موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
علاقة الأديب بالجمهور

 الرئيسية>>

 الجمهور - تعبير تتغير دلالته تبعـًا للموقف والزمان والمكان . هو مادة متنقلة نسبية لا ضابط لها . الأطفال جمهور . عامة الناس جمهور . الذين أنهوا الثانوية – على الأقل – جمهور . خاصة القراء الذين ينفون بعضهم بعضًا كل واحد منهم يؤلف جمهورًا . وأحيانـًا يكون الفرد جمهورًا وآنـًا يكون الجمهور فردًا . والقياسات الحقيقية مطاطية أو زئبقية . ولكننا مع ذلك – ورغم كل ذلك – نترجم عمليـًا هذا السواد الغبي أو الذكي ، الضيق أو المتسع ، المستكين أو الناقم إلى لغة الإنتاج – في تقبله أو شرائه أو الترويج له ، وبالتالي إلى شهرة صاحب الإنتاج أو سيرورة إبداعه .

فماذا يفعل المبدع حتى يكون في وجدان الجمهور – هذا الذي يتلقى ويرحب ؟

 ماذا يفعل الرسام أو الموسيقي أو النحات أو الشاعر ؟

يقول تولستوي :  الفن عملية إنسانية ، فحواها أن ينقل إنسان للآخرين واعيًا مستعملاً إشارات خارجية معينة الأحاسيس التي عاشها ، فتنقل عدواها إليهم ، فيعيشونها ويجربونها .

وفي رأيي أن المبدع هو ذلك الذي يتفرغ للعمل الإبداعي بكليته ، غافلاً في وعيه عن المؤثرات الخارجية ، تمامًا كالعالم في المختبر ، وهو يعيش القوانين والمعادلات والاختبارات . ولكن المبدع / العالم لا يمكنه أن يستمر من غير أن يعرف في أعماق نفسه وفي عقله اللاواعي أن هناك من يتواصل ، ومن يترقب ، ومن يعجب ، ومن يكافئ . وهذا يوصلني إلى القول إن عملية الخلق معاناة معقدة ، لكن رسالة الفن الأولى والأَولى هي التوصيل .

وقد وجدت من خلال تجربتي أن المسالة الإبداعية هي مراوحة بين الوعي واللاوعي ، بين الوضوح والغموض . أتكيف لذلك ليصبح الإبداع تلقائيـًا أو فيضـًا – من غير أن يكون تمامًا كما أراده ووردزوورث - ، بل فيه نوع من التوجيه في الدفة ، حيث يحمل إيقاعـًا داخليـًا يختلف عما أراده إيليوت من أن حركة الأشياء في الطبيعة هي الطبيعة ،فالشعر – حسب دعواه ، وبناء على ذلك -  يجب أن يكون طبيعيـًا ترجمة لواقع الطبيعة .

وأنا لو سجلت لكم ما يخطر في خلدي كما هو من غير تشذيب أو تهذيب لما وصلتكم ( العدوى ) التي ذكرها تولستوي ، ولما عشتم مع تجربتي . من هنا جاءت هذه المراوحة ، فإذا قلت مثلا :

تنفرج الأزمة إما اشتدت

شوق أنَّ بوثبه شريان

وبأحناء الوجد الأشواك .

عمدت في السطر الأول إلى استرجاع موروث مخزون في ذاكرة جمعية ، وفي السطرين الثاني والثالث لخصت معاناة ذاتية من خلال قضية عامة في لغة مختزلة ، فشرياني يثب والشوق يئن فيه ، والأشواك مغروسة في حنايا الوجد . إذن  ثمة تدفق وانفعال ، وعراك بين الشوك والشوق ، بين الألم والأمل ، بين الأنين والوثبة . وقراءتي لهذا المقطع في أسلوب الأداء والتصوير لا يجعل المتلقي يبحث عن معنى كل مفردة على حدة ، وإنما هو في موقف عام تصله التجربة بكليتها لا بأجزائها ، فيحس ما يسمى ( الصدق ) وإلى أي مدى ؟

فحتى أصل إلى من أصل إليه ، أنوع كتابتي ، واختار لكل فئة قصيدتهم التي قد تتواصل معهم . فليست قصائدي نسخة واحدة مكرورة ، وليست نفسيتي كذلك . ولكني مع ذلك سأحدثكم عن تجربتي مع قصيدة الخروج من نهر الظمأ .

قرأتها أمام طلاب أكاديميين في مهرجان غفير فتناقلوها .

وقرأتها أمام مهرجان لندن الثقافي فاعتبرها د. غالي شكري خطابة ، رغم أنه تحمس أولاً لها ، وطلب نسخة عنها . بل اعتبرها البعض الآخر هبوطًا وانخفاضًا ، وإساءة لـ مستواي الأدبي .

وقرأتها أمام طلاب الثانويات فراقت لهم الجمل الواضحة الأداء ، وأعرضوا عن سواها . فلماذا تتغاير ردود الفعل ؟ اسأل نفسي كثيرًا ، وأحيل الإجابة إلى دارسي ( علم الاجتماع – سوسيولوجيا -  الأدب) وهو تخصص أكاديمي جديد لدراسة العلاقة بين الأديب والجمهور .

ولأني لست عالم اجتماع بل معلم ،  فقد ارتأيت أن أسوق لكم نموذجيين من عالمي هذا عسى أن يكون في ذلك عبرة .

الأول : معلم شعبي مسلٍ ، حديثه مفتوح ، في حركاته حيوية وجاذبية ، إذا علَّم القليل – وقلما يعلّم – رددوا كلماته كالترياق . يلهو ويمثل . بهلوان طيب .

الثاني : معلم رصين جاد ، مسؤول عن مادته وعن وقته . كلماته تفتح آفاقـًا ، درسه للجادين فقط . تسقط عن عربة التحصيل التي يقودها عقول غير قادرة على السير معه .

قد يظن ظانّ أنني أجعل الثاني مثلا يُحتذى . إنني حقـًا أراه قريبًا إلى ما أصبو إليه . لكن مع التأكيد على حقيقة ( ضرورة التواصل ) التي يغفلها صاحبنا .... فكلما ثقف هذا معلومات وضحت في واعيته ، أداها يسيرة مشوقة ، وكلما بنى علاقات حميمة جعل للكلمات تواصلاً حتى لو كُسيت بعض جملة غموضًا ما ، فالمسالة إذن تتعلق بالأسلوب وفي عمق المعرفة .

نعود إلى الإبداع أو منتجه :

إنه ذلك المسؤول عن بناء ما ، ولا يمكن أن يؤدي رسالته بينما هو مغرق في إبهام دامس أو نفور أو انقطاع يائس ، إلا إذا كان هذا البناء عبثا ، هو الإبهام نفسه ... هو الشؤم – والعياذ بالأدب .

ولا بد من حكاية :

في جامعة بار إيلان التقيت بذلك المثقف الذي حدثتكم عنه  في المقالة السابقة ( لماذا يكتب المبدع ) ، وهو غريب  في أطواره وفي قوة حافظته . قال لي : أنا أكتب الشعر ،فإذا بشعره نقاط وحروف وأسهم وكلمات مبعثرة أشبه بالحجاب . فسألته : هل تنشر أشعارك الرائعة ؟ فأجاب : لا ، لأنني شاعر لذاتي الأخرى فقط ، وأنا أكتب لها ، ولن يفهمني أحد ، فما طعم أن أنشر لهم ؟ ولماذا أصلاً يجب أن أفعل ذلك ؟

يومها عرفت أن لا بد من فلك تدور فيه قصيدتي ، ولا بد من أعين ترمق عباراتي ، وألسن تذيعها ، وعقول تحمل عصارتها لتستمع بحياة أجمل وأمثل .

 يومها عرفت أن لا بد من صدى لصوتي ، ولا يهمني عدد الأصداء ،  بل يهمني أن أجد نفسي بينها ولها ، أن أحقق نفسي منها وفيها ، وأن أكون إياي .