موقع بيتنا

 
 

نقاش هادئ مع الأديب يحيى يخلف

إلى فلسطين خذوني معكم عنوان مقالة نشرها الأخ الأديب يحيى يخلف – حينها كان وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية .

( في أكثر من صحيفة ، أذكر منها أخبار الأدب، العدد 23/3/1997 ) ، وهي مقالة ذات توجه بناء، ولا غرو أنها سليمة النية والطوية.

ولكني سأقف عند هذه الفقرة من مقالته ، وهو يتحدث عن المقاطعة الثقافية لإسرائيل :

وتحت هذه الذريعة يفرض علينا نوع من العزلة الثقافية العربية ، مثلما حدث بالنسبة للمثقفين الفلسطينيين الذين صمدوا في الجليل والمثلث والنقب داخل الأراضي التي احتلت عام 48 ، ولم تفك عنهم العزلة إلا عندما أعادت لهم منظمة التحرير الفلسطينية الاعتبار ، وعلى الرغم من ذلك  ، فما زال العديد من العواصم العربية موصدة في وجوههم بحجة أنهم يحملون جوازات سفر إسرائيلية .

ومع صدق هذه الجملة الأخيرة إلا أنني أعجب هنا من أمرين : أولهما القول بأن العزلة قد فكت عن الأدباء ( أو المثقفين كما يرى الكاتب ) في إسرائيل، وثانيهما أن منظمة التحرير هي التي أعادت لهم الاعتبار.

وسأبدأ بالثاني لأقول بصراحة - بعيدًا عن النفاق والملق - إن المنظمة لم تفعل ما يشعرنا بذلك ، وكل ما أعلمه شخصيًا- وأنا المتابع- أن مجلة مشارف حظيت بدعم الرئيس مباشرة  * . وها هو الأستاذ محمد سليمان كان  في إدارتها بدءًا من العدد السادس  ( كانون الثاني 1996 ) .

وإذا أضفنا وسام القدس الذي حصل عليه  حنا أبو حنا فحنا إبراهيم وغيرهم- وهو وسام لا نقلل من أهميته إلا أنه من مغالاة القول إن ... إعادة الاعتبار لهم ولسواهم كان بفضل المنظمة .

ذلك أن الأدباء المعروفين في الداخل ( كما يحلو للبعض أن يسموهم ) ، عصاميون بنوا أنفسهم معاناة والتصاق بالجماهير، وكانت المنابر التقدمية كـ الاتحاد و الجديد وسواهما حضنًا دافئًا لهم . ومبلغ علمي أن هذه الأدبيات وكتابها هم الذين ساهموا في  إعطاء  حق الاعتبار للمنظمة ،  وذادوا عنها وعن قضيتنا جميعًا... بمعنى آخر-  إن توفيق زياد – مثلاً – هو الذي خدم المنظمة أكثر مما خدمته المنظمة...

وهنا أصل إلى النقطة الأولى : إان أدبنا عومل ويعامل بصورة عامة وكأنه كتابات مبتدئة . كانوا قد اكتفوا بسميح القاسم وإميل حبيبي ...أساسًا ،  أما سواهما فحظهم يتأتى تبعًا للظروف وللعاطفة . ينشرون لنا - كما أحس – من باب المنة، أو أنه تحت إطار من أدب الارض المحتلة بمعنى يا الله  يا عرب تحملوهم ! ، وإذا نشرت المادة فإنها تنشر بحروف غير ملائمة ، وفي مكان غير مقنع، بيد أن مادة الشعراء والكتاب العرب المعروفين ترد تارة بخط يد، وأخرى بحروف كبيرة ، أو بألوان، أو بإعلام عنها في الصفحة الأولى ، مع أنك   تقرأ هذه المادة ، وقد لا تجد فيها شيئا خاصًا او لبابًا مغذيًا.

تقول في نفسك : يبدو أن هؤلاء أشعر أو أقدر ، ومن أنت ؟ !

إذن هو :  الخذلان + تيئيس + تشكيك بقدراتك .

تتسلح بمقولة سفيان الثوري من عرف نفسه لم يضره ما قال الناس  فيه ، وتتذكر مقولة ابن الجوزي إن الزمان أشرف من أن تضيع منه لحظة...فهل يجوز للعاقل أن يتوقف عن البذر ويتوانى .

تبذر ولا تتوانى ، وترسل المادة لصحفنا المحلية ، فتجدها أغلبها غارقة في علاقات مقررة ، وتجد الأدباء كل في واديه هائم،. تقرأ في صحفنا فإذا هناك من الأدباء الشباب من يندبون أدبنا، ويقولون لنا : علينا أن نتخلص من النرجسية ،  وأن نراجع حساباتنا وموادنا . نقول : سامحهم الله ! لننتظر طاقاتهم الخلاقة ومنابعهم الدفاقة ! ونقول : لعلهم يفهمون المقروء أكثر منا ؟ ويحسنون اللغات الأجنبية أفضل ؟ ويتقنون التراث أي إتقان ... أو لعلهم هم الموهوبون ، ونحن المدعون ؟

فهل هم مأزومون يتحدثون عن أزمة وصلت الذروة ؟!

عود على بدء : لا تعجبن- أخي يحيى إذا قلت إن صحافتنا الفلسطينية – أيضًا- تعامل أبناءنا من باب الواجب نحو الأهل .

ومن ينكر علي قولي فليسأل :

هل طلبت صحيفة ما من أحد منا  أن يكتب مادة أدبية؟

أو أن يشارك في نقاش ، أو يدلي دلوه بعد أن تتعطش الصحيفة لمياهه ؟

إنهم يريدون منا أن نرسل المادة ، وبعدها هم يتكرمون بالبت فيها ، وحتى المؤتمر الفلسطيني الأول كانت ثم دعوات لنا بدعوات، وأنصاف دعوات ، ولا دعوات..

وحتى اؤكد موضوع العزلة في صحافة العالم العربي أسوق هذه الحكاية: في زيارتي لعمان كنت في دار الشروق ( في شباط 1997) ، وهي تصدر مجلة فصلية محترمة – تحمل اسم الجديد ، وقد أصدرت اثني عشر عددًا ، ويحوي كل عدد ملفًا عن شخصية إبداعية. سألت السيد فتحي البس- مدير الدار : من ضيف العدد القادم ؟

-  المؤرخ عبد العزيز الدوري.

-  الديكم مانع في أن يشارك في العدد صديق لي أكاديمي ممن يتابع دراسات الدوري ،

حتى لأزعم أنه يعرف عن دراسات المؤرخ أكثر مما يعرفه هو  نفسه     - قلت ذلك   مبالغًـا-

-  .....  لا

-  ولم؟ يا لطيف!

- لأننا نحن الذين نكلف الكاتب قبل إصدار العدد ... يستطيع صاحبك أن يكتب بعد  صدور العدد ، وسنرى صلاحية نشره.

وأخيرًا، أخي يحيى!

أليس هذا الحوار مدعاة للوقوف هنيهة لنفكر وندبر في خصوصيتنا ؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

* اعترف لي المرحوم إميل حبيبي بذلك ، في أثناء  زيارتي له في مكاتب المجلة ، وذلك قبيل وفاته .

ملاحظة : طرأ تغير طفيف وملحوظ  اليوم ( سنة 2004 )  ، وكانت هذه المقالة قد نشرت قبل سبع سنين ، وبسبب أن كثيرًا منها ما زال كما كان أثبت هذه المقالة  .ا .