موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
الذوق والمعرفة

 الرئيسية>>

نحتكم كثيرا في محاوراتنا الأدبية على الذوق ، ويعتبره البعض تقريرًا خلاصته : ( يعجبني ) أو ( لا يعجبني ) ، بينما يعتبره البعض مسألــة نسبيـــة وذاتية.

وفي رأيي أن الذوق يأتي بعد إدمان القراءة والتأمل والتفكير والممارسة . فأنت لا تستطيع أن تحكم على جودة نسيج ما  إلا بعد شرح جزئي لآلاف القطع... تكتسب منها تجارب وخبرة ودراية تؤهلك للحكم . وإذا كانت الصعوبة في تمييز  النسيج ، وهو  شيء ملموس حسي ،  فكم بالحري تكون الصعوبة  في الأدب - ذلك الذي يعبر عن عاطفة إنسانية متشابكة العلائق والأثر .

إن الذوق في أعرافنا السائدة -  في اللباس والطعام والمسكن..... يحتم معرفة يكتسبها الإنسان تدريجيًا ، مضافة إلى موهبة تستقبل المكتسب وتتفاعل فيه . والتعبير عن الذوق / التذوق فيه تواصل بين الوعي واللغة ، فإذا رأينا لوحــة معينة ،  وأردنا أن نبدي انطباعنا فلا بد لنا من استخدام معرفتنا للعلاقات الممكنة بين الأشياء والظواهر . وبسبب التعددية المتفاوتة للظواهر الحياتية فإن اللغة ستكون متعددة متفاوتة تبعًا لذلك ، وعندها ينعكس الواقع بكل صفاته ، ويفهم هذا الواقع في صورته الفنية .

والذوق لدى الجمهور يصعب الحكم عليه ، فتارة تحترمه ،  وتارة تبكي عليه .

 تحترمه لأنه يكافئ عباقرته الذين انطلقوا منه وإليه . وتبكي عليه كما بكت المخرجة التشيكيــة

 ( فيرا   شتولوفا ) بعد عرض فيلمها ( ضربه هنا وضربه هناك ) في مهرجان القاهرة السينمائي الثالث عشر  نوفمبر 1989  ، فقد اشتكت لإدارة المهرجان من جرّاء تصفيق الجمهور للفيلم بعد انتهاء عرضه . وسبب حزنها أنه تم عرض الجزء الأخير من الفيلم قبل الجزء الأول ، وبسبب عدم ترتيب فصول الفيلم ، جاءت نهايته في وسط الأحداث .... ولم يلاحظ أحد من الجمهور هذا الخلط في تقديم الفيلم ، فأخذت تبكي ... وتبكي .

وإذا عدنا من الجمهور إلى الفرد فذوق من – يا ترى – نجعله حكمًا فيصلا ؟

ذوق (ا) وهو لا يكاد يقرا عناوين الصحف؟

ذوق (ب) الأكاديمي الذي انتهت دراسته بحصوله على الشهادة وتعليقها على جدار غرفة الاستقبال ؟

ذوق (ج) المثقف ثقافة الإخوان المسلمين ؟

ذوق ( د) المتخبط في فلسفات أو متاهات ؟

ذوق (س) الذي ركن إلى معرفة قديمة لبعض أبيات من الشعر رددها مئات المرات في مناسبات مختلفة ؟

ذوق (ص) الذي يدعي أنه يعرف قواعد اللغة ،  ويتحدى بها كل من ينطق العربية ؟

ذوق من ؟ ؟؟؟!!!

ومأساة الشعر في الذوق مأساة .

فالشعر عندنا – من دون سائر فنون الله – يدعي معرفته وملكيته الجميع : من يمتلك أوليات  فهمه ،  ومن لا يمتلكها . بينما الرسم والنحت والتمثيل والموسيقى والخط و...... فنون لا يجرؤ على التقرب من محرابها وحرمتها إلا من أوتي حظًا  معينًا في معرفة أصولها . أما الشعر – عندنا – فهو حمار للركوب ، كما كان الرجز حمار الشعراء .

فإذا قلت لأحدهم : أنت بعيد عن الشعر فكأنك شتمته ، بينما يقبل منك متواضعـًا كل مقولة تدل على بعده عن أي ميدان آخر من ميادين الفن  .

إذاً يصعب تحديد الذوق في قضية يدعيها الكثيرون . كما يصعب قبول الذوق ممن ليس له تخصص في المسألة التي يتناولها .

روي أن فنانًا صنع تمثالاً ، فكان في تقديره آية في الإبداع . قرر الفنان أن يختبئ وراء ستار ليراقب ويستمع إلى ملاحظات المارة . توقف أحدهم معجبًا ، لكنه ما لبث أن امتعض من بنية الحذاء . خرج الفنان من مخبئه ،  واستجلى حقيقة رأيه ، وسأله عن صنعته ، فأجابه الرجل أنه إسكاف . فسرعان ما عمل الفنان بنصيحة الرجل ، وأجرى على التمثال تغييرًا ما .

 وبعد هنيهة مر الإسكاف ثانية من نفس المكان ، وعلق قائلاً :

 لو كانت قبعته كيت وكيت .!!

خرج الفنان إليه ثانية ، ولكنه قال له هذه المرة : ( ليس لك شأن في هذا ، امض لسبيلك ) .

الذوق إذن يحتاج إلى معرفة ، وإذا كان الصوفيون يقولون : ( من ذاق عرف ) فإنني أقول :

( من عرف ذاق ) .

وهناك عنصر آخر يضاف إلى المعرفة ، وهو الأمانة ( الذاتية ) ، وذلك في معرفة الإنسان موقعه من المعرفة ، والتعبير عنها بإخلاص . وحتى أبرهن على ذلك آتي بلوحة لفان غوخ مثلاً ، وأطلب من بعض الأصدقاء أن يتحدثوا عنها ، يأخذ كل واحد في التعبير عن نفسه من خلال زاوية الرؤية . إلى هنا هذا حق . ولكن ، يأتي إلينا رسام خبير بالخطوط والألوان والظلال ، يبدأ بالتحليل والتقويم والتقدير ، عندها يحس من يملك الأمانة الذاتية بعدم أهليته هو  للحكم ، فينسحب بكرامــة ؛  بينما يواصل المكابر ....في عشوائية ورصف عبارات .

أرأيتم كيف أن المعرفة هي الأساس والنبراس . والمعرفة الأدبية تتأتى كما قلت في إدمان القراءة والتأمل في ما يقرأ . وأضيف الآن : إن القراءة يجب أن تكون موجَّهــة ، يوجهها نقاد ومعلمون تحلَّـوا بذائقة سليمة لا سقيمة ، وغذَّوا أنفسهم باستمرار من منابع الفكر الإنساني النيِّر ، مما يخدم الإنسان أيــًّا كان على الصعيدين المعيشي والجمالي . وعلى ذكر هذين الصعيدين وأهميتهما تحضرني حكاية قصيرة يابانيـــة ، خلاصتها أن جوعًا ألم بقرية يابانية ، وكان مع فتى ( ين ) واحد . ذهب الفتى واشترى بنصف الين خبزًا وبالنصف الآخر وردًا .

فلنكف إذن عن القول العابر ( يعجبني ) و ( لا يعجبني ) ،  ولنأخذ المسألة الذوقية جِدًّا أي جد ،  نحتاج فيها إلى المعرفة .

 وحسنًا  نفعل أن نعرف مقدار أهليتنا للخوض في بحر أي موضوع....

 ورحم الله امرءًا عرف حده ،  فوقف عنده .