موقع بيتنا

 
 

هل نحن شعب قارئ ؟

كثيرة هي الأسباب في عدم الإقبال على الكتاب . بيئتنا أصلاً وغالبًا انحدرت من بيئة زراعية لم تكن تولي القراءة أدنى اهتمام ، فلا بدع إذا بقي أثر ذلك قائمًا ، وظل العزوف سُنة في عصرنا المادي هذا ،   وكأن الانهماك في المطالعة هدر للوقت ، وأخشى أن أقول إن هناك من يسخر بصاحبها .

ثم ماذا تتوقعون من مجتمع امتنعت عنه أسباب القراءة ، فليس لدى الأغلبية فيه كتب أو مكتبات ، بل ليست هناك وظائف إشرافية مسؤولة – سواء من الحكومة أو السلطة المحلية - تدأب وتجد حتى تجد الوسائل المحفزة للدراسة ولمصاحبة خير جليس ... ( ورحم الله عمنا أبا الطيب ).

وإذا أضفنا انغمار أبنائنا في التسلية وبرامج المسلسلات التلفزيونية والمغامرات والكراتية( وتوم وجيري ) وهلمجرًا  جرّا ، فإننا سنعلم علم اليقين أين نحن من القراءة ؟ او أين القراءة منا ؟!

ولرب سائل يسأل : وما جدوى القراءة في هذا العصر ؟ فنجيب على سبيل التذكير – إن نفعت الذكرى- أن القراءة مصدر للمعلومات ، ومفتاح للمعرفة ، تزيدنا حكمة وتعمقًا في الحياة ، وتدبرًا في أمورنا ... تقدم لنا خبرات الآخرين ، نتلقى الحروف فنستمتع ، وقد نعبر بعدها عما قرأنا ، نحقق شخصياتنا فتزداد ثراء وبهجة . من واجبنا – إذن – أن نقرأ حتى نتعلم بعد أن كنا نتعلم حتى نقرأ ، نتعرف على النص، على المعاني ، نربط ، نركز، نتذكر، نستوعب، ننقد، بل أحيانًا نتعلم حتى نحل مشكلة ، أو نعرض حلاً، أو نترك أثرًا.

وهذا – بالطبع- لا يغير من حاجتنا لقراءة التسلية أو المتعة ، وكما ذهب إلى ذلك   توماس بيكون ( 1561-1626)    الناقد الإنجليزي الذي رأى في القراءة أنواعًا ثلاثة – للتعلم ( Learning) . ب- للمتعة (Pleasure)   ج- للزينة ( Ornament ) .

دعيت إلى بيت الكرمة مؤخرًا لالقاء محاضرة على أمناء المكتبات في الوسط  العربي عنوانها تحفيز المطالعة ، فقدمت بعض الاقتراحات أو الاجتهادات ، وقلت :

ما أحوجنا إلى مكتبة في كل أسرة ... يتعرف الطفل على أهمية الكتاب ، وأهمية الحفاظ عليه ، نشجعة على أن أفضل هدية لحفلة عيد الميلاد له ولأصدقائه هي الكتاب، وبالتدريج سيقتنع أو – على الأقل -  يتقبل  ذلك.

ما أحوجنا إلى مكتبة في كل مدرسة ومؤسسة ، بل إن  هناك مدارس كثيرة فيها مكتبات صفية، ومدارس فيها حصة مطالعة ضمن البرنامج، وتتم مراقبة المطالعة عن طريق إعطاء أسئلة ميسرة ، أو عن طريق التسجيل في بطاقة خاصة .

ما أحوجنا إلى إثارة روح التنافس ، فلا يقوى التعليم بدون الغيرة البناءة ،. تصوروا لو كانت هناك مكتبة متنقلة في سيارة البلدية، ووقفت السيارة عند الجيران ؟ وخرجت  الجارة مع بعض أبنائها لاختيار مادة للقراءة؟  وسأدع لكم بقية الحكاية .

ما أحوجنا إلى أن تكون المكتبة في عهدة أمين المكتبة- الذي يعرف ما هي الكتب التي في حوزته، ويتدارك فلسفة بعض المعلمين الذين يطلبون تحضير مواد بصورة عشوائية، وربما لا يعرفون عن المصادر شيئا- أعني تلك التي تخص ما طلبوه  بالذات .

ما أحوجنا إلى جعل المكتبة عاجة بالحركة، تارة  يكون  فيها معرض ، وطورًا فيها مناقشة، مرة فيها محاضرة، وأخرى عرض شريط ، وهنا لا بد من إزجاء التحية إلى مكتبة مجد الكروم وأمينها ، وكذلك إلى كل  من ينهج نهجه.

ما أحوجنا في كل مكتبة إلى تأسيس ما يسمى  أنصار المكتبة يحركون الأمور بدلاً من تركنا في القال والقيل والإركان إلى ثقافة الصحف فقط .

ما أحوجنا إلى مجلات -  منها المطبوع ، ومنها المخطوط، منها ما هو من إبداع أبنائنا ، ومنها ما هو من مقتبساتهم ومختاراتهم ،. أما مجلة المدرسة  ( أنى كان مستواها العمري ) ففيها بالضرورة تعدد موضوعات – الأمر الذي لا يبعث على الملل، وفيها مشاركة الطفل بالاستفسار      ( وهو بالتالي سيهتم بالإجابة عن سؤاله ) وفيها جدة ومتابعة للحياة اليومية ، وفيها ثقافة المجتمع وقيمه التربوية ، وفيها الرسوم التوضيحية والفنية ... وكل هذا لا يتأتى إلا بعد القراءة التي نستمد منها ،  وفيها كل ذلك.

تصوروا لو نشرنا على لوحة إعلانات المدرسة نبأ عن صدور كتاب ... عن احتفال به! ألا نذوت في الطفل تقدير الكتاب ؟ تصوروا لو استـنـنّـا سنة اللغة العربية ، تصوروا لو قدم الإعلام – وخاصة إذاعتنا – المرخصة وغير المرخصة - من مرئية وغير مرئية – برامج جادة جيدة ومسؤولة، ومراقبة تربويًا؟

إنني على يقين أن كل متابعة بعزم صادق نتيجتها هي  الوصول إلى السبيل. خذوا بجد واحدة فقط مما قلت ، وثابروا تجدوا أنكم أدركتم مبتغانا جميعًا .. أن نكون شعبًا قارئـًا – أن نسافر عبر الحروف إلى عالم الحقيقة..... وإلى رهافة الجمال. وقل اقرأوا...