موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
بين البحث والنقد

 الرئيسية>>

لأجمل في البداية :

البحث هو الدراسة  الأكاديمية المحايدة التي تحلل وتعلل ، من غير تدخل الباحث في البحث  .

والنقد هو الدراسة الفنية والذوقية في الشكل والمضمون والمبنية – غالبًا – على رؤية اجتماعية معينة .

فليس البحث إذن نقدًا ، إنما هو عمل ووظيفة . فالوردة تهم الباحث على أن لها أجزاء نحو - كاس وتويج ومتكّ ...... إلخ ،  أو تهمه على أنها تعطي مادة كيميائيه معادلتها كذا..... ، أو قد تعينه لدراسة التمايز الفصيلي مع زهرة أخرى . لكن النقد هو الذي يوجِّه إلى بيان جمالها ورائحتها ولونها ومدى حبنا لها ، وعلاقتها مع عناصر الطبيعة المختلفة .

وحتى نمايز بين البحث والنقد فلا بد من بعض الملاحظات على كل :

البحث :

وهو معطى أولي في الدراسة الأكاديمية. لكن مما يؤسف عليه أن يعمد بعض طلاب الجامعات إلى ( البحث ) عن بحوث كانت قد أُعدت ليقدموها لأساتذتهم على أنها لهم . ويعمد بعض آخر إلى دراسة كتب باللغات الأجنبية ( إذا كان هو يعرف بعضها ،  أو هناك من  يعرف له )  ، فيترجمها أو يلخصها ، وكأنها من بنات أفكاره ، ينتحلها ،   ... وهذا من سوء الأدب الفاشي بين الناس.... – كما قال ابن المقفع في مثل هذا السياق .

والبحث الجامعي يهدف أولاً وأصلاً إلى تمرين الطالب على إعمال فكره ، حتى يمتلك ملكَـــة الحكم المستقل ، فيعبر بأداء واضح منظم ، ويجدد – ولو يسيرًا – في أمور لم يتناولها المعلم أو المصدر . يتعرف من خلال ذلك وفي أثنائه على كيفية استخدام المكتبة ، يجمع معلومات من هنا وهناك ، يحسن اختيار ما له علاقة بمادته ، ينظّم ، يوثّق ، يحسن الصياغة في منطقية حتى تمسك عباراته بأعناق بعضها البعض بيسر وانسيابية . فإذا حصل الباحث على هذا التدريب نمَّينا إبداعه ،  وخرجنا به عن دائرة الاتكالية التي أصبحت / كانت آفة لاصقة ، ووصمة ما حقــة.

والفهلويــة – حسب تعبير صادق العظم – تجعله يبحث عن الوصول بأقصر الطرق وبالتحايل إلى مبتغاه ، فليس بدعًا أن نجد ظاهرة الطالب الجامعي الذي يذهب إلى الجامعة -  لا ليتعلم بل ليحصل على الشهادة ، لا ليدرس وإنما لأنه ( مكره أخوك لا  بطل ) .

فالطالب الباحث مدعوّ  أن يختار الموضوع الذي يتفق ورغباته وميوله ، وما له علاقة معينــة به ، فلا يمكن أن يدرس موضوعًا ليس له  أدنى خلفيــة به . ومن المؤسي حقًا أن يدرُس أحدهم مادة تتعلق باللغة علمًا بأن استيعاءها عسير عليه ، وذلك  لافتقاره إلى  أسسها ومناهجها .

 وجدير أن يضع الباحث خطة البحث وإطاره..... .

وعند الكتابة تكون تكون لغته دقيقة محددة ، وجمَـله وأبوابه / فصوله متدرجة منطقيًا ومتناسقة . والأمانة تقتضي أن يشير إلى الجمل المقتبسة ، وإلى أن يذكر المصدر ، لا أن يختزلها ويعدها لحسابه ، وكأن شيئا لم يكن ، ورحم الله السارق والمسروق !

وفي الختام يكون الإجمال أو  خلاصة البحث وزبدته ومخيضه .

 

النقد :

وأصل معنى نقد : ميز الجيد من الرديء ، وأظهر ما في الأمر من عيب أو حسن . والنقد له مناهج مختلفة شاع من  بينها النقد الجديد ( حسب المفهوم الفرنسي حيث يتجه اتجاهات بنوية واجتماعية ونفسية ، أما  حسب المفهوم الأنجلو سكسوني فيتجه ا تجاهات  تكاملية ) .

إن النقد استصفاء المادة من الحياة والأدب . فيه موقف في طرح الرأي والرؤية ، بينما البحث يتجه اتجاهًا وصفيًا . فلو بحث باحث ( تأثير الشعر الجاهلي في شعر الفرزدق ) مثلاً ، فإنه لا يلجأ إلى الذوقية ، بينما في النقد يتخذ الناقد موقفًا جماليًا من فخره وغزله ونقائضه . والباحث يهمه – مثلا – تلاحم الشكل والمضمون في قصة يوسف إدريس ، لكن الناقد يوجه القارئ ( أو يوحي له ) ويبدي تاييدًا/ تعاطفًا  أو رفضًا للألفاظ العامية الموظفة في القصة .

ولعل شاكر النابلسي كان  في اجتهاداته النقدية يحاول أن يخرج من ظلمه المختبرات الكيميائية في البحوث الجافة ، يخرج من التنظير المجرد إلى الفائدة والمتعة ، ذلك لأن النقد ( هو إبداع الإبداع ، وكتابة الكتابة ، وقراءة القراءة ) . ففي كتابه  رغيف النار والحنطة  يوقفنا النابلسي على منهاج ارتآه وسماه ( منهج النقد الملحمي ) ويقتضي هذا بعدم الأخذ بمدرسة أو منهج واحد في تفسير النص ، وأنه يجب أن يستعمل الناقد كل ما يمكن استعماله من أجل تقديم خدمه نقدية قرائيــة تفسيريه للقارئ ، وهذا هو أهم الأهم في نتيجة العمل النقدي . إنه يمزج بين تراث الجرجاني – مثلا – وبين المناهج الحديثة في التحليل ، ( وليس كما فعل بعضهم من لجوء إلى المصطلحات الأدبية الغربية من غير بذل أدنى جهد للبحث عن المعاني نفسها - من  تلك التي تحمل مصطلحات في التراث الأدبي العربي ).

أما لماذا  سمى منهجه الملحمي ،  فذلك لأنه يأخذ شكل القصيدة الملحمية الطويلة التي تتداخل فيها العوامل الاجتماعية.....إنه يوقظ فعالية القارئ عن طريق تبنّــيه للدهشة أو المفاجأة ، وهو يدعو القارئ إلى اتخاذ موقف ما من النص ومن مبدع هذا النص على حد سواء .

وأحب هنا أن أسوق ما قلته   في افتتاح  كتابي  عرض ونقد في الشعر المحلي  – القدس 1976  :

ولا بد من الإشارة إلى أن منهجي النقدي هو منهج وسطي ، يأخذ من الأكاديمي الدقة في الاستشهاد والحذر في الأحكام ، ويأخذ من الذوقي ذاتية جمالية أستشفها من خلال التجربة ، ولست أزعم أنني أشق طريقًا في المناهج النقدية ، لكني أسلك دربًا يبعدني عن جفاف الأول وانزلاق الثاني  .

أتراني قد وقفت ؟؟! أتراني قد قاربت الملحمي ؟

 اترك الجواب لذلك القارئ الذي لا يظلم إيجابًا أو سلبًا ....فلعله يكون صديقًا يصدُقـني .