موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
كيف / متى يكتب المبدع ؟

 الرئيسية>>

من الأدب ما يرتجله الأديب في ساعته ، وهذه قدرة فـذّة لا يطيقها إلا من أوتي موهبةً يستنطق من خلالها  قوالب محفوظة في ذاكرته  ، يخرج  بعضها بمهارة وفنية باهرة أو بارعة .

ومن الأدب ما يُكتب بعد إعمال الفكر ، وبعد تدبر مسبق ، يبقى طاقة مخزونة أو مضغوطة في وجدان المبدع حتى يجد له متنفسًا أو مخرجًا في لحظة التجلي . وهذه اللحظة قُـرِنت في أدبنا القديم بشيطان الشاعر ، وحتى بشيطان الناثر – لدى ابن شهيد مثلا – وقرنت في الأدب اليوناني بجنية الشعر ( موزا ) ربة الإلهام .. وأبولو رب الفنون .

وسبب تصور القوى الخفية نابع عن مجهولية الدافع للكتابة ، فكم من خيبة ذريعة يُمنى بها من يحاول الكتابة قسرًا . وقد تحدث ابن رشيق في كتابه  العمدة  في باب ( عمل الشعر وشحذ القريحة له ) -ج1 ص 178 -  أن الشاعر حتى ولو كان فحلاً حاذقًا فلا بد من فترة تعرض له في بعض الأوقات ، واستشهد بقول الفرزدق :

تمر علي الساعة وقلع ضرس من أضراسي أهون علي من عمل بيت من الشعر .

 فالشاعر الذي يقصر في تعريفهم   يجبل و  يفحم  أو   يرتج عليه   . وفي النثر كذلك ، فقد كانت للحريري تجربة لا يحسد عليها ، إذ أُعجب الناس بمهارته في مقاماته ، فأراد بعض الأمراء أن يختبر قدرته ، فطلب إليه أن يكتب مقامة على غرار مقاماته ، فأقبل الحريري على أدوات كتابته ، و أعمل ذهنه ، وهو يكد ويجد ، وهيهات . ولن نعدم قصصًا أخرى مشابهة تدل على أن الإبداع  طبع لا يواتى بالإرادة فقط .

إن الأديب المطبوع بحاجة إلى مذاكرة تنعش ذاكرته ، وإلى خلوة تتيح التصور حتى يقدح زناد الخاطر ، أو يفجر عيون المعاني ، وإلى دافع داخلي يلح ، وهو يقرع الباب بموسيقية مرهفة ، وكثيرًا ما يكون هذا الدافع عشقًا كما كان حال ذي الرمة في إجابته :

وكيف ينغلق علي الشعر وعندي مفاتيحه – العشق ؟   ؛ فمتى تجمعت للأديب أسباب الكتابة بكل ما تحمله كلمة ( أسباب ) من معان تيسرت له طرق الإبداع .

وهذا لا ينطبق على المتأدب المتكلف الذي يعد القوافي ويجمعها حتى ينتقي منها ما يتكئ بها على قصيـدته ، أو يجمع الكلمات الشعرية ليحوك حولها وينسج معاني لم تكن في وارده أصلاً . فمثل هذه الكتابة ستذهب هشيمًا تذروه رياح الزمن ....  

ومن الدراسات الجديرة بالاحترام ما قام به د. مصطفى سويف وهو ناقد جاد ، يتناول الأدب باتجاهاته السيكولوجية ، فقد أجرى بحثًا عن بدايات الإبداع ، وذلك في كتابه  الأسس النفسية للإبداع الفني – في الشعر خاصة -  ، واستخلص أن قصائد الشعراء غالبًا لا تبزغ فجأة ، وإنما  

يكون لها مقدمات أولية . وقد سبق أن أشارت كاترين باترك في مقالة بعنوان :

The relation of whole and part in creative thought- في المجلة الأمريكية السيكولوجية عدد 1 / 1941 – إلى أن الفكر المبدع يمر بأربع مراحل :

ا- الاستعداد أو التأهب ، حيث يستقبل المؤلف ، وتتجمع لديه بضع أفكار وتداعيات ولكنه لا يسيطر عليها ، فهي تعبر بسرعة .

ب- تأتي بعد ذلك مرحلة الإفراخ ، إذ تبرز فكرة عامة ( حال شعري ) ، وتكرر نفسها بطريقة لا إرادية من حين لآخر .

ج- تتبلور الفكرة التي برزت بصورتها .

د- تنسج هذه الفكرة وتفصل .

وتلتقي هذه الرؤية بما كان ذكره برجسون في كتابه  الطاقة الروحية  ( الترجمة العربية ص 149 ) أن الأديب أول ما  يقوم في ذهنه شيء بسيط مجرد هو عاطفة أو بداية فكرة ، تكون كُلاً ، ثم ما تلبث أن تنقسم إلى أجزاء يعانيها المبدع ويعالجها بأدائه .

إزاء ذلك كله نستطيع أن نتصور أن العمل الإبداعي ليس إراديـًا محضًا ، ولا تلقائيًـا محضًا ، بل إن عناصره تختلط فيما بينها . وهذه الحالة شبيهة بما وصف أبو نواس نفسه حين سئل :

-  كيف عملك حين تريد أن تصنع الشعر  ؟

قال : أشرب حتى إذا كنت أطيب ما أكون نفسًا بين الصاحي والسكران ، صنعت وقد داخلني النشاط ، وهزتني الأريحية  .

إن الكاتب في إبداعه تتولد لديه مواد جديدة ، تبدو له وكأنه خلقها من جديد ، أو التقاها لأول مرة ، مع أن هذه المادة هي في ذاكرته غير المباشرة وفي حصيلة أناه ومخزونها . فإذا نجح المبدع في تصيـّد خواطره المستعصية على تقييدها ، - وبعد أن ساورها وداورها – فإنه يوقظ أبصار الفطنة بها ، ويصل إلى ملكوت الغبطة والمتعة قدر جهده فيها ، ذلك لأن ضميره الخاص غدا ضميرًا عامًا ، وفي هذا منتهى رضاه .

وتحضرني في السياق إشارة كان طه حسين قد ذكرها ليعبر عن سعادة الكاتب عندما يخرج كتابه من ضميره الخاص إلى الضمير العام :

.... إن كل هذا يعوضه عما عاناه من شقاء خير عوض ، ويعلل ذلك بأنه حين يملك الصور التي يعرضها على القارئ يثق بأنه سيملك القارئ نفسه بل القراء جميعـًا ، لا أثناء القراءة فحسب بل بعد القراءة بأزمان طوال . وربما كان هذا التعليل حقـًا . ولكن علماء النفس يقدمون تعليلاً آخر يفوقه أهمية ، هو زوال التوتر الذي كان يعانيه الأديب طوال فترة الإبداع الفني ، واستعادته توازنه الوجداني.....  ( من أدبنا المعاصر – ص 22 ) .