موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
مشروع دراسة : حول صدق التاريخ الأدبي

 الرئيسية>>

لا شك أن المستشرق ( مرجليوت ) ومن بعده الدكتور طه حسين في نظرية الشك الديكارتية التي طبقت على كثير من الشعر الجاهلي قد فتحا نوافذ وآفاقًا .

وتحضرني الآن تساؤلات ، قد تكون مشروع دراسات جديدة حول صدق التاريخ الأدبي ومنطقه .

ولو خرجنا بعد قراءة طه حسين في كتابه ( في الشعر الجاهلي ) رافضين ، وقلنا إن امرأ القيس حي في وجداننا وفي شعرنا ، ولا ضير علينا  ولا ضرار عليه لعدنا نتساءل – مع  أن المستشرق ( مونرو ) يريدنا أن نحكم من خلال منطق القدماء – نتساءل في سيرة امرئ القيس :

            كيف يصل إلى إنسان نعيُ أبيه ويظل يسكر ويلعب النرد ؟ أليست لعبة النرد تحتاج إلى إعمال فكر ؟

 وإذا كان الإنسان يفكر في كسب الدست ،  فكم بالحري أن تصحّيه الفاجعة ويقوم لتوه... ولا يقول قولته المأثورة : اليوم خمر ، وغدًا أمر ... أم إن القصة وردت حتى تظهر فتوته وعدم جزعه ، وحتى يتلاءم الموقف وما قاله الأب المحتضَر أن يقوم بمهمة الثأر ذلك الذي  لا يجزع من بنيه ؟ قلت لكم بالحري أن تصحيه الفاجعة وهو الشاعر ، ونحن نعرف أن الشاعر في طبيعته عاطفي منفعل ...

وإذا كان امرؤ القيس قد كسب القبائل ، وقتل من بني أسد ما قتل ، فلماذا تتخلى عنه القبائل بهذه السرعة ؟ ألأنه قتل مائة ، وهي تقتنع بالعدد ؟

ولنأت إلى طَرَفة :

تحدثنا كتب الأدب أن عمرو بن هند أرسل طرفة وخاله المتلمس إلى المكعبر والي البحرين ، ومع كل منهما رسالة تأمر الوالي بقتل حاملها ...

أما المتلمس فقد أوجس في نفسه خيفة ، فأقرأ رسالته لأحد حزاورة العرب ، فإذا بها الصحيفة المشهورة ، وإذا بالمثل ينطبق على حامل موته بيده . وتحدثنا الأخبار أن المتلمس حاول إقناع طرفة أن يطلع رسالته أحدًا ، لكن طرفة أبى ، لأنه مقتنع أن مصيره لا يمكن إلا أن يكون العطاء والتكريم . ومن المنطق في مثل هذه الحالة – وبعد فتح  رسالة خاله-  أن يقرأ طرفة رسالته ، أو يقرأوها له . ثم إن شخصية طرفة الشاب مطالبة بالحق لا تستسلم . ودليلنا معلقته .. فابن عمه ( مالك ) لا يطيق الشاعر ، ويخاصمه بسبب إلحاح طرفة على حقوق أخيه معبد :

فما لي أراني وابن عمي مالكًا              متى أدن منه ينأ عني ويبعد؟

على غير شيء قلته غير أنني :            نشدت فلم أغفل حمولة معبد

نخلص إلى القول إن قصة طرفة هذه قصة تصلح لأدب الأطفال لتعلم هؤلاء أصول الحذر .

فهل طرفة بهذه السذاجة حتى يأتي إلى البحرين يمنّي نفسه ، ويتخلى عنه خاله المتلمس الذي كان وإياه في مجابهة عمرو بن هند ؟؟

ولنأت إلى زهير بن أبي سلمى :

والمبالغة تقول إنه ما كان يحيى هرمًا ( عِموا صباحًا أو مساءً ) حتى يأخذ وليدة أو فرسًا أو ...

فما هذا المنطق ؟ وهل سلام زهير له أهمية خاصة ؟ وهل مكانة زهير ( الذي أشبع سارقي إبله سبًّا وأودوا بالإبل ) مكانة خاصة ؟؟؟

ولنفرض أن زهيرًا كان يحصل على ذلك ، فما هو المنطق أن تأتي إلى جماعة ، بلغة اليوم ، وتقول : صبحكم الله بالخير إلا العم أحمد وهو أفضل الحاضرين ... هكذا وبصورة تلقائية!!!

وهل أجدادنا بهذه القحة ؟ وأين التواضع الذي حدثونا عنه ؟ بل أين المجلس القبلي الذي جرى فيه مثل هذا في تاريخ العرب ؟

وفي ترجمة عمرو بن كلثوم قصة دراماتيكية تصلح لبعث الاعتزاز في نفس النشء ... ولكن كيف يتأتى قتل عمرو بن هند في مجلسه وبين أهله ولا يتعرض له أحد بسوء ؟

وإذا كان عمرو بن كلثوم فاتكًا لا يجرؤ عليه أحد ، فلماذا لا يحل محل عمرو بن هند في زعامة قبائل العرب من قبل النعمان بن المنذر ؟؟؟

وأما الحارث بن حلزة فتحدثنا الروايات أنه ارتجل قصيدته التي مطلعها :

 آذنتنا ببينها أسماء : رب ثاو يمل منه الثواء 

ارتجلها دون سابق إعداد ؟ بل تحدثنا الروايات أنه اتكأ على رمح نفذ من يده - وهو لا يدري لفرط تأثره ...

ولن نواصل المبالغات ونتحدث عن عنترة .. فهي هنا أسطورية أكثر منها أدبية تاريخية ...

وإذا انتقلنا إلى العصر الإسلامي فقصص العذريين تتشابه ، وكأن لُحمتها وسَداها من الخيط نفسه : تموت العاشقة ، ثم يشهق العاشق بعدها شهقة ويموت .

ولو قرأنا أمثال العرب لوجدنا :

أخطب من سحبان / أفصح من سحبان / أبلغ من سحبان .

على أن سحبان وائل المشهور بالفصاحة والبلاغة والخطابة لم يعرف له غير مقطوعة صغيرة لا تدل على بلاغة خاصة أو مكانة تشفع لها بالسبق ، ولم يرد في أمهات الكتب الأدبية قطعة أخرى له ، أو أخبار تتجاوز خبرًا مبالغًا فيه ، ذلك أنه خطب من صلاة الظهر حتى العصر ، فما تنحنح ولا تلكأ ولا تلجلج !!! وقس على ذلك .

بل إن حياة عمر بن أبي ربيعة الغزلية الماجنة تنتهي بقسم أنه لم يفعل فاحشة قط .

وإذا جئنا إلى فترة العباسيين ، وهي فترة التدوين فإن الأمر لا ينقطع . ولنأخذ مثلين بارزين :

فهذا المتنبي ، شاعرنا الكبير ، هذه الشخصية الحذرة من مصائب الدهر ، المتعلقة ، والمتكيفة لواقعها الجديد ، والمتمردة في نفس الآن ، هذا الشاعر يكمن له أعداؤه ، وعندما ينجح في الخلاص يعيده بيت من الشعر ، إذ يقول له غلامه : أتهرب وأنت القائل :

 الخيل والليل والبيداء تعرفني :              والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فهل هذا البيت له هذه القدسية حتى تعيده إلى الثبات ... مع أن الجرأة طبع من طباعه ؟؟؟

أما أبو العلاء المعري فذكاؤه خارق : يلعب النرد والشطرنج – وهو البصير – ، ويحضر محاكمة لينقل حوارًا بلغة أردية لا يفهمها ، بل يعرف مكان شجرة بين المعرة وبغداد ... وقس على ذلك .

والذي أريد أن أقوله من وراء هذه الملاحظات أن التهويل والمبالغة جزء من تاريخ الأدب ، وكأنها أمر لازب لا غناء عنه ، وذلك حتى تظهر السجايا التي يعتز بها العربي ...

إننا بحاجة إلى التعامل والنص أكثر من تعاملنا وتاريخ الأدب ، ودراسة التاريخ لا تهم إلا بالقدر الذي يخدم دراسة القصيدة .

ونحن بحاجة إلى غربلة الكثير ، وألا نسمح لأنفسنا بإعادة طبع مادة لا تنسجم وذوقنا المعاصر .

ونحن بحاجة إلى فحص مقارن ... فنرى هل في آداب الأمم – ولا أعني أساطيرها – ما يشبه هذه الروايات ...

والتساؤلات – كما قلنا – مشروع دراسة ، ولا تبدأ الدراسة إلا بعد تساؤل ...