موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
هل يقرأ الكتاب من عنوانه؟

 الرئيسية>>

 قالوا في المثل الشعبي إن: المكتوب نقرأه من عنوانه.

ونظرة فاحصة للمؤلفات الشعرية والنثرية، وإلى عناوينها، تجد هذه العلاقة المتبادلة بينها.

وعناوين القصائد، وكذلك عناوين المجموعات الشعرية، استحدثت نهجًا في مطلع هذا القرن، ذلك أنه كان لكل شاعر ديوانه، فهذا ديوان البارودي وذلك ديوان الخليل وأشعار شوقي هي الشوقيات...الخ. وكانت القصائد تسمى بمطالعها فهذه قفا نبك وتلك أطاعن خيلاً وهذه على اليرموك قف واقرا السلاما وتلك ألا هبوا واستفيقوا أيها العرب.

وقد ذهب عباس العقاد إلى أن مدرسة الديوان هي التي ابتدعت العناوين للقصائد، وذلك بتأثير الأدب الغربي:

 لم يكن للقصيدة اسم، ودونك الجرائد فأقرأها...  إلا بعد مدرستنا، فأصبح للقصيدة وحدة شخصية ( انظر كتاب عبد الحي دياب: فصول في النقد الأدبي الحديث ص 90).

والواقع أن ثمة قصائد كثيرة كتبها أصحابها وسمَّوها بأسمائها، ونظرة في كتاب أحمد قبش تاريخ الشعر العربي الحديث فإنه يطلعنا على نتاج عائشة التيمورية (1840-1902) وأن لها ديوانًا بالتركية (شكوفة) بمعنى (وردة) ،  وديوانًا بالعربية حلية الطراز، وكان يوسف النبهاني الملقب بحسّان(1849-1932) يسمى مجموعاته وقصائده، وعلى غراره كان علي الغاياتي(1885-1965) ومصطفى بن زكري (1853-1918) .....ولكن هذه التسميات كانت قليلة ونادرة.

 أما العقاد فقد أصدر مجموعاته الأولى بغير أسماء ،  وقد أصدرها بعنوانديوان العقاد وقسم الديوان إلى أجزاء. وعندما أصدر المجموعات الأربع في مجلد واحد سنة (1928) جعل لكل جزء اسمًا فالجزء الأول- يقظة الصباح، والجزء الثاني – وهج الظهيرة، والجزء الثالث – أشباح الأصيل، والجزء الرابع – أشجان الليل. وهذه التسميات ربما تكون بتأثير الشاعر الفرنسي فوج(1818-1910) الذي قسم مسرحية له إلى أربعة أجزاء: السحر،الظهيرة، الغروب، الليل.

ولو طالعنا دواوين شاعر ما فإننا سرعان ما نكتشف طريقته في الأداء. فمحمود دسوقي مثلا يقدم لنا مع الأحرار، في موكب الأحرار، ذكريات ونار، جسر العودة، طير أبابيل ونحن لا نحتاج إلى ذكاء خاص حتى نستطيع تلمس الشكل المحافظ والمضمون الوطني لشعره، بينما نجد معاني الوحدة والطموح والبحث عن الحب والخلاص في تسميات عناوين فدوى طوقان، كما نجد فكرة الكنعانية والفهم الخاص للإسلام في شعر أحمد حسين من خلال مجموعتيه ترنيمة الرب المنتظر، عنات.

والشاعر غالبا ما يختار اسم مجموعته على اسم قصيدة من قصائد هذه المجموعة كما هو الحال لدى أحمد دحبور في مجموعاته: الضواري وعيون الأطفال، حكاية الولد الفلسطيني، طائر الوحدات، بغير هذا جئت، اختلاط الليل والنهار، شهادة بالأصابع الخمس.

وقد يكون الاسم يحوي دلالة أو رمزًا كعنوان واحد وعشرون بحرًا ولا يعني الشاعر إلا قصائده الإحدى والعشرين أو القصيدة ك لتوفيق الصايغ ،  ولا يعني بها إلا (كي) محبو بته الإنجليزية التي تعرف عليها في مطلع سنة 1957 في كمبردج.

وقد نرى الإبداع في اختيار العنوان متماثلاً مع هذه الطاقة الخلاقة في الشعر الحديث....فيعتمد العنوان على التكثيف مثل مرح الغربة الشرقية، بحيرة المصل قرآن الموت والياسمين، وقد يعتمد على التركيب الجديد: محطات للتعب، العاطل عن الوردة بحثًا عن المهب، شمس الرخام.

والعنوان فيه تراسل مع التجربة المبثوثة في تضاعيف الديوان، إنه يقدم إشعاعًا أوليًا للتأمل، يفتح آفاقًا للحوار. وكلما كُسر العنوان العادي والمألوف فإنه يبعث على الدهشة والمفاجأة، وعناوين الشعراء البحرانيين - قاسم حداد وعلي الشرقاوي وعليوي الهاشمي فيها الكثير من الإيحاء، أذكر منها محفوظات غيث ابن اليراعة ولا يملك القارئ – منذ البدء – إلا أن يتساءل من هذا غيث؟ وأذكر أن محمد عفيفي مطر قد أشغلنا مرة في تفسير عنوان مجموعته ملامح من الوجه الأنبادوقليسي كما اشغلني  عنوانا سولارا و هيروديا...  الخ، فعناوين الشعر هذه الأيام فيها أبعاد ودلالات مختلفة، وفيها إغراب وتفتيت، وهذا لا يعني أن ثمة أشعار فيها الحداثة بكل تجلياتها لا تقع تحت عنوان مباشر كعنوان رباعيات لمحمد عفيفي مطر أو قصيدة غرام عراقية لفالح عبد الرحمن، إلا أن الغالب في اختيار العنوان هو موازاة في الكثافة والتصوير، واختزال للطاقة الفكرية والجمالية، وينطبق هذا على الشعر والنثر، ولا أدري بعد هذا كله كم يصح القول:

يقرأ الكتاب من عنوانه.