موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
إسهام في النقاش – ماذا يعني أن تكون شاعرًا - كفى شهادات ولنمتحن أنفسنا

 الرئيسية>>

طالعنا مؤخرًا آراء مبتسرة غير مدروسة تأتينا من كل حدب وصوب ، فمن سياسة أدب وأدب سياسة إلى أستاذية تصنف هذا وذاك ، ومن شهادة عن نبيه القاسم أنه أكثر من اهتم بنقد الشعر ( ؟؟ ) إلى توزيع ألقاب ومواصفات على غرار أدباء بلاط ، يستجْدون السلطة .

     وفي غمرة هذه المناقشات التي فيها شيء من التفاهة وكثير من التجنّي يؤْثر الذي يؤثر السلامة أن يربأ بنفسه عن مهارته لا تُسمن ولا تغني من أدب .

فهذه صحيفة تنشر مقالاً استعراضيًا لا يشفع لها شافع إلا أنه يناطح صخرة سميح القاسم ، وذاك صحافي بحاجة إلى تشجيع يجعل من الكتاب النقدي الذي صدر عن سميح مجرد تمارين لكتاب مبتدئين ، وهذا ناقد ( هو ناقد قصة أصلا ) يحشد العشرات من أسماء الشعراء في خلطة عجيبة مريبة فيكون مسيئًا أكثر من حجم نواياه .

وقد يتساءل القارئ على ضوء مقالة نبيه القاسم : ومن هم الأعلام في أدبنا ؟

والإجابة في رأيي لن تحدد بالأسماء كقوالب جاهزة ، أولا ثانيًا ثالثًا رابعًا ، ذلك لأن الشعراء يجدون باختلاف تجاربهم ومناحي عطائهم من يصغي لهم ، ولكلٍ قراؤه ومحبوه . والشاعر كالمطرب أو كأي فنان سيجد من يصغي له ويصفق ويستحسن ، وسيجد من ينفر ويستهجن ، ولن يكون عدد المعجبين مقررًا بقدر ما تقرر نوعيتهم وأهليتهم ، وسأكون صريحًا أكثر فأنا لا يهمني شخص لا يحسن قراءة بيت شعر .

إذن  فلنعدْ للشاعر نفسه ، وسأحاول مجتهدًا أن أقدم كشافًا يمتحن الشاعر نفسه من خلاله بصدق وذلك في :

أ‌)        ترجمة شعره إلى أية لغة أخرى حتى إلى اللغة العربية بصورة معادلة .

ب‌)     مدى بوحه الذاتي والنفسي .

ج) مدى دورانه في خدمة قضية ما ، حتى ولو كانت هذه القضية وجودية غائمة ، فهذا لا ينفي كونها شاغلا محببًا للمبدع ، وسيصنع الحجر الذي يلقيه دوائر قد تكبر وتصغر وتغمض لكنها تبقى ضمن الرؤيا .  

وثمة ضرورة للحديث عن التجربة الذاتية ومن منطلق الصدق والتوصيل ، وذلك إذا سألني سائل :

أنت ناقد أصدرت كتابين في دراسة الشعر المحلي ،  وهما عرض ونقد في الشعر المحلي و الرؤيا والإشعاع ، وقد نشرت في الصحف زاوية قصيدة وشاعر فلماذا كففت عن النقد ؟ 

والإجابة عندي : إن حركة النقد بصورة عامة أخذت تنحو هذه الأيام تجاه البحوث والدراسات ، ثم إن الذنب ليس ذنب الناقد بقدر ما هو ذنب الشاعر ، فإذا فرضت قصائد نفسها ، وأوحت للناقد بفكرة أو تصور أو إشارة فإنه سرعان ما يلجأ إلى التحبير والتنظير ، ويعرف الأدباء معنى الرغبة الجامحة والهوس المستبد قبل المعالجة ، ولا بد من حالة مهيمنة من المعاناة والتواجد قبل الشروع في فتح باب مغلق . 

فلنعد الكرة إلى الشاعر ولنسأله : لماذا لم تُثر قصيدتك لونًا أو قضية ، فكرة أو بعدًا يسوقني إلى الكتابة عنك ؟

وليسأل نفسه : هل قصيدتي مُسَودة ( نسخة – كوبي ) عن سواها وهل أقول معادًا من قولنا مكرورًا ؟

وأنا أعرف خطورة هذا التوجه لأن حظ شعري من النقد يدعوني للتساؤل : لمن أكتب ؟ لكني أعزي نفسي أن بعض شعري يستعصي على الآخرين كما يستعصي عليّ بعض أشعار سعدي يوسف مثلا . وحبذا التقرب من الشاعر في حالة الواقع وتلمّس أهليته لنعرف في أي فلك يدور . أما هؤلاء الذين يستطيعون النقد من غير إدراك واع لتجربة الشاعر وإلمام بخيوط لا يمسكها كل قارئ فهم قلة بيننا . 

وليعذرني القارئ إن تحدثت عن تجاربي النقدية كذلك فقد أصدرت الجنى في الشعر الحديث و والجنى في النثر الحديث ولا أقبل ادعاء من ادعى أن هذه كتب مدرسية  فقط ، فالجواب له : إن التعامل النقدي مع الطلاب هو الذي يكشف هويتنا حقًا .

ففي كتابي عن الشعر مثلا التزمت منهجًا أراه هو المعيار في دراسة كل قصيدة :

أ‌)        أجملت مضمون القصيدة .

ب‌)     وقفت على الوسائل الفنية وخصائص القصيدة في أدائها ومنهجها وأسلوبها وإيقاعها .

ج) تناولت طريقة توظيف اللغة والألفاظ وكيف يخدم الشكل المعنى .

د) اثبتّ الإشارة الثقافية للدلالة على مَعين الشاعر الذي استقى منه وعلى الإثراء الموازي لتجربته حتى أعرف من أين انطلق وأي موروث يرفده ، ولكي نلاحظ بالتالي الاختلاف والعمق الجديدين .

هـ) وحتى لا تموت القصيدة بانتهاء ما أشرت إليه من مفاتيح أبقيت أسئلة للنقاش تثيرها القصيدة في توجهاتها ، وهنا لا يصح لنا أن نقول للمجيب أصبت أو أخطأت فهذا عالمه الذي تركته له من وراء شاعرية تهب نفسها .

و) وترجمة الشاعر بإيجاز ضرورة تلقي بعض الضوء على نتاجه مع أنها ليست ضرورة حاسمة . 

وفي ظني أن هذه الطريقة التي  ابتدعتُها أستطيع أن أتلمس عبرها شعر الشاعر وأتقرى مناحي الإبداع لديه بل أعرف شعر من هذا ، من غير أن تقول لي القصيدة اسم مؤلفها – مع أني لا أنفي عن نفسي قصورًا   هنا وقصورًا هناك – وإذا كنت قد جعلت الشاعر يمتحن نفسه ففي رأيي أن امتحانًا آخر سيواجهه من يلبس عباءة الناقد :

أ‌)        هل له منهج واضح الرؤية والمعالم ، أم أنه يتحدث عن الشكل والمضمون وتلاحمهما من غير أن يعي ذلك .

ب‌)     هل يستطيع أن يميز الشعراء من بصمات أسلوبهم وكما قال بوفون الفرنسي : الأسلوب هو الكاتب .

ج) هل لديه مفاتيح ثقافية ولغوية يأنس إليها أم أنه يجتر ما اجتُرّ ويحرث أرضًا حُرثت . 

ولا يبقى أمامنا إلا باب البحوث الأكاديمية . وهنا يجب أن يمتحن الباحث نفسه ثانية :

أ‌)        هل يقرأ أغلب ما نشر سابقًا عن الموضوع الذي يعالجه ، وهل هو أمين في ذكر ذلك للقارئ ؟

ب‌)     هل يأتي بفكرة جديدة من تصوره ؟  أم أنه اتكالي شأن بعض طلابنا الجامعيين الذين ينسخون ويترجمون ؟ هل هو أمين في الاقتباسات والإشارات ، وهل يستعمل المصادر بدقة أم بعشوائية ؟

إذا فلنحاسب أنفسنا وليمسك بمبضع النقد من يحسن التشريح ، ولا إخال الأيام ستبخل علينا بمن سيعيدون التوزين ، ومنهم سنتعلم .