا يحفظ قصيدة عن ظهر قلب-  . إن القارئ  وهو يؤديها بنشوة  جعلني أعود إلى أجواء القصيدة بصحبته، فقلت إثر ذلك :

ما أحرانا أن نعود إلى قصائد كتبت، نراجعها، نقرأها قراءة جديدة، نستخلص منها، ننتقدها، نبقيها في وهج وتلألؤ، حتى لا نتنكر لها..... إلا إذا كانت مصابة بفقر دم وبفقر فكر.

أما أن يستمر ركام القصائد بناء فوق بناء  ، ومضمونًا على مضمون، فتلتقي النظرات العابرة على الأسماء البراقة والعناوين المثيرة  ضمن رتابة مملة ،  فإن ذلك لن يسمن أو يغني من أدب، ولن يكون ما بعد الكلام إلا الخواء.

 وعلى ذلك فإنني أرى ظاهرة انقطاع بعض الشعراء عن العطاء الشعري ظاهرة صحية طبيعية. فلنقرأهما عَودًا على بدء، فمن قال إنهم  انتهوا وانتهى شعرهم ، وأنهم يجب أن ينسحبوا من المشهد أو الساحة ، فما قالوه فيه ما يُعجب هذا أو يُطرب  ذاك ......وسنرى أن ما قيل آ نفًا فيه كثيرًا ما يصدق لاحقًًًا.

أقول ظاهرة صحية ، وأنا أدعو ألا يكتب الشاعر إلا ما يجد نفسه مضطرًا إلى الخوض فيه – يحفزه  إلهام أو خلق أو إثارة، وليس ثمة مبرر للاستمرار إذا لم يكن ما يُضاف، وليس ثمة ضرورة لافتعال الشعر حتى يكسب الشاعر صدقية وجوده الشعري ، أو خوفًا من أن  يقال لقد استُهلك واستُنفـــد .

قيل لأعرابي :  ما هو أحسن الشعر؟

فقال: ما أعطى القياد وبلغ المراد ....

وأجاب آخر ما لم يحجبه عن القلب شيء .

فليكتب الشاعر من القلب ، وليبلغ به المراد، ولن يتحقق ذلك إذا فعل ذلك مضطرًا لإثبات أهليته وجدارته واستمراريته. فما أحوجنا إلى الشاعر المقل المجيد، فطرفة وعمرو بن كلثوم وعبيد بن الأبرص وابن زريق  وغيرهم بلغوا منزلة شعرية بسبب قصائد معدودة.

وتحضرني قصة شاعر يوناني مفلق كان يكتب قصيدة كل أربع سنوات، فاحتج عليه شاعر يوناني مغمور وقال: أما أنا فأكتب أربعمائة، فأجابه الشاعر الكبير : أما أنا فأكتب حتى يخلد ما أكتب.

أريد لشاعرنا ألا يكون تحت ضغط سؤال وإلحاحه:

- هل من جديد؟

لتكن الإجابة لمن يسأل:

- وهل تعرفت على ما كُتب  قبلاً ووُلد.... قبل سؤالك اليوم  عن مولود جديد ؟

ويزعجني حقًًا ألا نعود إلى قصائدنا القديمة، أو أن يتطاول مدّعٍ عليك ويقول : هذه القصيدة انتهت وانتهى دورها  ..... فهل كانت هزلى عجافـًا حتى يُلقى بها جانبًا ،  وكأنها لباس قد انتهت    (مودته)؟

لنكن مقلّين مجيدين، ولنبدأ بالإبداع أكثر  في شعر الأطفال... وفي المسرح الشعري  ، لأن العطاء في هذين الميدانين نزر يسير، ولتكن قصيدة واحدة تدور في فلك شعري ، ولكن : قصيدة!

قيل للبؤة : إنك تلدين واحدًا أو اثنين فقط......

 فقالت:هذا صحيح ،  ولكني ألد شبلاً.