موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
لغتنا كائن حي

 الرئيسية>>

مما يغيظ حقًا أن نرى بعض المتزمتين في اللغة يتشبثون بآرائهم ، وقد نصبوا أنفسهم أوصياء يحللون ويحرمون ، يقفون باللغة وهي المتحركة أبدًا ، وفي حركتها بركة ،  بل بركات . ففي إذاعة القاهرة سمعت في  برنامج قل ولا تقل -  قل : حصل على القدح في المباراة ، ولا تقل : حصل على الكأس ، فيجب أن يكون مملوءًا حتى يسمى كأسًا .

بمثل هذه الترّهات يحشون أدمغتهم ، ويريدوننا أن نحفظ ما يرددون حتى تستقيم ألسنتنا ، وبالتالي نحفظ مجد أمتنا العظيم ، ناسين أن اللغة – كل لغة  تتسع للمجاز وسواه .

ولعل سائلا يسأل : إذن ،  لماذا أذعتَ قبل سنين برنامجًا ، وجئت اليوم تنهى عن خلق قد أتيت بمثله ؟

والجواب كامن في أنني كنت أنطلق من رؤية معينة في فهم اللغة وتطورها ، فأنا مثلا :

·        أريد أن نلفظ الكلمة الصحيحة كما وردت في المعاجم ، فنقول على سبيل المثال : عَرَفَ ، حَيْرة ، عَفاف ،  رِيبة ، وَفَيَات ......

·        وأريد أن نحافظ على النحو والصرف بقواعد أصولية ، فإن وجدنا مخرجًا وشاهدًا يجيز لنا صورة أخرى فلا جناح علينا لتيسير اللغة وأدائها ، أما المسائل التي لا خلاف عليها فما أحرانا بالتقيـّد بها كأن نقول : الشائن بدلا من المشين ، والمعيش بدلا من المعاش وهكذا ...

·        ولا تثريب علينا إن استعملنا ألفاظًا نظنها عامية وهي الأفصح ، كأن نقول : خم الدجاج بدلا من قن ، وبدلة الموظف بدلا من بذلة ... إلخ .

·        وأنا من أنصار التضمين بمعنى استعمال حرف جر مكان حرف جر آخر ، وقد وردت أمثلة كثيرة في القرآن والشعر القديم تجيز ذلك ، فلن تهتز الأسباب إذا كتبنا : أرسل له وأرسل إليه ، وبعث له وبعث إليه .

        بربكم ألا تفهم الجملة بهذه وبتلك ؟

·        وأنا من أنصار استعمال الكلمة الأعجمية إذا لم يكن لها بديل دقيق يؤدي دلالتها وفحواها ، خاصة ونحن في عصر مخترعات يسبقنا كثيرًا ، فلنبق هذه الكلمات ولنعرّبها حتى نملكها كما يقول طه حسين ، فالتلفون والتلفزيون والفيديو والراديو والكاسيت والفيتامين وغيرها كلمات عالمية ، ونحن من المستهلكين لها كما هي ، ولن نتفق على ترجمة واحدة لها بديلة - شئنا أم أبينا .

·        وأحبذ صور التوليد الاشتقاق والنحت الجديدة بحيث لا تُشارك بدلالات أخرى .

وأخيرًا :

إن من ينصب نفسه للتوجيه عليه أن يستقي المواد من مصادرها ، لا أن يعتمد كتب محمد العدناني وعباس أبو السعود وزهدي جار الله ومصطفى جواد فقط ، والأنكى من ذلك اعتماد يوسف أسعد داغر في كتابه تذكرة الكاتب - وهو كتاب زاخر بالأخطاء وسوء الفهم لدرجة أن كلمة معلم عنده غير فصيحة ...

والمصادر التي يجب أن يلتزم بها الباحثون هي معاجم اللغة وخاصة تاج العروس و لسان العرب و مقاييس اللغة ونحوها . ثم يجب أن يكون لكل باحث منهج لغوي ينطلق منه ، ولن تكون رؤية لغوية صحيحة إلا بدراسة اللغات الأخرى .

وعند متابعة تطور اللغات وحركتيها ندرك معنى ما قاله جورجي زيدان في عنوان كتابه المدروس اللغة العربية كائن حي ، وسيفوت القطار هؤلاء الذين يجترون عبارة لغتنا الجميلة وهم يريدونها مومياء محنطة ، فجمال اللغة في توثبها وخلقها ، في انطلاقها وسبقها ، ولغتنا أهل لذلك ، فهي منا وإلينا ، وهي خلاصة فكرنا ووعاؤه ،  وإذا كنا نحن لا نقف فإن لغتنا حتمًا لن تقف .