موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
كل صوت نقي هو دعامة لقضيتنا

 الرئيسية>>

في لقاء الاحتفاء بكتابي الصادر في العبرية، والذي جرى مؤخرًا في بيت الأديب في تل أبيب، استفسر البروفيسور موريه عن السبب الذي يحدونا إلى إصدار كتب بالعبرية، وفي هذه الأيام بالذات؟

قلت: لقد دُعيت إلى أكثر من منتدى يهودي في الكيبوتسات والمؤسسات، فكنت ألحظ شدة اهتمامهم بأدبنا. وما قرأت قصيدة إلا وكانت الأسئلة تتوالى: أين يمكن أن نحصل على هذا؟ كيف يمكننا أن نتعرف إليكم؟ أين كنتم؟ ثم إن الكاتب العربي ينطلق من قضية يعانيها هو وأبناء شعبه، وهو يتطلع إلى توصيلها، ويبحث من وراء كلماته عن متلقٍّ، وكم بالحري إذا كان عبريًا تهمه القضية، فليست الصعوبة كامنة في القارئ العربي حتى يحس صدق القضية والموقف، بل هي في الجانب الآخر حيث يجد الكاتب صدى لصوته وفي مختلف القطاعات.

ثم إن كل أديب  يحب – بطبعه – الشهرة ،  وأن يكون معروفًا في كل لغة وفي كل شعب، واهتمام الأديب بترجمة أدبه إلى لغة أخرى هو جزء من عملية نشر أدبه، ودورة الأدب لا تكتمل إلا بالوصول، فما فائدة العطر المكنوز في قارورة مختومة؟ أو على الأقل -  ما أقل أثرها ،  وهي تعبق في زاوية واحدة!

 وعلى ذلك، فالأديب العربي أخذ يعي دوره ومكانته، ويعمل على الوصول إلى الشعب الآخر، فهذا س . مصالحة يترجمذاكرة للنسيان لمحمود درويش، وهذا أ. شماس يترجم لطه محمد علي ، بالإضافة إلى الأعمال الأدبية التي تكتب أصلا في العبرية ...مما يعرّف القارئ العبري على عوالم جديدة.

زارني قبل أيام شاعر عبري يسكن كيبوتس (عين شيمر) المتاخم لقريتي. وبالرغم من أننا أبناء جيل واحد، فإننا لم نتعرف إلى بعضنا البعض. غير أن كتابي الأحزان التي لم تفهم -  بالعبرية - كان فاتحة لقاء بيننا. كان يقرأ ويترنم- هكذا خُيل لي- ويكتشف أفقًا جديدًا. يقف بين الفينة والفينة ويقول: هذا المعنى ورد في شعري. ما أشد التشابه بيننا في بعض المضامين والتكنيك الشعري!

قلت له: لعلي سرقتك وأنت لا تدري. يا خسارتك!

 ثم أردفت : قرأت  لك قبل عشرين سنة قصيدة بعنوان فلسطينية لا زلت أذكرها، وفيها تحدثت عن الفلسطيني الذي جاء إلى منطقة الكيبوتس، وأخذ يستذكر ويقول: هنا كانت البئر، هنا كانت المضافة..... ثم انتقلت كاميرا التصور في مخيلتك إلى ابنك، وتخيلته  أنت بأنه سيأتي بعد ثلاثين عامًا، وسيقول: هنا كانت غرفة الأطفال. هنا كانت غرفة الطعام، هنا...     إنها فكرة إنسانية قوامها الخشية من مصير مماثل، وبالتالي فيها تطهير (كاتارسيس).

اعترف الشاعر واسمه (عيلي ألون) بأن مفاهيمه تغيرت بعد الانتفاضة، وأننا يجب أن نكون معًا لمقارعة كل مظاهر العنصرية في السياسة الإسرائيلية، وبأننا يجب أن نشترك في المظاهرات والمواقف والكتابة، وبأننا...

قلت له:  أذكر أننا  كنا أدباء وفنانين عربًا ويهودًا في مواجهة معتقل أنصار(3). يومها شعرت بعمق الإنسانية التي تجمعنا في عُراها. إن كل صوت يهودي نقي هو دعامة لقضيتنا وسند لها.

قال: لماذا لا تستمرون في الوصول إلينا؟ ترجموا! حاضروا، اكتبوا، فكل قربى لكم خدمة لقضيتكم ولشعبكم، وبمقدار ليس أقل هي خدمة لنا ولشعبنا.