موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
خطباء آخر الزمن

 الرئيسية>>

في أكثر من محفل يقف الخطباء واحدًا بعد الآخر ، والعريف يقدم هذا وذاك بديباجية تليق بالمقام .

ففي حفلات التأبين نرى المبالغات التي نبلعها تقديرًا ومجاملة لأهل الفقيد . وفي حفلات التكريم يمطروننا بوابل الألفاظ البراقة الطنانة والأناشيد الرنانة .

وفي الخطابات السياسية يتبعون الأساليب الديماجوجية يستثيرون ويهيجون وتتحرك أفواههم بكثير من الأصوات . والأنكى من ذلك أن الكثيرين يتهافتون على إلقاء الكلمات وكل منهم اللوذعي والألمعي المِدْرَه ،  بينما يخطئ الواحد عشرات الأخطاء اللغوية النحوية ، ولو كانت لهجته عادية لغفرنا له ولقلنا : لا ضير عليه ولا ضرار .

ونتعجب ونتساءل لم لا يكلف الخطيب شخصًا عارفًا يشكل له القطعة وينصحه بتشذيبها واختصارها والرفق بأعصاب المستمعين المظلومين الذين جار عليهم الزمن فترة اضطروا بها إلى الخلود للسكينة ؟

لم لا يكون الخطيب ذكيًا فيمتنع عن إعادة ما قد قاله الخطيب السابق ، ولا يطحن ما طحن ولا يجتر الآيات نفسها ؟

لم لا يتنازل عن كلمته إن لم يكن بها شيء ذو بال ؟

علقت مرة وأنا أسمع خطابًا سياسيًا ، وإذا بصاحبه يحمل أوراقًا كلما فرغ من واحدة ظننت الثانية هي الأخيرة ، ويا ويلتي لم ينته خطابه حتى كادت تزهق روحي .

قلت له فيما بعد : لماذا قصّرت خطابك ؟

أجاب – هذا بيان سياسي ، ويجب أن يكون واضح الرؤية .

أما عريف الاحتفال فهو الديك المزهو ، ولا بد أن تكون له كلمة طويلة في بداية الحفل ، ولا بد من أبيات شعرية وأقوال مأثورة واستطرادات عبر معارض الكلمات وتعليقات وووو، ولا بد من إثبات مقدرته على قيادة الدفة .

يا جماعة !

نريد الكلمات مختصرة مركزة ، بليغة معبرة ، صادقة وممثلة للواقع .

قولوا شيئًا نحفظه بعد أن تتكرموا بالنزول من المنصة ...لا أن نسبكم ونشتمكم في سرائرنا .

هل سمعتم ذات مرة كيف يخطب أبناء الشعوب المتحضرة ؟

إنهم يوجزون بلا طنين ولا رنين ولا صوت جهوري يهز السامعين ، إنهم يبحثون عن المضمون وتوصيل رسالة ما ، فإن أطالوا أمتعوا وأقنعوا .

عرفت مدير مدرسة يخطب في كل تأبين ، وقد ضبطته يقرأ قصيدة  معينة في ثلاثة مواقف متباينة ، ولم تكن القصيدة تتغير ، إلا المرحوم فهو الذي يتغير اسمه ، ولا يعرف الخطيب أن الوزن قد فضحه ....

 فرفقًا بنا أيها الخطباء فليس بيننا وبينكم أي ثأر ، فاجعلوا كلامكم بلا لحن ، وخير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل ........