موقع بيتنا

 
 

المسرح العربي والعام 2012

 قدم المسرح العربي – في حيفا- مسرحية غسل وجهك يا قمر التي كتبها أنطون شماس ، فحقق بذلك حلمًا كان يراودنا جميعًا ، إذ عمد إلى تمثيل نص ل/أديب محلي أولاً ،  وإلى استقطاب جمهور مسرحي تهمه قضايانا المعيشة ثانيًا .

وأعترف لكم أن المسرحية استعصت علي ،  فهي محشودة بالرمز والتلميح  ، هي لا تباشر مشاهدها ،  بل تلح عليه أن يعي ما وراء القول والحركة ...

مجمل القول- فيها تحذير من واقع قد يقع لنا  نحن العرب المقيمين في إسرائيل .

حلقت مخيلة الكاتب إلى  العام 2012 فإذا بخطر العدمية قائم في اللغة من خلال حديث يشير باللغة المختلطة العِرْبية، وفي البعد عن التراث، وفي اللهاث وراء الحياة المادية – كما تجلى في سلوك المحامي شرارة وزوجه - في المسرحية مفاتيح متناثرة ، ونحن في دوامة أبواب لا نهتدي بيسر لفتح مغاليقها ، فعم يبحث نعمان – بعصبية – في منزل المحامي؟

وهل جاء حقًا لسرقته؟

وكيف وصل بشير، ومن ثم مجيد إلى هذا المنزل -  حتى بات الثلاثة في مصيدة لا يستطيعون الخروج منه ( منها )؟

وما هو دور القمر كرمز للتخدير العربي ( على غرار قصيدة خبز وحشيش وقمر   ( لنزار قباني ) ، او ككلمة سر يعمد إليها المحامي لتصفية مجيد من قبل ملثمين ، أو كعنوان مفتوح لأكثر من دلالة ؟!!!

عود على بدء

يبدو لي أن الأديب أنطون شماس يعالج هنا شرخًا أو انشطارًا للشعب الفلسطيني يتكهن به مستقبلاً وذلك بعد اتفاقية أوسلو ...ونقرأ بين السطور أن العرب في إسرائيل سيعيشون في متاهة وتخبطات  وضياع ، وقد يصلون إلى تفكك اجتماعي وانحلال أخلاقي ..إذ ليست هناك بوصلة لهم أو دليل . لقد كان صوت بشير ممثلاً للإنسان العادي البسيط الذي لا يدري أين هو وماذا يريدون منه ، وكان صوت نوال مدافعًا عن وجودها واستقرارها في إسرائيل .

أما الشخصية اليهودية فقد افتقدناها في المسرحية في صورة حوارية ،مع أن وجودها – في رأيي – هام جدًا لإغنائها في جدلية حاضرة لا غائبة.

تثير النهاية – قتل مجيد – أكثر من تساؤل ، ولكننا بالتالي لا نبرئ مجيدًا ( المزدوج الشخصية )، كما لا نبرئ المحامي شرارة من اتهامه بتجارة المخدرات ، و من سلوكيات غير قانونية ...

ويبقى السؤال : من هم هؤلاء الملثمون ؟ ولحساب من يعملون ؟ الأسرار تغلف المسرحية كثيرًا ، نعمان يبحث عن شيء ما ( نوعا من الانتظار  – البيكيتي ) ، نعمان وعلاقته بنوال ، حكاية السمك ورمزيته ، السر بين المحامي وبين مجيد قبيل الاغتيال ، علاقة المخدرات بالمسرحية وكيف ارتبطت منطقيًا ؟

وعلى الإجمال ،  فالمسرحية بنيت على شذرات أو ومضات كلامية جذابة من غير أن تكون بنية متراصة .

أما الدرامية فتعتمد على حركة الممثلين أكثر من كونها متداخلة ومتواشجة في النص .وتأتي الجمل – عادة – خالية من اللغة الاستعارية أو الشعرية أو التكثيف ، أي أن فيها الكثير من الشعارية والافتعال .

ومع هذا فإن الإلماع إلى قصة غسان كنفاني رجال في الشمس ، والسؤال لماذا لا تقرعون باب الخزان كان مثارًا أو ملقى من وراء الرجال الثلاثة الذين وقعوا في المصيدة أو منزل المحامي من غير أن يتمكنوا من الخروج ... لا شك أنها إشارة ذكية تستلزم أن نفعل شيئًا  ...  لا أن ننام .

إذن ، هي مسرحية تدعك أنت في تفكير ، تسأل نفسك : ماذا أفعل ؟  وإلى أين ؟  إنها لا تخبرك ولا ترشدك بل تنتظر منك التساؤل ... إنها تمتحن ذكاءك حتى لو تعقدت الخيوط وتشابكت . وإذا كانت الكتابة / النص يحتمل النقاش فإنني أرى – مع ذلك – أن الممثلين هم الذين نهضوا بالنص ، وأخص هنا الطاقة الرائعة التي انطلق بها محمود قدح (بشير) بالفكاهة والحركة، بالإضافة إلى نورمان عيسى (نعمان)   الذي عرفناه متألقًا في مسرحية موت فوضوي ولا أنسى أن أشد على   يد كل من سلوى نقارة   ( نوال )   ومكرم خوري ( مجيد ) وغسان عباس ( المحامي شرارة ) فلهؤلاء الأحبة رصيد من الإعزاز وحسن الثناء لموهبتهم .

وللمسرح العربي ولأنطون شماس تحية حب رغم كل ذلك.