موقع بيتنا

 
 

عن المثل الشعبي الفلسطيني

إن جهود د. شكري عراف في حفظ الآثار- سواء كانت مادية أم شفوية، موقعية أو تاريخية، أم مساهمة دراسية حول  الأشجار والنباتات والقرية العربية الفلسطينية.. لا ينتطح فيها عنزان – كما كان يقال في الأمثال الجاهلية .

وقد صدر له مؤخرًا بالاشتراك مع الأستاذ رزق الله عطا الله كتاب مهم وجدير بالتقدير – هو المثل الشعبي بين المتحفية والاستمرار ، مركز الدراسات القروية- معليا،1996  يفتتحه رزق الله بقصيدة له ورد فيها:

حكم على مر الزمان تثبتت           هي ثروة عن قول حق عبّرت

وتأكدت بشهادة العقّالِ                أجدادنا سموها بالأمثال

تلت القصيدة مقدمة وضعها الجامعان يقولان فيها:

أما الجوانب الاجتماعية -  وهي التي حفزتنا إلى هذه الدراسة فهمّها دراسة الأخلاق والعادات والقيم... خاصة وأن الأمثال تجربة الشعب بمختلف طبقاته ، فهي وليدة إبداع الشعب بأسره من خلال الخبرة والفترة التاريخية التي اضطرت هذا الشعب إلى قول المثل (ص 4 ) .

الكتاب مقسم إلى مواضيع ، ولعل في هذا تجديدًا وإغناء لمن يبحث عن أمثال مركزة- عن الجار مثلا أو المصاهرة أو العداوة..

ومع كل هذا الإعجاب بجهد المؤلفَين فلي بعض الملاحظات عسى أن يتقبلاها قبولاً حسنًا:

إن تداخل الأبواب فيما بينها جعل التحديد في أمثال كل منها صعبًا، فمثلا يخصص الكتاب ِلباب النصيحة ثلاثة أمثال فقط ( ص 1095 ) منها اسلم بريشك وهي نصيحة عامة، بينما نجد المثل شاور اللي أكبر منك ...  ( 612 ) في باب التعقل .

ومثل هذا التداخل نجده في الأبواب التي تتعلق بالعائلة .. حيث نجد المثل اصطلح الجوز والمرة ونسيو اللي جرى تحت باب الصفات السلبية – الاسترضاء ( 347 ) . وأنا لا أدري حقـًا كيف أصنف المثل اللي فات مات أو تحت أي باب أجده  : القناعة؟ التسامح؟ الموت؟ الاستهتار؟

ثم ما هو المبرر لانتقاء أبيات شعرية وأمثال جاهلية ،  بل آيات قرآنية معينة ؟ فمن الأبيات أذكر:


 

فسامح ولا تستوف حقك كله


وأبق فلم يستوف قط كريم
                    ( ص
466 )


 

وردت في الكتاب يستقص وهذا البيت لأبي الفتح البستي، وكذلك البيت :


 

جمّل المنطق بالنحو  فمن


يحرم الإعراب بالنطق اختبل
                       (
559  )


 

وهو بيت لابن الوردي في لاميته ، وقد وردت أبيات كثيرة من هذه اللامية  في الكتاب ، وكأنها جارية على السنة الناس ، وقس على ذلك عشرات الأبيات ؟!

ومن الأمثال القديمة: أهدى من القطا ( 1049  أبصر من عقاب    ( 1046) كل فتاة بأبيها معجبة ( 251)، بالت بينهم الثعالب( 939).

ومن الآيات الكريمة : المال والبنون زينة الحياة الدنيا ..، سيماهم في وجوههم .. ، فإذا أدخلنا الآيات في الأمثال الشعبية بسبب استعمالها فثمة كثير من الآيات الأخرى تتردد على الألسنة نحو إن الله مع الصابرين ، وغيرها كثير كثير ؛  فالآية آية والمثل مثل وعلينا أن نمايز بينهما  .

* هناك أمثال ليست مشروحة إطلاقًـا ، نحو ما بعد الصفاح إلا النكاح   ( 269).

صديقك عقلك وعدوك جهلك والشرح في الكتاب هو المعنى واضح

 – يذكرني هذا بشرح بعض المعاني في المعاجم القديمة أن المعنى معروف .

* هناك أمثال شرحت بصورة غير دقيقة، نحو خذها بيضة ولا مجنونة ( 236 ) ، فالشرح الميل هنا للبيضاوات ( الصحيح لغة – البيض - ) لقلة وجودهن في المجتمع العربي ، ولا أظن أن وجودهن أو عدمه هو السبب في رغبة/ تمثل المثل بالمرأة البيضاء ، أما القول بلا قافية ( 397 ) فهو ليس كما ورد في الشرح يضرب في عدم الرغبة في الإساءة للآخرين ، بل هو للتنبيه على بعض العبارات التي قد تفسر تفسيرًا أخر، كأن يكون المعنى جنسيًا مثلا . أما المثل صحيح لا تكسري وصحيح لا توكلي ( 245) فقد ورد شرحه في الكتاب       يذهب هباء إذ يجب أن تكون المرأة قادرة على تدبير أمورها بيدها والصواب أن هذا المثل يخاطب الكنة التي لا يحتمل وجودها في العائلة ، فيطلب منها أن تظل محرومة لأنها لا تستحق في رأيهم أن تأكل الخبز لا صحيحًا ولا مكسورًا ، وتتمة المثل التي لم تُذكر هي وكلي يا كنينتي تا تشبعي .

أما المثل الفاحش فقد تحاشاه الجامعان في كتابهما الضخم ( 1105 صفحات )، فليس كل مثل يحظر إلى هذا الحد . 

إنه- شئنا أم أبينا – سمة من سمات مجتمعنا ، وقد عهدنا آباءنا يدونون ولا يتورعون، أقول : تسجيله  ضروري ، حتى ولو ضمن دوائر أكاديمية وفي مجال التوثيق والجمع الأمين  .

كثيرا ما يخلط الكتاب بين المثل والعبارة ، فهل الدعاء الله يرملك        ( 300 ) أو الكناية سقط من عيني ( 447) أو التشبيهات : مثل البرق ( 799) ، مثل عيون البقرة ( 956) ، غزال مصور (987)، فلان متيس (1011) هي أمثال؟؟!

عود على بدء:

يبقى الكتاب- برغم ملاحظاتي المخلصة – إضافة هامة إلى مكتبتنا المحلية وتراثنا الفلسطيني ، فما أعظم هذا الجهد في أجواء محاولات الطمس والتنكر، ولن نغمطه حتى لو كانت هناك بعض الهنات ، فالكتاب الجيد هو الذي يُحاسب ويراقب ويعاتب؛

 وتحية حب للمؤلفين رغم كل ذلك !