موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
الأنوية والجوانية

 الرئيسية>>

في الأدب موقف من الحياة – وهذه بدهية أولى - ، والأديب هو إفراز مجتمع بكل حساسياته ، يستقبل الخلاصة ، يعاين ، يكتشف وينفعل ، ثم يرسل هذه الخلاصة زبدة يبثها من خلال وجدانه وموقفه . ويظل الأدب أوصل وأمثل إذا انبجس كالنبع من معين الذات فيضًا تلقائيًا وبوحًا معبرًا . وحتى الالتزام يجب أن يدور دورة الذات لكي يبعث الدفء والحرارة .

لكن ، ثمة بيننا من يريد الأدب افتعالا لا انفعالا ، ينكر على الكاتب أن يلج من أبواب تجربته ، ولا يريد لرحلته مع الحرف أن تنطلق من (أناه ) .

فما أجمل المذكرات / الذكريات التي  تنطلق على سجيتها  صادقة إنسانية رائعة  !

ومن منا لا يتابع كتابة الرحلات إذا كتبتها أقلام تسيل عذوبة وتصحبنا في إمتاع ومؤانسة ؟ وأدب الاعترافات نموذج حي لهذه الألفة (تولستوي / سيمنون على سبيل التذكير ) . والرسائل بين الأدباء مثار الاهتمام لما فيها من تلمس واستشفاف واستغوار للأبعاد ، ( رسائل سميح القاسم ومحمود درويش نموذجًا  ) ، فإن تحدث الكاتب عن ألمه أو أمله وجدت ذلك من تبرير الكشف عن الرؤى وإضاءة الدروب المعتمة في أكثر من ظلمة .

وحتى الرواية أو القصة القصيرة  إذا كتبت ، إحداهما ، بأسلوب السرد الذاتي (الأوتوبيوغرافي ) فإن المشاركة ومعانقه الأحداث ستكونان مدعاة لاكتــناه الجوانب في الشخصية .

إن الكتابة عن الذات وتجربتها فيها جانبان : سلبي وإيجابي . فالسلبي هو الأناني الذي يدور في فلك عبادة الشخصية ،ونحن نربأ  بالأدب أن يقع في هذه المطبات ...... وما أسرع ما يفتضح وينبذ .

أما الجانب الإيجابي فإنني أطلق عليه مصطلح ( الأنوي ) وأعني به ما يستمد مادته من التجربة الشخصية ، فيأتي ببساطة وألفة  وانفتاح تشع بإنسانية  وحميمية .

ونستطيع أن نفرق بين الأنانية والأنوية  كما نفرق بين الغرور والثقة ، وبين التهور والشجاعة ، وبين الزيف والأصالة . تعرف ذلك إذا سألت نفسك :

ماذا يقول الكاتب في حديثه عن تجربته؟

 ما هي رسالته ؟

هل ينتمي لقضية يخلص لها وتهم المجموع ؟

هل لديه – أصلاً – تجربة يحدثنا عنها ، وتهم الأدب  ؟

هل يبقى من حديثه بعض الإشعاعات التي توحي لنا بشيء... وتهدينا إلى شيء في مسيرتنا ؟

كتب إبراهيم العريس الصفحة الثقافية في مجلة   اليوم السابع  ( العدد 27/ 11 / 1989 ) ملاحظه بعنوان الجوانية المغيبة ، وفيها يقول :

ثمة من يتهم المبدع العربي بالأنانية ،  وبأنه يركز العالم والتاريخ من حول نفسه ، ولا يرى العالم إلا من خلال طرف أنفه ،  لكنه إذا دعي للحديث عن نفسه وتجربته ألفى نفسه عاجزًا عن خوض لعبة البوح الجميل والمكاشفة الخلاقة ....إنه يخاف أن يعري ذاته بسبب أنه  يفتقر إلى الحرية الداخلية   ...... .

 ويصل إلى  نتيجة خطيرة وهي :

  هذه الجوانية المغيبة مسؤولة عن جزء كبير من تدهور مستوى الإبداع في بلادنا العربية .

نخلص إلى القول إننا يجب أن نعبّر عن جوانيّتنا بصدق ومن غير حرج.... بأنوية لا بأنانية.