موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
لماذا يكتب المبدع ؟

 الرئيسية>>

من أولويات النقد الأدبي أن يحاول تلمّس دافع الكتابة لدى المبدع واستشفاف معاناتها ، وذلك من خلال شمولية يكون التحري فيها عيّـنة معبرة ، قد تصل بنا إلى وعيٍ ما في فهم النص .

وقد تتنوع الأسباب : من هروب من الواقع إلى تغلّـب عليه ، من تجميل للحياة إلى وصف لقبحها ، من تسلية ومتعة إلى نضال ومغالبة ، من ممارسة لحرية الكاتب إلى تمرين للقارئ أن يمارس حريته هو ، من الوصول إلى المطلق وحتى تقديس الحياة والطبيعة وتسجيلها إعجابا وعبادة ، من الطفولة واللعب إلى المسؤولية حتى في تفسير الطبيعة وتغييرها .

وقد يختصر أحدهم الطريق ظانًّـا أن الكتابة استمرار للتكسب ، وهي بهدف منفعي مادي أسوة بغيرها من الصنائع . ومع أن ذلك لا تثريب فيه على المبدع ، إلا أن حرفة الفقر أدركت الأدباء غالبًا ، حتى أصبح ( عيش الأديب ) كناية عن الفاقة . ولا أظن أن أرسكين كالدويل- وهو من أكثر كتاب القصة رواجًـا في العالم – كان مجافيـًا الحقيقة في إجابتــه لمن سأله  : هل تكتب لتكسب ؟  فقال :

أكتب لأنني أحب أن أكتب ، ولن أستطيع أن أمنح الكتابة كل حياتي إلا إذا استطعت أن أحصل منها على قوت يومي .

إذن لماذا يكتب المبدع ؟  وها هو جان كوكتو يعترف :

الشعر ضروري ، وليتني أعلم لماذا ؟

هل يكتب الكاتب تنفيسًا عن مكبوتات الجنس كما يرى فرويد ؟

 هل يكتب تساميًا من شعور بالنقص وإلحاحـًا لاستيفاء ذاته كما يرى أدلر ؟

هل يكتب لأنه محب للظهور .... لانه يحب نفسه ؟ لاستمرارية حضوره ؟ وحضوره يعني حضور أفكاره التي يخاف ألا تدوَّن أو أشعاره التي قد تضيع .

 لماذا هذا الحرص على خلود المادة الأدبية وسيرورتها ؟                                  

ومهما تكن الإجابة فإن الكتابة قَـدَر ، هي اضطرار وقسر ، لا تأتي طواعية وترفــًا ، بل تأتي تعبيرًا عن قلق ينتاب المبدع ، فيعبر عنه حتى يغطي ما نقص ، أو يكمل وجودًا ما ، يستمر ليبحث عن التوافق بينه وبين مجتمعه . ذلك لأن من طبيعة المبدع أصلاً أن يرفض القائم استحثاثًا للتغيير نحو الأفضل والأمثل.... . إنه يبحث عن زمن ضائع قد يستعيده بصورة جديدة ، أو يناغي حاضرًا مؤلمًا أو مسعدًا يخاف أن يمضي بدون ذكر ، أو ذكريات ، أو ينتظر مستقبلاً كالمهدي يحمل أوتوبيا وحلمًا ، أو كإرميا يحمل مخاوف وتحذيرًا ......

إذن  فالمبدع في الزمن يستنطق حرية نسبية تؤاتيه ليسيطر على الأحداث ، وأحيانـًا يبكيها . فيه نوع من الطفولة ، يعيد تركيب الأشياء والعناصر في علاقات جديدة ، أحيانــًا يرضى منها ، وآنًا يسخط عيها .

وفي الإبداع نضال ومغالبة وإيمان ، ومن هنا نتفهم عبد الله نديم وقد قضى من حياته عشر سنوات في أشق الظروف ، وهو متخفٍّ . وقراءة في سير بلزاك ودستويفسكي وتولستوي وفلوبير وإميل زولا وغيرهم ترينا كم ضحى هؤلاء ، لأنهم مؤمنون بقيمة ما يكتبون وجدواه . فالكتابة تضحية وجرأة ، والجبن لا يتيح الفن والإبداع ، وإنما يخلق الاتكالي الوصولي .

 إن رؤيا الكاتب الفنان سر عذابه وسر القداسة التي تكتنف هذا العذاب ، و الوصول إلى المطلق يستلزم العرق والدموع واحتراق الأعصاب -  كما يقول شكري عياد في مقدمة كتابه  الرؤيا المقيدة  . والكتابة -  كما يرى سارتر - كشف للعالم ، ثم اقتراح المبدع واجبًا يقوم به للقارئ ، وإنه يلجأ إلى ضمائر الآخرين بغية الاعتراف به عاملاً جوهريـًا في مجموع الكون ( انظر :  سارتر -  ما الأدب ، ترجمة محمد غنيمي هلال ص65 ) .

إن تغيير العالم كان  هدفًا  ماركسيًا  يعمد إلى تجميل الحياة وتزيينها بما هو متعة للإنسان وبناء لوجوده . فليس الأدب لهوًا وتسلية ، وليس منقطعـًا عن التواصل ، وإلا فإنه يبقى في أحسن الحالات جوهرة في صدفة في خضم . والمبدع يجب أن يشعر بأنه ضروري  ، بالإضافة إلى العالم ، وأن الموضوع الذي ينتجه  يكون موضوع نظر دائم من المتلقين ومنه أولاً .

عند بدء دراستي الجامعية التقيت شاعرًا عبريـًا مغمورًا كنت أحس عبقريته في حركاته ، كان يكتب أو يرصف كلمات يؤديها بانفعال ، وكنت ألمس الصدق في كتابته ، لكن كلماته كانت مبتورة ، كان يكتفي أحيانـًا بحرف هنا وخط هناك ( قد تسمونه مجنونًا ) . ومهما شهدت من عبقرية هذا الطالب فليس صحيًا أن المرء يكتب لنفسه ، وإذا شرع المرء في تدوين نفسه فمبلغ جهده أن يستديم هذه العواطف في نفسه واهية ضعيفة كما يقول سارتر ( م . ن ص 49 ) ،  وذلك لان الكتابة تحتاج بعد ذلك إلى معاودة وتنقيح وتهذيب وإضفاء الطابع الفكري عليها ، والفكر فيه تواصل وعقلنة ورسالة .

ويبقى سبب آخر للإبداع  اقتطفه من صلاح عبد الصبور في كتابه  حتى نقهر الموت  ، حيث  يقول في التقديم :

 لا يقهر الموت إلا الحجر والكلمة ، والكلمة أطول عمرًا من الحجر ، وأصلب على الزمن ، وأقدر على مغالبته .

  وكيف يقهر المبدع الموت إن لم يكن بمناضلة وجراءة ومسؤولية وتوجيه ؟

 ولا بد من الإجابة عن سؤال آخر : لمن يكتب المبدع . ولي إليه عودة .