موقع بيتنا

 

أدبيات - د. فاروق مواسي
في نقد النقد

 الرئيسية>>

يعرف قراء النقد وكتّـابه أمراضًا أدبية ، أرى من الضرورة التحذير منها وعدم الانبهار بها . وتتجلى هذه الأمراض في أساليب النقد المتبعة لدى الكثير من النقاد وعلى أكثر من مستوى .

من هذه الأساليب الأسلوب الذي أدعوه ( الفضفاضي ) . يتبدى ذلك في رصف كلمات وعبارات دون رصيد أو دقة ، ومن ذلك ما كان  يقوله أحمد حسن  الزيات في تقويم شعر امرئ القيس : جزل الألفاظ ، كثير الغريب ، جيد السبك ، سريع الخاطر ، بديع الخيال صادق التشبيه .. وقد سخر محمد النويهي في كتابه  ثقافة الناقد الأدبي  من مثل هذه التشبيهات إذ يقول : ... وعبث أن تحاول أن تسألهم ما معنى هذا كله . ما معنى تجهم المعاني ؟ وكي تتجهم المعاني ؟ وما هي هذه الديباجة التي يصفونها بالحسن تارة وبالصفاء  أخرى ... ( ص 22 ).

ونكتشف نحن فضفاضية العبارات واندياحها إذا حاولنا ترجمة ما يقال لأية لغة أخرى ، بل إلى لغتنا نحن ، عندها ندرك أن العبارات الإنشائية فيها تعميم لا يسمن ولا يغني أمرًا . وكثير مما كتبه إيليا حاوي على هذا النحو .

وقريب من هذا الأسلوب الأسلوب ( الشاعري ) الذي يصلح لان يكون نصًا أدبيًا آخر أكثر من كونه نقدًا . ولأسق مثلاً من كتاب  الرمز والرمزية  للدكتور محمد فتوح احمد :

.... وقد تركت خطى البارودي على رمال الشعر العربي آثارًا ترسّمها من تلاه من الشعراء ، ولم يفلت شوقي ، الذي جمع إلى فحولة الملكة الشعرية حساسية مذهلة بأسرار النغم الموسيقى ، وتحكما أصيلاً في ناصية الأسلوب الشعري ، ولكنه – في معظم تجاربه – ظل يغترف من تلك الدنان التي اغترف منها البارود ي.... ( ص 148 ) .

وهذه الاستعارات والمجازات اللغوية في النص السابق كانت تزيينًا وتدبيجًا أكثر من كونها لغة علمية محددة .

أما الأسلوب ( الغيبي ) فهو الناشئ عن ضبابية واضطراب وافتعال ، ناء عن جوهر التجربة والمعرفة الحقة . وقد قال ( بوالو ) الفرنسي  إن ما يُدرك جيدًا ، يعبَّر عنه جيدًا  وبوضوح  . فإذا انعدم التصور الحسي للميزات المادية وانعدم التنظيم الشكلي للتصور انعدم بالضرورة التعبير البيّن . ولأسق مثلاً على هذه الضبابية مما كتبــته د. خالدة سعيد في كتابها  حركية الإبداع  ( ص 210 ) :

.... إذا كان نجيب محفوظ قد كتب ملحمة التحول ، وبرهن على أنه يتحسس تراجيدية البعد الاجتماعي فإنه لم يبلغ اللحظة التراجيدية ، لأنه لم يفارق موضوعيته ، ولا اهتزت عنده مسافة الشهادة ، ففي كل موقف تراجيدي لا بد من توتر معين ، من زمن مباغت يسقط منظار الرصد ويعدم المسافة بين الشاهد والموضوع

وعلى الذي يكابر ويدافع أن يترجم هذا النص إلى لغة العمل .

أما الأسلوب  البنيوي – (  أعني المتكلف  منه فقط  ، والأصح لغويًا أن نقول :الُبُـنَويّة ) فهو آفة العصر . هذا النوع من البنيوية / البـُنوية  الذي يسوقنا شططًا ، فلا يؤدي إلى مؤدًى وبمنطقية ، وإنما ثمة أسهم ودوائر ومربعات وإشارات ومجرد كلمات(تدوّخنا ) . ولا باس من مثال أجتزئه من كتاب شربل داغر  الشعرية العربية الحديثة ( ص 85 ) :

 التشبيه يستمر بين الأرض والمتكلم مشيرًا هذه المرة إلى الازدواجية المماثلة بين الطرفين التي يمكن أن نرمز إليها بالصور التالية :

المتكلم                      ( الأرض )

اليأس #الرجاء _ّ      الخريف # الربيع

 

أريد ولا أريد (  الازدواجية ) هذه تتأكد في السطر الأخير ، لا بل يعلن المتكلم عنها بوضوح .

إن مشكلتي مع كثير من هذه الكتابات : أن المؤلف يثبت بطريقته أن أ=أ  ،  ولكنه غالبًا لا يقول لي : ما بعد ذلك ؟ وما علاقة ذلك بالمحتوى والمضمون ؟ وما هو الجديد في قوله ؟ وأين الدقة التي لا تحتمل عكس ما ذهب إليه ؟

ولا بد بعد هذا من أن أؤكد أن النقد القويم هو الذي يدعونا لتذوق النص أولاً ،  وذلك بعد أن تذوّقه الناقد ، وعالج النص منه وفيه ، فتساوقت مع قراءته معرفة سيكلوجية أو اجتماعية أو بيوغرافية ....... الخ . فيعلّم الناقد عبر هذا النص ولغته كما يضيء . ولا ضرورة أن يلتزم الناقد منحى أو منهجًا ثابتـًا ، وإنما النقد حوار جدلي بين الناقد والنص ، يقول الواحد للآخر ما يثري تجربة المتلقي وما يوضح أمامه معالم الطريق ، ولكل نص مفتاحه .