موقع بيتنا

 
 

رحيل أستاذ

الأستاذ دافيد صيمح عالم جليل من علماء العربية ، نذر نفسه منذ أن قدم إلينا من العراق للبحث الجدي والمجدي، فكان معلمًا لأكثر من جيل تخرج من يديه خيرة دارسينا ومعلمينا.

عرفناه أولا بميوله اليسارية الإنسانية ، وعرفناه ثانيًا بديوانه حتى يجيء الربيع ( المطبعة الحديثة- 1959) . وقد جمع وأعد دراسات في أدب توفيق الحكيم ( 1970 ) و مطالعات وآراء في اللغة والأدب ( 1971 )،وله كتاب بالإنجليزية أربعة نقاد مصريين ( ليدن - 1974)، وصدر له مؤخرًا كرمليات – دراسات في أشكال الشعر العربي وأوزانه ( 1995 ) . وهذه الدراسات سبق أن نشرها في مجلة    الكرمل الأكاديمية التي تصدر في جامعة حيفا، وقد أشرف عليها حتى رمقه الأخير .

أما أبحاثه بالعبرية فتصل إلى ثمانية أبحاث نشرها في مجلات وموسوعات علمية .

 ( على سبيل المثال كتب مادة المتنبي في الموسوعة العبرية المجلد 24، ص 772 )، ولا زلت أتحسس عشق صيمح لهذا الشاعر الكبير حقًا منذ أن درسني عنه ضمن مساق خاص في جامعة بار إيلان ). وأما بحوثه بالإنجليزية فهي ستة عشر بحثًا منشورًا ، منها ما هو في J.A.L أو في J.S.S اأو في Arabica... وفي سواها ، ( على سبيل المثال كتب مادة طه حسين في موسوعة الأدب العالمي في القرن العشرين ( مجلد 2 ، ص 416 418 )- ومن المؤسف أن هذه المقالات غير العربية تكاد لا تصل للقارئ العربي – عامة- .

 ومن دراساتة الجادة جدًا تلك الدراسات العروضية     ، بل معالجاته لشعر اللهجات العربية من بدوية إلى يمنية إلى عراقية ، وهذه الدراسات خضمّ لا يحسن الخوض فيه إلا كل عارف. ولا شك أن جامعة حيفا – وكان رئيسًا لقسم اللغة العربية فيها لفترات طويلة – ستعمد إلى الاهتمام بدراساته حتى تفي حق هذا العلامة أولاً، وحتى تقدم لطلابنا أضواء من هذه الشعلة التي ستظل متوهجة رغم رحيل صاحبها –

أما عن شعره فلن أحدثكم عن رقته، وخاصة عن مثل وصفه:

واهتز نهدان من نور ومن ضرج                 لم أدر ايهما في الثغر أختار
                         ( ص
28 )

وهذا البيت ذكرتة للترويح -، لكني سأتوقف يسيرًا عند هذا الحب الجارف لبغداد وللعراق، فقد قال بعد أن استشرف ثورة 1958 :

بغداد هل أنسى الطفولة  والصبا           والباسقات من النخيل تأودت  

ومراتعًا أودعتها أسراري                   وضفاف دجلة والغدير الجاري
                          
61 )

ونظرة إلى القصيدة ،  فسنرى تفصيلات الحياة اليومية في العراق ، وكيف ينطلق الشاعر ليقارع الظالمين والجلادين الحساب .

كل ذلك بدافع الحب الجارف لهذا الوطن الذي ظل يتنسم هواءه، ويتغنى به أسوة ببعض العراقيين - أخص منهم سمير نقاش وموسى حوري وسليم شعشوع ويعقوب صيمح وغيرهم ( اسمعوا غناءهم وحنينهم لتتبينوا ذلك ).

أما عن نضاله في بلادنا فقد آثر اسلوب التوجه الإنساني ، ففي تناوله مجزرة كفر قاسم جعل مشاعره تنصب على لسان طفلة تسأل أمها عن أبيها الذي صرعه الجنود، ثم ما لبث أن اقحم صوته :

تقرب يوم الصراع الأخير

فقد هبت العاصفه

على الكون حانقة جارفه

تطوح بالظلم والظالمين

وبالسارقين طعام الجياع

وبالسجن والساجنين

وبالسالبين حليب الرضاع

وبالسافكين الدماء

                                       ( ص 44 )

كما كتب قصيدة أخرى على لسان أب اعتقل في أيار 1958، وهو يخاطب ابنته التي ولدت في غيابه ( وكأني به هنا يتحدث عن عراقهِ):

هنا ولدت وفي هذه الأرض ثوى

                                     لن أرتضي بدلاً عنها الجنان وإن

أبي وأمي وأجدادي من القدم

                                    جرى على أرضها فيض من النعم
                          ( ص
54
)

وبعد: فيا أستاذي ،  ويا من أنعمت علي – شخصيًا - بكلمات أعتز بها ستنشر في مكان آخر :

قلت لنا في قصائدك إنه ما زال لديك الكثير من العطاء ،وإنك ترفض الموت :

لا لن أمد إلى الفناء يدي                    ما زال في قيثارتي  نغم 

ليكون جوف الأرض متسدي              أشدو به كالطائرالغرد
                              ( ص
32 )

إن أنغامك ستبقى ، وآثارك ستظل ما ظلت القراءة، ويبدو لي أن الحكيم في رائعته أهل الكهف وشخصية بريسكا العاشقة هي التي أوحت لك بقولك:

إن ضمني قبري                  قولي محب مات

ولكم أتمنى أن يكون هذا البيت نقشًا على ضريحك .

  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*علمت أن الجامعة ستصدر قريبًا كتابًا بالعبرية عنوانه الحب لدى العرب- الغزل في التراث الأدبي العربي ( אהבות ערב- האהבה במורשת הספרותית הערבית) من إعداد البروفيسور دافيد صيمح .