موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
العلمية في الأدب

 الرئيسية>>

سأحاول في هذه المقالة / العجالة تحديد معالم ( العلمية ) في الأدب ، كما تتراءى لي من خلال مواصفاتها ، لعلي بذلك أقف عند مصطلح لاكه البعض ممن يلبسون مسوح العلم من غير إدراك لفحواه ومرماه .

والواجب أولاً يقتضي أن أقتبس معنى ( العلم ) من معجم ( ويبستر) الجديد ؛ فهو يرى أن العلم هو المعرفة الممنهجة   ( systematized  knowledge )التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة

والتجريب ، وهي تتم بغرض تحديد طبيعة أو أصول ما تتم دراسته .انه ينسق ويرسخ الحقائق والمبادئ والمناهج بواسطة التجارب والفروض ،  وهذا التعريف بحد ذاته يجعل الأبواب مشرعة أمام المستجدات ، فلا يتصعب الباحث ، ولا يتقيد ، وذلك بموضوعية- أي تنزه عن الغرض .

والموضوعية هي السمة الأولى في ( العلمية )  . وفي رأيي أن ابن قتيبة (828 – 889 م) كان رائدًا في هذا المجال ، وذلك في كتابه  الشعر والشعراء  ( ج1 ص63 ) حيث يقول :

ولم يقصر الله العلم والشعر على زمن دون زمن ، ولا خص به قومًا دون قوم ، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر ، وجعل كل قديم حديثًا في عصره ... فكل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له ، وأثنينا به عليه ، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله ، ولا حداثة سنه ، كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه.... .

وإذا صغنا أقواله صياغة عصرية فإنه من الواجب ألا نتحيز لدين أو لون أو قومية أو جنس أو زمان أو مكان أو  مكانة .

وأرجو أن يكون في صياغتي ( حسن تقسيم ) – في اصطلاح البلاغيين – وهذه الخطة التي يسلّحنا بها ابن قتيبة تبعدنا – بالضرورة – عن التحامل والأحقاد والمصالح الضيقة ، وتقربنا إلى الأمانــة الذاتية ، فلا نفتري على الآخرين أقوالاً لم يقولوها ،  ولا نبالغ في وصف لا يقف على أرضية صلبة .

ومن مميزات ( العلمية ) أننا يجب أن نفسر الظواهر تفسيرًا طبيعيًا – غير قائم على الوهم – ولعل فرنسيس بيكون ( 1561 – 1626 ) هو أول من أشار إلى  ضرورة إخضاع العلم بكلياته وجزيئاته للملاحظة بعيدًا عن الشوائب الميتافيزيقية . والمنهج التجريبي في خطواته العملية يسير وفق ما يلي :

ا- تحديد المشكلة .

ب- تجميع البيانات المتعلقة بالمشكلة .

ج- وضع الفروض والتخمين    -  hypothesis

د- اختيار الفرض الواحد ، وعندها تجمع الأدلة من جميع المصادرة الممكنة .

هـ- النتيجة .

وقد يكون اختيار الفرض الواحد خاطئًا ، فالنتيجة ستكون حتمًا خاطئة ، ولكن ذلك لا يحول بينها وبين ( العلمية ) منهجًا وأصولاً . ذلك لأن كثيرًا من الدراسات والأبحاث المنهجية تتضارب وتتعارض . فإذا أردنا أن نطرح مسألة أدبية فحري بنا أن نتعرف إلى الرأي النقيض بنفس الحماسة أو – على الأقل – التوجه .

ومن  العلمية العزوف عن التعميمات -    Generalizations ،  وذلك بتقرير لا  يتيح منفذًا لوجهة نظر مغايرة . فكيف يمكن أن يكون الحكم في حقل أدبي قاطعًا ما دام الأدب بطبيعته فكرًا وخيالاً وعواطف ؟

ويرتبط بالتعميم كل محاولة لحسم  مسألة أدبية وكأنها منهية، أو مفروغ منها ، فالمجال مفتوح دائمًا لإضافات هنا وهناك ، وكل إضافة -  ولو في المستوى الأسلوبي -  لها من يغتني بها .

 أما الذي يغلق الأبواب فهو المنغلق في فكره وثقافته ،أو المغترّ بما أدركت واعيته . وحتى المسائل العلمية يجب أن تظل تحت المحك ، وإلا فإن التطور والتجدد معنيان بعيدان عن التحقق . فالمسلَّمات مرفوضة أنى كان مصدرها ، وما أحرانا أن نبقيَ كل شيء في نطاق ملاحظتنا المباشرة وتجاربنا ، نُعمل منطقنا . فإذا اكتشفنا حقائق جديدة – مهما صغر شأنها – قمنا بصياغة نتائج جديدة . وبهذا تزيد معرفتنا ، وتقوى علميتنا ، ونصبح أهلاً للحضارة التي نعايشها .

وأسوأ ما يخطئ فيه بعض شداة ( العلمية ) اجتزاء بعض الحقائق ودراستها ، وكأنها الدليل والمفتاح ، ضاربين صفحًا عن سواها ، فتاتي نتائجهم مبتورة أو مبسترة . ومن آفاتهم كذلك عدم الدقة . وتنقسم هذه إلى قسمين :

ا) عدم الدقة في الملاحظة – وهذه مسألة شخصية تتعلق بمستوى الشخص وثقافته . وقد فطن إليها ( بيكون )  ، حيث أشار إلى أخطاء تعود إلى ضعف العقل الإنساني -  الذي يتوهم أشياء ليس لها في الواقع وجود ، يقفون عند -  ( ولا تقربوا الصلاة ...) من غير فهم للجملة الحالية بعدها .

ب) عدم الدقة في اللغة ، وذلك يتضح بالعجز عن التعبير الدقيق الملائم للمعنى المقصود .

إن ( العلمية ) الحقـيقــية هي بحث متواصل يؤدي إلى نتائج قريبة من النضج ، بعيدة عن الحماسة العمياء لنظرية مثيرة ، سواء كانت لغيره أم له ، فليست المسألة كسب مناظرة ومحاججة في الحوار ، بل هي محاولة مخلصة لاكتشاف الحقيقة كحقيقة ، وتعريضها دائمًا للبحث من جديد ، فلا يتعصب ( العلمي ) لأساليب خبرته ، وأنماط تفكيره ، وكأنها الحد والفيصل .

وبرغم توصيف العلمية – كما أراها – فإنها لا تستطيع أن تدلنا على كيفية سلوكنا ، ولا على ما يجب أن نعتقد به ، مع أن كثيرًا من المتصفين بها – حقيقة – أقرب إلى قبول التغير في انفتاحهم على كل جديد .