موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
نجيب محفوظ .. والسياسة

 الرئيسية>>

أفردت مجلة المصور القاهرية عددًا خاصًا لتكريم نجيب محفوظ بمناسبة حصوله على جائزة نوبل . ( عدد 21 أكتوبر 1988 ) – وقد ضم العدد العديد من الدراسات والمقابلات اشترك فيها نخبة من أدباء العرب البارزين . ويأتي هذا التكريم تحية للكلمة المشرقة البناءة والأدب الرفيع الرائع الذي أعطى منه محفوظ الكثير ، ولا إنكار .

 وقد وقفت كثيرًا عند حوار الأسبوع الذي أعده للنشر يوسف القعيد ومحمد الشاذلي وسلامة مجاهد ونجوان عبد اللطيف – هذا الحوار الطويل – الذي استغرق خمس ساعات أو ست عشرة صفحة – تناول أدبه وحياته ومواقفه الاجتماعية والسياسية .

ومع أني أناقش – في هذا المقال – آراءه السياسية وأنكرها عليه وخاصة ما نشر في المصور إلا أنه لا بد لي من التأكد أولا على أنني من عشاق أدبه ، وخاصة ما نشره حتى السبعينيات ، أما بعد ذلك فلم أتحمس لكتاباته بأية حال ، ولي الكثير من المآخذ عليها ، ولم يكن لموافقة السياسية تأثير مطلقًا على حكمي هذا . وثانيًا على أنني أرى استحقاقه لجائزة نوبل ، وأعترف أنه يوم أن فاز بالجائزة كنت أبشر أصدقائي هاتفيًا ، وقد تحدثت عنه وعن أدبه في دار الإذاعة بشيء من الفخر والاعتزاز .

وإذ أتوقف عند آراء محفوظ السياسية لا يسعني إلا أن أقف مشدوهًا أمام هذا السقوط وعمى الألوان كما تجلى في حوار الأسبوع ضاربًا صفحًا عن كل ما صرح به أيام مبادرة السادات لصحف الخليج ، تصريحات لا يمكن أن توصف بالذكاء .

يسأل المحاورون في المصور محفوظًا : كيف تقيّم فترة عبد الناصر ؟

يعترف محفوظ بأن عبد الناصر غيّر الحياة من جذورها وحرر الشعب من الإقطاع وأصحاب رؤوس الأموال المستغلّين ، وأن هذه الانتقالة التي حدثت للشعب المصري لم يحدث في تاريخه من قبل لكنه ما يلبث أن يطعن نظام الناصري بما يناقض ما ذكره آنفًا فيقول :

  إن عبد الناصر سلب داخل المواطن شجاعته وإحساسه بالكرامة وإحساسه بالأمان ، وهذا شيء فظيع . وفي وسط هذا الظلام ظهر الفساد ...  حتى المشروعات الإيجابية – ظاهرًا – كانت تقررها مجموعة معينهة ( ص69 ) .

ونتساءل : كيف إذن غير عبد الناصر الحياة من جذورها... وحرر الشعب ما دام الفساد كامنًا والظلام طاغيًا وكرامة الإنسان مفقودة ؟

وعندما يضرب محفوظ مثلا على الفساد الذي استشرى لا يجد إلا مجانية التعليم ، فهو يرى أن هذا المشروع الإيجابي يقتضي برنامجًا تخطيطيًا طويل المدى يوفر مدارس مؤهلة ومدرسين وأدوات ويربط بين احتياجات المجتمع والتخصصات المتاحة ، وهذا لا يتم بين يوم وليلة . ولكن مع الأسف أصبح التعليم مثل الأوتوبيس يحشر فيه الجميع . وانتهت هذه الإيجابية الكبرى إلى أن تكون تجهيلاً بمصروفات باهظة ( ص 70 ) .

وهذا الكلام ... يذكرني بما ردده د. عبد الله عنان ( المؤرخ المصري المشهور وخاصة فيما يتعلق بالفترة الأندلسية ) في مذكراته ثلثا قرن من الزمان – ( كتاب الهلال ، يناير- 1988 ) ، فهو يعتبر ثورة مصر انقلابًا عسكريًا فقط . وفي ظل هذه الدكتاتورية العسكرية تم نهب أموال  ، وقررت سيادة الكتلة العاملة بطريقة دستورية بعد أن كانت سائر طبقات الأمة تعيش في مودة وتحابّ ( ثلثا قرن ص 53 ) .

ويواصل عنان هذا الموقف حتى يصل به القول إلى أنه تم فتح الجامعات بلا حدود ولا شروط ولا اعتبار للبيئة والقيم الأخلاقية ... وقد كان جديرًا أن تخصص إحدى الجامعات على الأقل للطلبة الذين يؤيدون المصاريف الجامعية ويمتازون بمستواهم العائلي والأخلاقي ( ثلثا قرن ص 238 ) .

وإذا كان عنان لا يرى بحرب اليمن مصلحة ثورية حقيقية ( ن . م – ص 240 ) فإن محفوظًا يكرر هو كذلك هذه اللازمة التي كان يرددها الغرب الحريص جدًا على سلامة اليمن السعيد ؟؟

 يقول محفوظ : وبسبب غياب الديمقراطية كانت حرب اليمن ... لقد فهم عبد الناصر أنه تورط في هذه الحرب ( ص 70 ) .

وعندما يسأله المحاورون : وما هي إنجازات السادات ؟

يجيب محفوظ هما أمران : انتصار أكتوبر والسلام ، وأما عيوبه فأهمها إقرار سياسة الانفتاح ( ص 70 ) .

ويبدو لي أن ذكر عيوبه كانت ضريبة كلامية ، ولم تتعدّ ذلك ، فالذي يعتقد حقاّ أن السادات قد حقق هذين الأمرين تنقصه المقوّمات الأولى لفهم السياسة العالمية على حقيقتها ،وليس المهم أن تقول كلمتك وتمشي ،  بل الأهم أن تعلل كيف ومتى وماذا .

 وعندما يسأل عن مقاطعة كتبه التي تمت على اثر موافقة السياسة أجاب محفوظ :

الغرب الآن ينشدون التفاوض والسلام وجزء كبير ( أشدد على كبير _ف. م ) من المجتمع الإسرائيلي ينشد السلام إذن يستحقون هم أيضا من جانبهم هذه المقاطعة .

ومع أن محفوظ امتدح الانتفاضة لأنها وضعت مصير الفلسطينيين في أيديهم لأول مرة فهو يقول بطريقة سياسة مستهجنة :

 من الممكن أن ينشأ السلام وينشأ كيان فلسطين في شكل دولة أو شكل فيدرالي أو في أي شكل وتحل المشكلة (ص 70 ) .

إذن  فالمسألة أن يكون أي حل ولا يهم كيف ، فالمهم أن نتخلص من هؤلاء المزعجين ؟!

وتسأله المصور فبأي إطار تضع نفسك بالنسبة لمصر الوطنية ومصر القومية ؟

 يجيب نجيب : السياسة أساسها في نظري المصلحة المشتركة بمعناها العام . والسؤال المطروح هو أين مصلحة مصر ؟ أنا أ جد أن بيني وبين العرب تاريخًا مشتركًا وثقافة مشتركة ولغة مشتركة من لا يستفيد يكون  أحمق  ( الأصح يستفِد يكن  . ف. م. )   - ص 70  .

ورغم أن الإجابة صائبة شكليًا إلا أننا نلاحظ من وراء السطور وكأن محفوظًا لا يشعر بانتمائه العربي ، وإنما لأن مصلحة مصر تقتضي ذلك . وتتمة إجابة محفوظ تشي بأنه غير مقتنع بالعروبة أصلاً وإنما هي قضية لغة فقط ، فهو يقول :

وعندما سألوا النبي (ص) عمن يكون العربي ،  قال الذي يتكلم العربية   هكذا إذن ؟ كل من يتكلم العربية ويتقنها هو عربي ، وكأن العروبة طلاء براني وعرض ليس من الجوهر في شيء انتماء مصر هو انتماء مصلحة ؟

يجيب محفوظ : افرض _ وهذا فرض جدالي غير واقعي أنني أجد مصلحتي في عمل اتحاد مع إفريقيا أو مع البحر الأبيض ( الله يرحمك يا طه حسين ويرحم كتابك مستقبل الثقافة في مصر _ ف. م. ) لماذا لا افعله مع أنني في الواقع أحاول الاتحاد مع العرب .

وبرغم أن محفوظًا يؤكد أنه يجب أن نركز على ما يوحد ولا يفرق ، وأنه يجب أن نبدأ بالوحدة الثقافية حتى نصل إلى الوحدة السياسية إلا أن أحاديثه السياسية لا تشف عن تعمق ووعي بالقضايا العربية ، فهو يتحدث من الخارج لا من الداخل وكأنه كوسموبوليتاني _ شمولي _

ومن الغريب العجيب أن يتعثر بعض الكتاب التقدميين في تقدير مواقف محفوظ السياسية .ففي زاوية على باب الله التي يكتبها محمود السعدني يبرز السعدني ما فعله محفوظ وكأن شيئًا لم يكن :

ما الجناية التي ارتكبها محفوظ على وجه التحديد ؟ وهل جريمته أنه أبدى موافقته على السلام العادل والدائم... صحيح أن كامب دافيد لم تحقق السلام الدائم أو العادل ولكن نجيب محفوظ كان مع فكرة كامب دافيد ، ولكنه  بالقطع ليس مع نتائجها ... (ص 74).

 أرأيتم كيف يقع كاتب كالسعدني في مغالطات ؟ فهو يدافع عن كامب دافيد كفكرة ، ولكنه يهاجمها كنتيجة.... فما عدا مما بدا ؟ ولولا أن السعدني كتب مقالته كلها جادًا لظننت أن الأمر لا يعدو إلا أن يكون سخرية - والسخرية هي أبرز لون في كتابته -

وبعد. ...

فقد كشفت عن جانب من محفوظ لا يروق لي ، وأرى أنه قد أقحم فيه ، فضل صاحبنا وغوى ، بل هوى في درك السياسة التي تفسد . ولا أدري إن كان سينجو من هذا الدرك والباقي له من الزمن ساعة .